(1)
قراءة اجتهادية، هذه، للتساؤل عن شحّ الشعر العربي الذي انكتب عبر مئات السنوات على بحور ستة، من أصل خمسة عشر بحراً أضاف إليها الأخفش بحراً آخر سمّاه المتدارك، ربما، لكي يتدارك ما كان نسيه أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهي، طالما أن الشعراء لم يستخدموا هذه البحور كثيراً، هي بحور ميتة حتى لو جرت بعض القصائد العربية على مجرى هذه البحور . . وهي: المديد، والسريع، والمنسرح، والمضارع، والمقتضب، والمجتث .
تفعيلات المديد، على رغم بساطتها واقترابها من بحر سهل الإيقاع مثل الرمل الذي كتب عليه الشاعر اللبناني خليل حاوي معظم قصائد مجموعته نهر الرماد . . تتلخص في تفعيلات ثلاث هي: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن، ويقول د . عبدالعزيز عتيق الذي وضع واحداً من أهم كتب علم العروض والقافية وبهذا العنوان وهي محاضرات - كما يأتي في مقدمة الكتاب ألقاها د . عتيق على طلبة الصف الأول في قسم اللغة العربية في جامعة بيروت العربية . . إن هذا البحر - بحسب قول د . عتيق قليل الاستعمال ولكن د . عتيق لم يوضح لماذا هذا البحر قليل الاستعمال، لأن كتابه في الأصل وهو كتاب عملي إجرائي وعلمي يهتم بعلم العروض وعلم القافية، ولا يذهب إلى التحليل والتساؤل، الأمر الذي نحاوله الآن، في هذا العدد من الملحق الثقافي كي نصل إلى إجابة ولو موجزة . . هل الوزن الشعري هو قيد على الشعر، أم أن القيد هو ضد حرية الشعر . . ثم لماذا أهمل العرب ستة بحور تم ذكرها أعلاه، أو أنها بحسب توصيف د . عتيق قليلة الاستعمال، وهي هنا في توصيف آخر بحور ستة ميتة؟
هل جاءت قلة استعمال هذه البحور من صعوبة تفعيلاتها أم من صعوبة إيقاع البحر الذي تتألف منه مجموعة هذه التفعيلات مع أن التفعيلات تتبدل وتتغير لكن صوتها واحد، مهما اختلفت البحور والتفعيلات .
إذا كان المديد يتألف من:
فاعلاتن فاعلن فاعلاتن أي أنه بحر مركّب التفعيلات
فإن السريع يتألف من هذا الوزن:
مستفعلن مستفعلن مفعولات مستفعلن مستفعلن مفعولات
وإذا قلبت مستفعلن تصبح فاعلات أي أن العائلة العروضية الوزنية هي عائلة واحدة، والسريع أيضاً، في إطار هذه القراءة هو بحر قليل الاستعمال في الشعر العربي، أي أنه بحر ميت، والموت هنا، صفة مجازية، لأن بحار الشعر وبحار الأرض لا تموت طالما كان على وجه الأرض بحّارة . . وشعراء .
المنسرح، وهو أيضاً بحر صعب وقليل الاستعمال في الشعر العربي يجري وزنه على النحو التالي:
مستفعلن مفعولات مستفعلن مستفعلن مفعولات مستفعلن
وإذا أجرينا ما يمكن تسميته صلة قربي بين تفعيلات المنسرح والمديد والسريع سنجد أنها متقاربة أو أنها ما يشبه اشتقاق تفعيلة من تفعيلة .
وزن المضارع، مختلف كلياً عن السريع والمديد والمنسرح، فهو يتألف من:
مفاعلين فاعلاتن مفاعلين مفاعلين فاعلاتن مفاعلين
ولكن لنلاحظ هنا أن فاعلاتن . . التفعيلة الانسيابية السهلة في بحر الرمل تدخل الآن في بحر صعب آخر هو المضارع . . وهو بحر قليل الاستعمال، ومرة أخرى، هو بحر ميت بالمعنى المجازي .
بحر المقتضب، كما يذكر د . عتيق، بحسب نظام الدوائر الوزنية يأتي على هذا النحو:
مفعولات مستفعلن مستفعلن مفعولات مستفعلن مستفعلن
وكما نرى ثانية هناك تفعيلات مشتركة تدخل في هذه البحور التي هي قليلة الاستعمال، أو أنها بحور ميتة وذلك لشح الكتابة عليها وقلة الشعراء الذين اقتربوا منها .
