عندما ظهرت خدمة هواتف البلاك بيري قبل فترة، التي تقوم على أساس تواصل مجموعة من الأشخاص تربطهم صداقة أو علاقات ثقافية أو اجتماعية أو غيرها، بحيث يتبادلون المعلومات والصور والأخبار أولاً بأول، وبتواصل مستمر طوال اليوم، لم أكن أعرف أن التكنولوجيا من الممكن أن تصل إلى هذا التطور المذهل في يوم من الأيام، ولم أفهم هذه الخدمة إلا عندما رأيت أحد أصدقائي وهو مشغول طوال الوقت بهاتفه، ويقوم بقراءة الرسائل أولاً بأول، وأحياناً يقهقه ضاحكاً من رسالة أو صورة أو خبر وصله للتو، في البداية ظننت أن هذه رسائل هاتفية عادية، ولكني فوجئت عندما ذكر لي أنه ضمن مجموعة من أبناء العم والخال والأقارب والأصدقاء في الإمارات والكويت والسعودية والبحرين، وأنهم يسألون عن بعضهم بعضاً ويتبادلون المعلومات طوال اليوم، وهي شيء شبيه بمحادثات الشات التي تتم في شبكة الإنترنت في مواقع الياهو والهوت ميل وغيرها، ولكن تختلف عنها في كونها عن طريق الهواتف، حيث تكون المجموعة موجودة طوال ساعات الليل والنهار، وفي اللحظة التي شرح لي فيها هذا النظام، سرح بي الخيال بعيداً إلى أيام الطفولة، عندما كانت أسرع وسيلة اتصال بين الناس المقيمين في دول مختلفة هي البرقية، وأتذكر جيداً عندما ذهبت مع الدي وأنا طفل لنرسل برقية، وسألته: متى تصل؟ ودهشت عندما قال لي إنها ستصل غداً، وتساءلت عن كيفية وصولها بهذه السرعة . وحتى فترة قريبة، كنا نخط الرسائل بخطوط جميلة، ونذهب إلى مركز البريد لنضع طابعاً على تلك الرسالة، ثم نتجه إلى أحد صناديق البريد لنضعها وننتظر وصولها بفارغ الصبر، كما ننتظر الرد عليها بصبر أطول، ومازال كثير من الناس ممن لا يستخدمون خدمات الإيميل وغيرها، يذهبون إلى مراكز البريد ويشترون طوابع ويرسلون رسائلهم وينتظرون الرد عليها بالصبر نفسه . والبريد من أهم الخدمات التي ابتدعها الإنسان للتواصل مع الآخرين، وهي خدمة قديمة جداً، وكانت تتم بطرائق كثيرة، ولكن أطرفها هو التراسل بواسطة الحمام الزاجل .
بدايات البريد في الخليج
لا يمكننا تحديد وقت معين لبدء البريد في منطقة الخليج، فالتراسل بين الأقارب كان يتم في الماضي بطرائق كثيرة، منها مثلاً مواسم الغوص، وهي ثلاثة أو أربعة مواسم سنوية، أهمها الغوص الكبير خلال فترة الصيف ومنها كذلك رحلات السفن التجارية بين موانئ الخليج، أما التراسل بين الحكام فكان يتم عن طريق إرسال شخص يسمى مرسال، وعلى كل حال، فالتراسل بشكل عام كان يتم بحدود ضيقة نظراً لقلة عدد السكان، وقلة أعداد المتعلمين الذين يجيدون كتابة الرسائل، ونتيجة لذلك، رغم وجود ترابط عائلي قوي بين أبناء العائلة الواحدة والأقارب في المنطقة التي تجمعهم، فإن انعدام وسائل الاتصال بين مدن الخليج كان يعني قلة التواصل بين أبناء العائلة الواحدة أو الأقارب الذين يعيشون في مدن مختلفة، وحتى فترة قريبة كنا نسمع أن هذا الشخص عنده عم أو خال يعيش في الكويت أو السعودية ولا يعرف عنه شيئاً، بل إن أكثر المآسي التي قرأناها في الصحف خلال السنوات الماضية، اكتشاف أخ لوجود أخت له أو قريب سرق أو هاجر منذ سنوات طويلة وانقطعت أخباره، ليجده فجأة في مكان ما، أو بمصادفة ما، وفي المقابل، كانت هناك خدمات بريدية تتم بين المقيمين البريطانيين وحكومة الهند البريطانية، أو حكومة لندن من خلال السفن البريطانية، وكانت هذه الخدمات بدأت منذ بداية الوجود البريطاني في المنطقة، ومنذ العشرينيات من القرن العشرين، بدأت تلك السفن تنقل الصحف والمجلات العربية بين الموانئ الغربية كما سنرى في ما بعد.
