حصل باحثان سويسريان على جائزة تقدير على أبحاثهما حول مسببات مرض جنون البقر، بعد أن توصلا إلى أن الإصابة بهذا المرض الذي يصيب الأعصاب يعود إلى بروتينات معدية لا تنفع معها حتى وسائل التعقيم .
والمعروف أن عدوى الأمراض لا تسببها الفيروسات والبكتيريا فقط، وإنما تنطلق أحياناً من بروتينات، فتشكل خطراً على الناس، رغم أنها لا تشكل إلا جزيئات هامدة ليس بها معلومات جينية خاصة بها .
يقول العلماء إن كل إنسان يحمل في حد ذاته تلك البروتينات المسببة لمرض جنون البقر لدى الماشية أو لمرض كروتزفيلد جاكوب لدى الإنسان . وهذه البروتينات غير مؤذية في الحقيقة، لكن بإمكانها تغيير شكلها، بحيث تصبح مسببة للمرض أعلاه من خلال تراكمها ككتل في الخلايا العصبية .
والخطر الداهم هو أن تلك البروتينات التي تغير شكلها، والمسماة بريونات تنتقل من خلية لأخرى، فتدفع ببروتينات أخرى من نفس نوعها إلى قبول الشكل المتحول الذي يسبب المرض، وبذلك تنتشر هذه البريونات، متسببة في إحداث تلف في خلايا المخ، ما يؤدي إلى وفاتها .
وقد عثر العلماء على البريونات لأول مرة في ثمانينات القرن الماضي في إطار أبحاث مرض الشكل الإسفنجي لاعتلال المخ لدى البقر المعروف عامة بجنون البقر، حيث افترض لأول مرة ستانلي بروزنير، الحائز جائزة نوبل لاحقاً - أن سبب المرض يعود إلى بروتين .
وفي وقت لاحق أكد العالم السويسري تشارلز فايسمان الذي يعمل في معهد سكريبس للأبحاث في ولاية فلوريدا، أن هذه الفرضية صحيحة بشكل تطبيقي، مضيفاً: قدمنا دليلاً على أنه بروتين موجود عادة في مخ الإنسان، وقال في تصريح للإذاعة الألمانية دويتشه فيلله: إن مسبب المرض من إنتاج الجسم نفسه، وكان ذلك شيئاً جديداً تماماً . ومن هنا، فإن إمكانية الإصابة بمرض كروتزفيلد جاكوب موجودة لدى كل إنسان، غير أن تحول البروتينات بشكل عفوي إلى الشكل المسبب للمرض هي حالة لا تحدث إلا نادراً . وعموماً فلا بد من وجود مسبب قادم من خارج الجسم لكي ينشط هذه العدوى، ولذلك يأتي المسبب من لحم أبقار كانت مصابة بجنون البقر . واكتشف أدريانو أغوزي من جامعة زيورخ أن البروتينات المتحولة في اللحم المصاب تصل إلى الجهاز العصبي للإنسان عن طريق الأمعاء والجهاز الليمفاوي .
وحسب شكل البروتين، فإن أعراض المرض تظهر إما في صورة اكتئاب أو خرف أو فقدان للسيطرة على الجسم .
ومن أجل ذلك تم تتويج كل من تشارلز فايسمان وأدريانو أغوزي بجائزة هارتفيغ بيبنبروك - دي زد إن إي (DZNE) . وتبلغ قيمة هذه الجائزة أكثر من مئة ألف يورو، وتمنح كل عامين من قبل المركز الألماني لأمراض الأعصاب .
وقرأ يوهانس ديشغانز رئيس لجنة الاختيار قرار منحهما الجائزة، حيث جاء فيه: من خلال بحثهما لالبريونات قاما بفك شفرة آليات لم تكن معروفة من قبل، وتلعب دوراً حاسماً في عدد كبير من هذه الأمراض .
وترعى هذه الجائزة مؤسسة مجموعة بيبنبروك للخدمات التي أسسها هارتفيغ بيبنبروك الذي توفي في يوليو/ تموز هذا العام بعد صراع مع مرض الخرف .
وقال فايسمان إن البريونات أشد مقاومة من الفيروسات والبكتيريا، ويعد وضعها في منتهى القوة في الجسم، فهي تبقى عالقة بالأدوات الجراحية والمواد الطبية الأخرى مسببة العدوى حتى عندما يقوم الأطباء بمسح سطح تلك الأدوات بالمطهر شديد الأثر، الفورمالديهايد .
وأضاف: هناك نحو 100 حالة انتقلت فيها عدوى البريونات للمرضى بعد تدخلات طبية، لأن الأطباء لم يعرفوا آنذاك ما المسبب، وكيف يمكن تعطيل انتقاله .
وذكر فايسمان حالة أحد المرضى الذي كان يعاني بريونات مرض كروتزفيلد جاكوب، حيث قام الأطباء باستخدام قطب كهربائي في مخه . بعد إخراج القطب تم تطهيره بمادة الفورمالديهايد، وعندما استخدم القطب في عملية لمريضة أخرى، أصيبت هذه بمرض كروتزفيلد جاكوب في وقت لاحق وتوفيت .
وأكد تشارلز فايسمان في إطار بحثه، أن التطهير بالفورمالديهايد وحده ليس كافيا للقضاء على مسبب المرض . فمن الصعب جداً إبطال نشاط مسبب المرض، حيث يجب وضعه لمدة 20 دقيقة، في حرارة 130 درجة مئوية لكي تحدث عملية التعقيم فعلاً .
ولاحظ قائلاً: إن التخلص من الفيروسات والبكتيريا هو عملية أسهل من ذلك بكثير .
واعترف تشارلز فايسمان بضرورة العمل والبحث عن دواء لهذا المرض القاتل، وقال: ما يجب القيام به هو اكتشاف دواء يمكن من خلاله وقف تطور المرض، فحالياً يكون دائماً الموت هو نهاية المصابين به، والأطباء عاجزون .
ومنذ عام ،2000 انخفض عدد المصابين بهذا المرض في الاتحاد الأوروبي باستمرار . ويعود السبب في هذا التراجع إلى أن العلماء باتوا يعرفون الآن الكثير عن مسبب المرض بشكل أكبر مقارنة بمعرفتهم قبل عقدين من الزمن . وفي ذلك ساعد الباحثان تشارلز وايسمان وأدريانو أغوزي بشكل أساسي .