بحر المجتث وزنه بحسب نظام الدوائر العروضية أيضاً . . هو
مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن
(2)
لم يكن هذا العرض الوزني لبحور الشعر على نحو علمي من كتاب د . عبدالعزيز عتيق - لمن يريد العودة إليه - إلا من باب تساؤل واحد، لماذا أهمل العرب الكتابة على هذه البحور، فيما كانت البطولة للكتابة الشعرية تنحصر في بحور محددة مثل الطويل، والكامل، والرمل، والخفيف والبسيط .
معظم شعر المعلقات أو ربما كلّه جاء على البحر الطويل ووزنه:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن
أما الكامل فهو يتألف من تفعيله واحدة متفاعلن مكررة ثلاث مرات في صدر البيت الشعري وفي عجزه . . يقول المتنبي:
إن القتيلَ مضرجاً بدمائه مثلُ القتيلِ مضرّجاً بدموعه
امرؤ القيس يقول على الطويل . . وما أكثر أشعاره على هذا البحر:
تضيء الظلام بالعشاءِ كأنها منارةُ ممسى راهبٍ متبتل
أبو تمام في قصيدته الشهيرة فتح عمورية على البحر البسيط يقول:
رمى بك الله برجيها فهدمها ولو رميت بغير الله لم تصبِ
أحمد شوقي في قصيدة مشهورة له يقول:
وللحرية الحمراء بابٌ بكل يدٍ مضرجة يُدقُ
وهو من البحور المستعملة أو من البحور غير الميتة الوافر
(3)
ربما كانت الصحراء في امتدادها وانسيابها الرملي وإيقاعها المكاني أقرب إلى وزن الطويل والخفيف على وجه التحديد (فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن) أما فروسية الشاعر العربي فهي أقرب في تدوينه الوزني إلى الكامل، حيث التفعيلة كاملة بالفعل . . بل، وتبدو تفعيلة ثقيلة ذات أبّهة وزنية متفاعلن .
ربما كان البسيط وهو بحر إيقاعي بالفعل أقرب إلى غناء الشاعر أو غنائيته ووحدته وعزلته . . فلم يكن إيقاعه إلا إيقاعاً واحداً في صحراء متشابهة ومسافات من الرمل والعزلة متشابهة أيضاً .
ربما الحاجة إلى المديح . .
فالشاعر العربي لا يستطيع أن يمدح ملكاً أو أميراً في ذلك الزمان إلاّ بإيقاع وزني متداول ومعروف، ولذلك، لأن تلك الأعرابية قالت على الوافر:
وبيتٌ تخفقُ الأرياحُ فيه أحب إلي من قصر منيفِ
بدا كأنها تغني . . أو أن الحنين الداخلي لديها جعلها تغني على الوافر .
(4)
يبدو من خلال استعمال بحور الشعر في عدد قليل منها في الجاهلية وصدر الإسلام أن الإيقاع الشعري يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمكان وثقافة المكان . . أي أن البيئة هي التي تحدد ليس الثقافة فقط، بل، وتحدد الإيقاع أيضاً .
عند دخول العرب في المرحلة الشعرية التي تلت تلك البراءة الصحراوية والانتقال من البادية إلى المدينة اختلط الصوت . . صوت الحياة وصوت المدينة على الشاعر، فكان عليه أن يكتب على بحور أخرى جديدة، ولكنه، ولأنه أمين إلى ذاكرته البرية أو الصحراوية لم يقم باستعمال هذه البحور، وهكذا، رغم أن الخليل بن أحمد الفراهيدي وضعها رسمياً في كتاب الوزن والعروض إلا أن الشعراء قاموا بإهمالها، وربما، اعتبروها، البحور الميتة .
(5)
في الخمسينات وربما في أواخر الأربعينات من القرن الماضي ظهرت قصيدة التفعيلة التي تخلصت من شكل البحر الخليلي التقليدي، أي الصدر والعجز، وبذلك انفتحت كتابة الشعر على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي . . انفتحت على التفعيلة وليس على البحر .