البريد عبر السفن البريطانية
يمكن القول إن نقل البريد عبر السفن البريطانية، كان بداية البريد المنتظم من وإلى منطقة الخليج، فمنذ مطلع القرن الثامن عشر، بدأ نوع من المواصلات البريدية غير المنتظمة بين البصرة وبغداد عن طريق حلب والقسطنطينية، وفي أواخر القرن بدأت هناك مواصلات منتظمة كل 14 يوماً بين بومباي والبصرة تقوم بها سفن البحرية الهندية، بينما تم الاحتفاظ بخدمة بريدية منتظمة بواسطة الجمال بين البصرة وحلب تحت إشراف وكيل الشركة البريطانية، وبواسطة الخيل من حلب إلى القسطنطينية، وفي عام 1833 تم إقفال البريد الصحراوي، حيث أصبحت الرسائل ترسل بواسطة سفن الشركة عن طريق البحر الأحمر والقاهرة، ولكن في عام 1843 - 1844 أعيد تأسيس البريد عن طريق الجمال عبر الصحراء السورية من بغداد إلى دمشق إلى القسطنطينية ثم انجلترا، وفي عام 1862 حثت الحكومة البريطانية وزير شؤون الهند على إنشاء خط بحري منتظم بين بومباي والخليج العربي، وبالفعل بدأت السفن البريطانية تنقل البريد من بومباي وكراتشي إلى البصرة وموانئ الخليج ، ويتم توزيعها بواسطة الوكلاء المحليين لشركة الملاحة البريطانية الهندية التي تقوم أيضاً بتسلم الرسائل لإرسالها إلى تلك البلدان، ولكن بطريقة غير منتظمة، في ما بعد أصبحت هناك حاجة ملحة إلى وجود ترتيبات بريدية منتظمة، وكانت أول مكاتب بريدية يتم افتتاحها بالخليج في بوشهر ومسقط عام ،1864 وفي فترات مختلفة من عام 1864 إلى عام 1884 تم افتتاح مكاتب بريد في كل من بندر عباس ولنجة وجوادر وجاسك ثم أخيراً في البحرين، ثم افتتحت مكاتب بريد في المناطق العربية التابعة للحكم التركي بعد فترة قليلة، ووضعت المكاتب البريدية في الخليج في أول الأمر تحت سيطرة الدائرة البريدية لبومباي، ولكن في عام 1869 تم تحويلها لدائرة السند، وفي عام 1879 أعيدت نهائياً لدائرة بومباي، ووضعت تحت امرة المدير العام لبريد بومباي، وفي الأول من يناير/ كانون الثاني 1868 تم افتتاح مكتب بريدي تجريبي في البصرة، وخلال عام 1869 أصبح مكتباً دائماً تحت إشراف الدائرة المالية لحوكمة الهند البريطانية، كما افتتح في الفترة نفسها مكتب للبريد في بغداد (1) . وخلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، استمرت سفن البريد الخاصة بشركة الملاحة الهندية البريطانية بالتردد بين بومباي والبصرة أسبوعياً، وتمر كل أسبوعين على جوادر ومسقط والبحرين وجاسك وكانت حركة البواخر بين الخليج ولندن تتم كل أسبوعين (2) . وفي ابريل/ نيسان من عام ،1903 أدخل نظام جديد في خدمات البريد من الهند إلى الخليج، وأفاد هذا النظام المقيمين البريطانيين في بوشهر والبصرة اللتين هما في أمس الحاجة إلى التواصل مع حكومتيهما في الهند، وأصبحت هاتان المدينتان تستقبلان البريد القادم من الهند بواسطة سفينة تجارية سريعة، تتوقف في أربع محطات فقط هي مسقط وبوشهر والمحمرة والبصرة، في حين أن الموانئ الأصغر في الخليج كانت تتلقى خدماتها البريدية عبر سفينة أقل سرعة، كما أن الكويت أصبحت ميناء تزوره سفن شركة الملاحة البريطانية الهندية كل أسبوعين (3) . وخلال عام 1904 تم تطوير الخدمات البريدية من بومباي إلى منطقة الخليج عندما قامت الشركة البريطانية الهندية للملاحة British - India Steam Navigation بإدخال ثلاث سفن تجارية للخدمة، إحداها سميت باسم مدينة لنجة (4) .
