في قول الله تبارك وتعالى في سورة طه: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْْْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِ
يَهُمْ) [طه: 77-78].
عدول عن لفظة «الْبَحْرِ» إلى لفظة «الْيَمِّ»، ومعلوم أن المراد بالبحر في الآية الأولى هو بعينه المراد بالْيَمِّ في الثانية، فما هو - إذن - وجه المخالفة بينهما في هذا السياق؟
تقول معاجم اللغة في مادة (ب، ح، ر): أصل البحر كل مكان واسع جامع للماء الكثير، والعرب تسمي كل نهر واسع بحراً، وسموا كل متوسع في شيء بحراً، فقالوا: فرس بحر باعتبار سعة جريه، وقال عليه الصلاة والسلام في فرس ركبه: «وجدته بحراً»، والتبحر في العلم التوسع، وبملحظ من هذه السعة قيل: بحرت كذا أي أوسعته سعة البحر تشبيهاً به، والبحر عند العرب -أيضاً- الشق، ومنه بحرت البعير، أي شققت أذنه شقّاً واسعاً.
وتقول في مادة (ي - م - م): اليم البحر، وزاد اللبث: الذي لا يدرك قعره ولا شطاه، وقيل: اليم هو لجة البحر، ويممه: قصده، وتيممته برمحي: قصدته، واليمامة: القصد، ويم (بالضم) فهو ميموم: طرح في البحر، ويم الساحل يمّاً إذا غلبه البحر وغطاه فطما عليه.
وفي ضوء ذلك نستطيع القول إن لفظتي البحر واليم وإن دلتا على معنى واحد فإن لكل منهما مساربها الدلالية أو دائرتها الإيحائية الخاصة التي تتمايز بها من الأخرى، فبينما ترد الأولى بملحظ من معنى السعة أو الشق، ترد الثانية بملحظ من الدلالة على الطرح أو القصد أو القهر.
ومن ثم - والله أعلم بمراده - كان إيثار الأولى مع نعمة الإنجاء، ثم العدول عنها إلى الثانية مع نقمة الإغراق؛ إذ بهذا وذاك تبرز ملامح المعجزة التي تحققت لموسى في هذا الموقف، أعني معجزة المفارقة بين مصيرين متناقضين في مكان مائي واحد، ينفسح لفريق وينشق لهم طريقاً مطمئناً يدرجون عليه آمنين، وينغلق على فريق آخر فيتعمدهم دون الأولين بالهلع، ويطرحهم في لجته الهائجة جثثاً هامدة.
ولعل مما يجلي هذا التمايز بين اللفظتين أن نشير إلى أن لفظة «البحر» قد وردت في ثلاثة وثلاثين موطناً من القرآن الكريم، وبتأمل سياقاتها في تلك المواطن نجد أنها تدور - في الأغلب الأعم - حول تذكير الإنسان بما أسبغه المولى سبحانه عليه من نعم.
من ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ) [لقمان: 31]، وقوله سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) [المائدة: 96]، وقوله : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [يونس: 22]، وقوله سبحانه: (وَإِذْ
فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ) [البقرة: 50].
أما لفظة «اليم»، فقد وردت ثماني مرات في القرآن الكريم، كلها في سياق قصة موسى، كان اليم في خمس منها أداة نقمة ووسيلة هلاك، كما هو في الآية التي نحن بصددها، وأيضاً قوله سبحانه في آل فرعون: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)[الأعراف: 136]، وقوله تعالى عن فرعون: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) [القصص: 40، الذاريات: 40]. وقوله سبحانه في خطاب السامري: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفا) [طه: 97]. أما الثلاث الأخرى فقد وردت في خطاب أم موسى عليه السلام في موطنين؛ هما: قوله تبارك وتعالى: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ
فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) [طه: 39]، وقوله سبحانه: ... (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) [القصص: 7].
فالشأن فيما ذكر بلفظ «اليم» أن يكون وسيلة إهلاك، ومن ثَم فإن في إيثار هذا اللفظ في الآيتين إبرازاً لوجه المعجزة التي اختص الله بها نبيه موسى؛ حيث شاءت إرادته أن يغدو اليم المهلك في العادة له خاصة وسيلة نجاة، كما شاءت أن تكون النار التي من شأنها الإحراق برداً وسلاماً على إبراهيم.
بقي أن نشير إلى أن كلّاً من لفظتي البحر واليم في القرآن الكريم قد تواردت:
-معجميّاً- مع قائمة من الألفاظ التي لم تتوارد معها الأخرى؛ فبينما تواردت البحر مع ألفاظ من مواد: (الإنجاء، الصيد، التكريم، المتاع، الاهتداء، التسخير، النعمة) تواردت اليم مع ألفاظ من مواد: (الانتقام، القذف، الإلقاء، النسف، النبذ)، وفي هذا التمايز الجلي بين القائمتين ما يدعم القول إن هاتين اللفظتين وإن دلتا على معنى واحد فإن لكل منهما ظلالها الإيحائية الخاصة التي جعلتها أكثر من الأخرى ملائمة لموقعها من سياق الآية الكريمة.
* مدير الجامعة القاسمية بالشارقة