ولم يعد بحر الشعر إطاراً في حد ذاته للقصيدة، وإنما التفعيلة في حد ذاتها . . التفعيلة الوحيدة، أصبحت هي الإطار الأوسع والحر لكتابة الشعر . . ولذلك كتب شعراء التفعيلة العرب على التفعيلات التالية:
متفاعلن . . وهي مأخوذة من الكامل .
فاعلاتن . . وهي مأخوذة من الرمل .
مستفعلن . . وهي مأخوذة من الرجز .
فعولن . . وهي مأخوذة من المتقارب .
في أشعار بدر شاكر السياب، والبياتي، وبلند الحيدري، ونزار قباني، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل، وأحمد عبدالمعطي حجازي ومحمود درويش وسميح القاسم وغيرهم من رموز قصيدة التفعيلة العرب، لم يخرج هؤلاء كلهم وغيرهم ممن خرجوا على البحر وذهبوا إلى التفعيلة . . لم يخرجوا عن خمس أو ست تفعيلات فقط، فيما الخليل بن أحمد الفراهيدي وضع نظاماً للشعر يتألف من خمسة عشر بحراً . . كما يبدو تم التمرد والانقلاب عليها ولكن من دون الخروج عن الثوابت التي وضعها الفراهيدي وهي التفعيلات . . أو الوزن العروضي .
(6)
إذا كانت العرب قد استخدمت بحور الطويل والكامل والبسيط والرمل وحتى الرجز لأغراض المديح والبكاء على الأطلال والفخر والغزل العفيف، وأهملت بحوراً أخرى صعبة قد لا تصلح لهذه الأغراض، فإن الاستخدام نفسه يتكرر في القرن العشرين . . قرن الانقلاب على شكل القصيدة العربية ولكن بصورة أخرى .
انحصرت، بكلمة بسيطة، استعمالات شعراء التفعيلة منذ الثمانينات وحتى الآن في تفعيلة واحدة أو في تفعيلتين:
الأولى: فعولن . . مأخوذة من بحر المتقارب .
والثانية: فاعلن . . مأخوذة من بحر المتدارك الذي اكتشفه الأخفش بعد الفراهيدي .
بلا مبالغة، هناك 90% من الشعراء العرب الذين يكتبون التفعيلة لا يكتبون إلا على المتقارب والمتدارك، وذلك، ربما يعود إلى أمرين:
الأول . . لأن المتقارب والمتدارك هما الأقرب إلى السرد أو إلى الحكي، فهما تفعيلتان قصيرتان إن جاز الوصف، وهما تفعيلتان مشتقتان في الأساس من تفعيلات طويلة أو ثقيلة .
إن تفعيلة فعولن التي هي من وزن المتقارب يمكن العثور عليها في جسد تفعيلة فاعلاتن في بحر الرمل، فهي الصوت الوزني الأخير في هذه التفعيلة الرملية الطويلة .
أما تفعيلة فاعلن في بحر المتدارك الذي اكتشفه الأخفش فيمكن العثور عليها في كل التفعيلات الرسمية الأساسية في عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي .
إن فاعلن وهي تفعيلة قصيرة سريعة موجودة في فاعلاتن أي في الرمل، وموجودة في متفاعلن أي في الكامل، وموجودة في مستفعلن أي في البسيط، وموجودة حتى في تفعيلات تلك البحور الصعبة مثل المديد والسريع والمنسرح والمضارع .
أغلب شعر محمود درويش مكتوب على المتقارب والمتدارك، وشعر سعدي يوسف يهرب من هاتين التفعيلتين أحياناً ليذهب إلى كسر الوزن، كما يكسر الوزن أدونيس من خلال هروبه الإيقاعي من التفعيلة إلى حرية الكتابة .
لم يخرج أحمد عبدالمعطي حجازي، وأمل دنقل، وصلاح عبدالصبور، والكثير من شعراء الستينات والسبعينات من القرن الماضي عن تفعيلات في حد ذاتها بحيث أصبحت قيداً، وأصبحت صوتاً شعرياً إيقاعياً واحداً . . أي أماتت، بالتالي، التفعيلات المركزية الوحيدة والأساسية .
بكلمة ثانية، كما التاريخ يكرر نفسه . . الشعر أيضاً يكرر نفسه، وكما أهمل شعراء العرب بحوراً ستة هي بحور ميتة، ها هم أحفادهم، لا يهملون البحور فحسب، بل يهملون حتى اجزاء البحور الصغيرة وهي التفعيلات المركزية.