دبي وأول مكتب للبريد
في 19 أغسطس/ آب 1909 افتتح أول مكتب بريد في الإمارات، وكان في إمارة دبي، وسيتساءل الكثيرون عن سبب وجود مكتب للبريد في دبي في تلك الفترة المبكرة من القرن العشرين، ومن هؤلاء الذين سيتراسلون عبر هذا المكتب؟، ولكن إنشاء المكتب كان لأسباب وظروف استجدت في تلك الفترة عندما انتقلت مجموعة كبيرة من تجار لنجة على الساحل الفارسي إلى دبي بدءاً من عام ،1902 ولكن كيف حدث ذلك؟ في بداية القرن العشرين أخضعت الحكومة الفارسية بعض موانئها لإدارة الجمارك البلجيكية رغبة منها في تطوير أداء تلك الموانئ، وكان أهمها ميناء لنجة الشهير الذي كان يستقبل مختلف السفن القادمة من الهند وباكستان وأوروبا وموانئ الخليج وغيرها، ولكن الإدارة البلجيكية كانت صارمة في تعاملاتها، وبدأت شيئاً فشيئاً تزيد من نفوذها وتوسعه، وكان من ضمن المناطق التي شملتها الإجراءات البلجيكية جزيرتا خرج وهنجام، وكان يسكن هاتين الجزيرتين مجموعة من مواطني دبي العرب الذين استقروا هناك للعمل بالتجارة، ورفض هؤلاء الإجراءات البلجيكية التي تنزع منهم الامتيازات التقليدية التي كانوا يتمتعون بها، وكان من أهم الإجراءات البلجيكية التي اتخذت ضد التجار، إنشاء مراكز للجمارك ومراكز مراقبة لحركة البضائع وجمركتها برسوم مرتفعة، وكان قد صدر قرار في فبراير/شباط 1903 بدا الأمر غير محتمل للتجار الإيرانيين والعرب القاطنين في تلك الجزر، وحاول التجار الإيرانيون معارضة تطبيق تلك القوانين بالاحتجاج وأيضاً بطرائق أخرى، منها تعطيل نشاطهم التجاري، وبما أن الحجم الأكبر من التجارة كان يتم مع بومباي، فإن مثل هذه التطورات من شأنها الإضرار بالمصالح البريطانية، وبذلت جهود حثيثة لمنع وصول الطرفين إلى نقطة اللاعودة، وكان من ضمن الإجراءات المشددة التي اتخذها البلجيك، هو في ما يخص البريد المرسل إلى مكاتب البريد البريطانية وتعمد بعض موظفي إدارة الجمارك تفسير وتطبيق المرسوم بحيث يشمل الحقائب البريدية الخاصة بالبريطانيين، ونشأت بسبب ذلك عدة مشكلات، وكأمثلة على هذا التعنت ما حدث في مدينة بوشهر، وهي مقر المقيم البريطاني في الخليج في ديسمبر/ كانون الأول 1904 حيث احتجز هؤلاء الموظفون طرود البريد البريطانية بدلاً من إرسالها مباشرة إلى مكتب البريد البريطاني، ما أدى إلى تأخيرها لمدة أسبوع كامل، ولم يُحلّ الأمر إلا بتدخل السلطات القضائية البريطانية، كما جرت محاولات أخرى في المحمرة ولنجة، حيث احتجز موظفو الجمارك الحقائب البريدية ولم يفرجوا عنها إلا بعد تفتيشها، هذا الوضع السيئ بالنسبة إلى التجار الذين وجدوا أنفسهم أمام إجراءات جمركية متشددة ومتعنتة، وكذلك بالنسبة إلى السلطة البريطانية في الخليج التي بدأت تحس باختراق خصوصياتها، وخاصة بالنسبة إلى البريد الذي كان الوسيلة الأهم لنقل القرارات والخطابات والتقارير التي يكتبها المعتمدون البريطانيون والمقيم السياسي إلى حكومتهم في الهند، وكانت دعوة حاكم دبي لتجار لنجة وبقية الجزر للانتقال إلى دبي وممارسة عملهم التجاري بحرية ومن دون إجراءات جمركية، هي طوق النجاة الذي حل هذه