لا يكاد يمر يوم حتى تذكر إسرائيل الفلسطينيين بأن نكبتهم ليست فعلاً ماضياً بل هي فعل مستمر لا ينجو منها الأحياء ولا الأموات وحتى من بقي على أرض وطنه بات يجد نفسه مهدداً بالعقاب إذا عبر عن حزنه على مصير شعب اغتصبت أوطانه وهجر في بقاع الدنيا، بل يحرم من تلاوة الفاتحة على ضريح والده أو تذكر والدته بدمعة في مستقرها الأخير.

وتتجلى مظاهر انفلات العنصرية الإسرائيلية هذه الأيام بسلسلة مشاريع قوانين تجرم من لا يقر بيهوديتها وتضعه تحت طائل القانون إذا ما أحيا ذكرى النكبة في يوم استقلالها لتقول للفلسطينيين: الحزن ممنوع وتلاوة الفاتحة على قبر عزيز أمر محظور، وتجرف مقابر المسلمين في فلسطين التاريخية وتنتهك وتهود تحت عنوان التطوير.

قرية البروة في الجليل الغربي هي الضحية المناوبة لعمليات التخريب والتدمير المتواصلة.

وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت قراراً يسمح لمستوطنة أحيهود بإقامة حظائر للأبقار على مقابر قرية البروة المهجرة عام ،1948 وإقامة حدائق على أقسام أخرى من المقابر.

وبذلك ردتّ الالتماس الذي تقدمت به مؤسسة الأقصى وممثلون عن اللجنة الشعبية للدفاع عن مقابر البروة، والذي بموجبه أوقف العمل قبل سنة في المقبرة لمدة سنة ونصف السنة وهذا يعني توقع استئناف انتهاك حرمة المقابر مجددا.

واستنكر محمد كيال ممثل اللجنة الشعبية للدفاع عن مقابر البروة القرار بشدة ووصفه بالقرار السياسي العنصري الحاقد لكل ما هو مسلم وعربي، فيما اعتبر المحامي محمد سليمان محامي مؤسسة الأقصى للوقف والتراث قرار المحكمة العليا قراراً تعسفياً ومغلوطاً وظالماً ويوفّر الغطاء القانوني لانتهاك حرمة مقابر المسلمين.

وتشتمل قرية البروة المهجرة عام 1948 على عدة مقابر: أربع منها إسلامية ومقبرتان مسيحيتان وقد بدأت مستوطنة أحيهود قبل نحو عام ونصف العام بعمليات الحفر والطمر بالتراب وأعمال تجهيز لبناء حظائر للأبقار على مساحات منها.

العدل المقلوب

في حينه تقدمت مؤسسة الأقصى وممثلون عن أهالي البروة بالتماس للمحكمة العليا الإسرائيلية يمنع أعمال الحفر والبناء على المقابر، واستصدرت أمراً احترازياً بوقف الأعمال فأوقفت إلى وقت صدور القرار الأخير وبعد مداولات متواصلة في المحكمة العليا، قدمت خلالها مؤسسة الأقصى خرائط وصوراً جوية تثبت وجود المقابر الإسلامية والمسيحية في المساحات المذكورة، بالإضافة إلى تقرير خبير قدّمه المؤرخ د. مصطفى كبها يثبت وجود المقابر في المكان.

إلاّ أن المحكمة العليا وبعد هذه المداولات ردّت الالتماس وسمحت ببناء حظائر الأبقار على المقابر، باستثناء مقبرة عائلة سعد والمقبرة المسيحية وسمحت بإقامة حظائر على ما تبقى من المقابر بضمنها إقامة الحدائق على المقبرة العمومية، وبذلك شرّعت انتهاك حرمتها بفظاظة.

وفي حديث مع المحامي محمد سليمان الذي ترافع في ملف مقابر البروة قال: قرار المحكمة العليا الإسرائيلية قرار تعسفي ومغلوط من أساسه وتجاهل بشكل كامل ادعاءات مؤسسة الأقصى وأهالي البروة بخصوص مقابرها. حتى إن المحكمة العليا لم تر من المناسب أن تضع شروط معينة للحفاظ على حرمة المقابر وحرمة الأموات، وأضاف المحامي محمد سليمان: وعليه فإنّ هذا القرار هو قرار ظالم، يتنافى مع كل قوانين حقوق الإنسان الذي تنادي به المحكمة العليا الإسرائيلية.

في خدمة السياسة

واعتبر الناطق بلسان الأقصى محمود أبو عطا أن القرار يبعث على الأسى والحزن، ويعتبر مساً خطيراً بمشاعرنا، وأكد أن الجهار القضائي هو جهاز في خدمة المستوى السياسي في إسرائيل، وتساءل لا نعرف كيف يمكن لأجيالنا التي اعتادت على زيارة مقابر الآباء والأجداد في مقابر البروة، أن ترى قبور الأموات تحوّل الى حظائر أبقار. وتابع هذا قرار سياسي، عنصري وحاقد، يعيد للذاكرة مشاهد النكبة من جديد بعد مرور 61 عاما عليها، ويبدو أن المحكمة لم تفرق بين الكلمات والألفاظ فأصبح عندها القبر والبقر واحداً، وأضاف: يؤكد الحكم وجود تخطيط مبيّت لطمس معالم قرية البروة، وما تبقى منها، وهو قرار يدل على العداء والكراهية لكل ما هو مسلم وعربي في البلاد وأضاف: يصعب تصوّر وقع قرار المحكمة العليا علينا، وكيف أن قبور أمواتنا ورفاتهم ستختلط بسبب قرار المحكمة العليا مع روث البقر. ونذكر هنا كيف أن إسرائيل وأجهزتها كانت تقوم القيامة ولا تقعدها في حالة مسّ بأي قبر يهودي في العالم، وطبعاً نحن ضد أي اعتداء على قبور وان كانت لليهود.

إحنا وإياهم والزمن طويل

قال الحاج نزار محمد عيد المهجر من البروة والمقيم في قرية الجديدة المجاورة إن الأهالي سيواصلون التصدي لمشروع انتهاك المقبرة وطمسها رغم قرار المحكمة الإسرائيلية. وتابع احنا وإياهم والزمن طويل فهم لا يزالون يراهنون على موت الكبار وفقدان الذاكرة لدى الصغار.

وأشار إلى أن اختيار أراضي المقابر لبناء الحظائر والحدائق عليها رغم المساحات الواسعة المحيطة بها يفضح دوافعهم الخفية بتهويد المكان وضرب الذاكرة الجماعية للأجيال الصاعدة والإمعان في سد الطرق أمام عودة اللاجئين وشطب حقوقهم. وأضاف: لكنهم مخطئون فكل جيل يولد وهو أكثر تمسكا بالهوية وبالحقوق الوطنية من جيل النكبة الواقع تحت صدمة النكبة، ونبه إلى أن هذه الاعتداءات تتواصل وسط تشجيع غير مباشر من الجهاز القضائي ووسط صمت مريب من قبل الرأي العام العالمي، ضاربين بعرض الحائط حقوق ومشاعر الفلسطينيين أصحاب الأرض وسكانها الأصليين. وتابع: تخيّل كيف كانت ستقوم القيامة لو تعرض ضريح يهودي في أوروبا لاعتداء عابر. ولا يستبعد عيد أيضا رغبتهم في الانتقام من الشاعر الراحل محمود درويش ابن البروة المدمرة ومحاولة النيل من رمزية ودلالات أشعاره باعتباره تجسيدا للوجدان الفلسطيني.

ولفت إلى أن سكان مستوطنة أحيهود القائمة على أراضي البروة دأبوا في السنوات الأخيرة على هدم المقابر وإزالة معالمها بالتقسيط من خلال تحويلها لمراعي الأبقار التي تدوس الأضرحة وتدمرها تدريجيا.

وأوضح أن هناك عشرات المقابر الإسلامية والمسيحية في فلسطين التاريخية تتعرض منذ عقود للتخريب بأشكال مختلفة باعتبارها أحد المعالم المتبقية التي تنطق بهوية المكان فيما مقابرهم وكنسهم في بعض البلدان العربية ظلت بالحفظ والصون.