المشكلة، وفي الوقت نفسه أتاح الفرصة لمدينة صغيرة كدبي للنمو تجارياً منذ ذلك الوقت، وبانتقال مجموعة كبيرة من التجار إلى دبي، بدأت الشركة البريطانية الهندية للملاحة بتسيير رحلات إلى دبي مرة كل أسبوعين وانتقل مركز الثقل التجاري منذ ذلك الوقت من لنجة إلى دبي (5) . وعلى إثر انتقال هؤلاء التجار، بدأ ميناء دبي يتحول مع مرور الوقت إلى مركز استقطاب للتجار، وانتعشت الحركة التجارية بين دبي والموانئ الفارسية والهندية وموانئ دول الخليج، وأصبحت دبي مع الوقت نقطة عبور لأهم البضائع التي تنتقل بين موانئ الخليج والموانئ الفارسية، وكان لا بد من إنشاء مكتب للبريد لخدمة هؤلاء التجار وعملائهم في الهند وفارس وأوروبا، وافتتح مكتب البريد في أغسطس/ آب 1909 .
خدمات البريد عبر مطار الشارقة في الثلاثينيات: كان مكتب بريد دبي الذي افتتح في 19 أغسطس 1909 عبارة عن غرفة في شركة ميسوبوتاميا بيرشيا كوربوريشن للشحن البحري، التي كانت الوكيل للشركة البريطانية الهندية للملاحة البحرية في دبي في ذلك الوقت، وكان البريد المرسل من الشارقة وبقية الإمارات من قبل التجار وغيرهم يرسل عبر هذا المكتب، وكانت المراسلات توضع عليها الطوابع وتختم بالأختام المستعملة في ذلك الوقت، وهي بالطبع أختام بريطانية، وفي الأول من أكتوبر/ تشرين الأول عام ،1932 تم افتتاح الخط الجوي عن طريق مطار الشارقة الذي كان يسمى المحطة وهبطت أول طائرة كانت في طريقها إلى الهند، وتم إرسال من وإلى الشارقة رسائل بريدية محدودة العدد تخلد هذا اليوم، وكانت الرسائل المرسلة تحمل طوابع هندية، ومختومة بالأختام الموجودة في مكتب بريد دبي، وكانت الرسائل المرسلة من بريطانيا عبر مطار الشارقة تحمل الطوابع والأختام الإنجليزية، ومنذ افتتاح المطار، بدأ كثير من التجار في دبي والشارقة وبقية الإمارات يستخدمون مطار الشارقة لإرسال رسائلهم مباشرة بدلاً من اللجوء إلى مكتب دبي، حيث إن النقل الجوي أسرع وأسهل من النقل البحري، وفي تلك الفترة، بدأ النقاش يدور حول موضوع إرسال البريد عن طريق مطار الشارقة، فكان اقتراح الوكيل المحلي للسلطة البريطانية عيسى عبداللطيف السركال هو افتتاح مكتب بريد في الشارقة، وكان من رأي المقيم البريطاني في الخليج عند طرح هذا الموضوع عليه، أن يقوم مستر جيمس وكيل شركة الخطوط الجوية الامبراطورية في الشارقة بالإشراف على مكتب البريد الجديد، خاصة أنه عمل في مكتب بريد جاسك ولديه خبرة في مجال هذا العمل، وعند أخذ رأي الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة في إمكانية فتح مكتب للبريد، أبدى موافقته، وطلب أن تطبع كلمة الشارقة على الطوابع، ولكن مستر جيمس رفض الإشراف على المكتب لأسباب تتعلق بالراتب الذي سوف يحصل عليه، كما أن مدير شركة الخطوط الجوية في كراتشي رفض أن يجمع مستر جيمس بين عمله والعمل في البريد، وعندما افتتحت قاعدة سلاح الطيران الملكي في الشارقة، لم يكن هناك أي خدمة بريدية بها، لذا اعتمد في عملية إرسال البريد الخاص بها على مكتب بريد دبي وذلك حتى نهاية عام ،1940 ومع نهاية الأربعينيات، كان البريد الخاص بسلاح الطيران الملكي في الشارقة ينقل عن طريق العراق، وكانت الرسائل تختم بأختام الإلغاء العراقية الخاصة بسلاح الطيران الملكي، وهذه الأختام نوعان، الختم الأول استعمل في الحبانية، ويقرأ بالإنجليزية F .P .O-171، بينما الختم الثاني كان يستعمل في منطقة الشعيبة العراقية وهو F .P .O-756، وخلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني ،1949 تم استعمال ختم الإلغاء Field Post Office/518 لسلاح الطيران الملكي في البحرين، وبعد فترة وجيزة، انتقلت إجراءات نقل البريد للشارقة من العراق إلى البحرين، حيث تم هناك استعمال ختم الإلغاء المذكور على المراسلات الخاصة بسلاح الطيران الملكي في الشارقة، وخلال عام ،1957 انتقلت الخدمة البريدية الخاصة بسلاح الطيران الملكي في الشارقة إلى الإمارة، واستخدم في الأول من مارس/آذار 1957 ختم جديد هو F .P .O-936 (6) .
الخدمات البريدية في الأربعينات
على الرغم من بدء الخدمة البريدية في دبي منذ عام ،1909 وبدء بعض الخدمات البريدية في الشارقة من خلال مطار الشارقة الذي افتتح عام ،1932 فإنها على ما يبدو، لم تكن خدمات بريدية منظمة ومنتظمة، وهذا ما دعا حكومة الهند البريطانية إلى افتتاح مكتب رسمي للبريد في دبي عام 1941 (7) .
وكما هو واضح، فقد أنشئ هذا المكتب خلال سنوات الحرب العالمية الثانية التي كانت بريطانيا طرفاً فيها، وتستدعي مجريات الحرب، وجود خدمات بريدية بين السلطة البريطانية في الإمارات، والحكومة البريطانية سواء في الهند أو في بريطانيا، ولكن مجريات الحرب العالمية، أدت إلى اتخاذ إجراءات تقشف في الاستيراد والتصدير، وحركة السفن والشحن البحري والجوي، وطالت الإجراءات المتخذة خدمات كثيرة إما أغلقت وإما أهملت، ومنها الخدمات البريدية، حيث أصبحت المراسلات بين التجار المحليين ونظرائهم في الهند وأوروبا شبه متوقفة، ولم تكن هناك مراسلات سوى في ما يخص الإدارة البريطانية (8) . وخلال عام ،1947 تم افتتاح مكتب بريد في الشارقة يعمل يومين في الأسبوع كتجربة، وذلك لأن حجم المعاملات البريدية لم يكن بالحجم الذي يشجع على افتتاح مكتب دائم، وتأثرت خدمات البريد الجوي بتوقف رحلات الخطوط الجوية الملكية البريطانية، ما استدعى أن ترسل المكاتبات إلى البحرين بطائرات سلاح الجو البريطاني كما ذكرنا سابقاً (9) . وعندما تم الانفصال في شبه الجزيرة الهندية عام ،1947 تولت السلطات الباكستانية إدارة البريد في الشارقة (10) . وفي 11 فبراير/ شباط 1948 قام مستر بريش المشرف العام البريطاني على مكاتب البريد في الخليج بزيارة للشارقة تتصل بتسلم إدارة الخدمات البريدية التابعة له، مكتب البريد في الشارقة من الحكومة الباكستانية، وأصبحت الخدمات البريدية في دبي أيضاً تحت الإدارة البريطانية منذ ابريل/ نيسان ،1948 وأصبح استعمال الطوابع البريدية الإنجليزية شائعاً، ولكن شراءها كان بالروبية الهندية، وكانت إحدى طائرات الخدمة التابعة لسلاح الجوي الملكي تقوم برحلة اسبوعية لنقل البريد بين دبي والبحرين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (11) .