ورداً على سؤال أكد عيد أنه يصطحب أولاده وأحفاده لزيارة البروة وتلاوة الفاتحة على أضرحة والديه وأقاربه والعمل على تنظيف المكان وصيانته وإصلاح الخراب. وأضاف: يطيب لي الاستظلال بأفياء شجرة بلوط وسط المقبرة اعتاد أهالي البروة قبل نكبتها الجلوس من تحتها وهناك أنقل لأولادي كل ما أعرفه عن البروة وأهلها وعن تآخي المسلمين والمسيحيين فيها.

وللتدليل على تلك الأخوة الحقيقية بين أهاليها روى ما جرى في العقد الرابع من القرن العشرين فقال: كانت تسود روح المحبة بين جميع المواطنين في البروة ولا تستطيع أن تميز بين مسلميها ومسيحييها ومن القصص الشعبية المأثورة عن القرية: اختارت البطريركية في القدس حلاق القرية خورياً لها، فلم يعجب ذلك المسلمين ورغبوا في خوري آخر أقوى منه شخصية، وحجتهم أن الخوري لا يخص المسيحيين وحدهم بل هو للمسلمين والمسيحيين معا ويقال له خوري البروة وليس خوري المسيحيين في البروة وسيمثل القرية أينما ذهب وهكذا فقد جمعوا تواقيع أهل القرية جميعا من الطائفتين ووجهوها للبطريرك في القدس فلم يجد بداً من تلبية طلبهم.

ذاكرة الحنين

الحاج أبو فهيم عبد الرؤوف كيال (79 عاما) يسكن وأسرته في قرية الجديدة لكن قلبه لايزال في البروة المنكوبة، مسقط رأسه وأجداده وطنه الصغير الذي يحرص على التواصل معه برفقة الأولاد والأحفاد عدة مرات في العام.

ما إن سألناه حتى انتصب أبو فهيم على ساقيه وبرمشة عين عاد إلى البروة مستذكراً أيامها بحنين وعشق كبيرين وكأنه تحدث عن ابنته المدللة فأسرع لخزانته لاستحضار الوثائق والكواشين وخلال استعراضها كان يكرر قوله أمنيتي أن يدفنوني بعد وفاتي في البروة ويعلم الله.

وأستذكر قيام اليهود بمهاجمة البروة من ثلاث جهات في ليلة 1/6/1948 بعد سقوط القرى المجاورة كفر ياسيف والجديدة والمكر فاستسلمت القرية بعد نفاد ذخيرة مقاوميها ممن كانت بحوزتهم أسلحة بدائية وتابع وسوية مع الكثيرين نزحنا ليلا إلى القرية شعب المجاورة بعد أن حمّل والدي الفراش على حمارين وفرس.

ورداً على سؤال قال بمرارة وكيف نقاوم بالعصي من بحوزتهم البنادق الرشاشة ومدافع الهاون وتابع في 13/6/1948 قدمت فزعة من أبناء قرى الشاغور والبطوف مع فرقة جيش الإنقاذ فحرروا البروة ولكن ليوم واحد فقط إذ سرعان ما سقطت ثانية أما سكانها فوقعوا فريسة للشتات وحيثما تجولت تجدهم اليوم في سوريا في دير الزور، حلب، دمشق، وفي العاصمة الأردنية عمان، والولايات المتحدة، وكندا والسويد وغيرها ونحن بقينا في شعب لكننا لم نسلم من القتل والترهيب. فاطمة شقيقتي الكبرى تسللت إلى البروة بطلب من والدي لتجلب ماء الشرب وما تبقى من فراش وأثناء عودتها أطلقت عصابات الصهيونية النار عليها وقتلتها وهي تحمل تنكة المية على رأسها وحملها بعض المارة ووضعوها أمامنا ففارقت الحياة وحتى اليوم لا تفارق مخيلتي ملامحها وهي فتاة جميلة وبشوشة.