وخلال عام 1948 تم تعيين شخص يسمى محمد جعفر كنائب لمدير البريد في دبي الذي يبدو أن مديره كان بريطانياً، وليس واضحاً إن كان محمد جعفر من دبي أو من إمارة أخرى، أو بلد آخر، ولكن يشير تقرير بريطاني إلى أنه في 25 يونيو/ حزيران 1949 وصل إلى دبي علي داوود قادماً من مسقط ليتسلم منصب محمد جعفر كنائب لمدير البريد أثناء ذهاب جعفر في إجازته السنوية (12) .
كانت فترة الخمسينيات من القرن العشرين، هي مرحلة التحولات الكبيرة في الإمارات بشكل عام، ودبي بشكل خاص، فميناء دبي بدأ يشهد ازدهاراً تجارياً من خلال تردد كثير من السفن الأوروبية والهندية وغيرها، وازدادت معاملات تجار دبي مع العالم الخارجي بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأصبح لزاماً تطوير الخدمات البريدية لخدمة التجار، وخلال عام ،1950 أخطرت شركة ماكينون وماكنزي في بومباي، السلطات البريطانية في الخليج، أن خدمات البريد البطيئة قد ألغيت من قبل الشركة البريطانية الهندية للملاحة، واعتباراً من شهر مارس/ آذار ،1950 ستستخدم أربع بواخر سريعة بين الهند والخليج بواقع 4 رحلات بالشهر إلى مسقط، وبذلت السلطات البريطانية جهداً كبيراً لتزور هذه البواخر ميناء الشارقة مرة واحدة في الشهر، ووافقت الشركة البريطانية الهندية للملاحة في النهاية على تسيير رحلة إلى الشارقة من وإلى مسقط (13) . ولا شك في أن توافر خدمات سريعة لنقل البريد سواء للشارقة أو دبي، يعتبر إضافة كبيرة مواكبة لحركة النمو التجاري في أسواق دبي والشارقة، بدلاً من السفن البطيئة التي كان نقلها للبريد يستغرق وقتاً طويلاً يعطل مصالح التجار، وشهدت فترة الستينيات تطوراً أكبر في الخدمات البريدية، وهذا ما سنتابعه في الحلقة القادمة .
هوامش
(1) The British Postal Service On The Tigris From Basrah to Baghdad And The Turkish Attempts to Abolish it, The Persian Gulf Precis, vol .6, p .197
(2) Report of Trade of The Persian Gulf For 1878, The Persian Gulf Adminstration Reports, vol .1, p .29
(3) Kemball, Bushire April 1904, The Persian Gulf Administration Reports, vol .v, p .3
(4) Cox, Rerport For the year 1904-1905, The Persian Gulf Administration Reports, vol .v, p5
(5) Cox, Report for the year 1904 - 1905, lbid
عبدالعزيز عبدالرحمن المسلم، محمد عبدالسميع يوسف، بريد الإمارات في الماضي، ص9-11 (6)
(7) Records Of The Emirates, vol .9, p .43
(8) Review 1943, Chapter 1, The Persian Gulf Administration Reports, vol .x, p .1
(9) Report For The year 1947, The Persian Gulf Administration Reports, vol .x p .23
(10) Records Of The Emirates, vol .9, p .43
(11) The Persian Gulf Administration Reports, vol .x1, p .30 Records of The Emirates, vol .9, p .43
(12) Reports by Stobart, For the year 1949, The Persian Gulf Administration Reports, vol .x1, p .93
(13) Report For The year 1950, Political Diaries Of the Persian Gulf, vol .18, pp .551, 568