من مصادر العصر السلجوقي كتاب تاريخ بغداد أو مدينة السلام للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت463هـ) . ولو لم يكن للخطيب البغدادي كما يقول ابن خلكان سوى التأريخ لكفاه . وقد خلف الخطيب البغدادي نحو مائة كتاب . وكان فقيهاً يغلب عليه الحديث والتأريخ . وكان الخطيب البغدادي حافظ المشرق، كما كان ابن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب حافظ المغرب . وقد ماتا في سنة واحدة .
وكتاب تاريخ بغداد أو مدينة السلام من أمهات الكتب، التي يعتمد عليها في دراسة تاريخ الدولة العباسية من تأسيس مدينة بغداد في عهد أبي جعفر المنصور سنة 145ه إلى سنة وفاة هذا المؤلف . ويشتمل هذا الكتاب على وصف مدينة بغداد وأخبار من عاش فيها من الخلفاء والأمراء والوزراء والعلماء وغيرهم . ويقع الكتاب في أربعة عشر مجلداً، ويتناول تاريخ الدولة العباسية في أزهى عصورها وفي أيام انحلالها .
ويعد كتاب ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي (ت555هـ) بمثابة ذيل لتاريخ هلال الصابئ، ويعد كتاب ابن القلانسي من كتب التأريخ العامة، لأنه يتناول فترة طويلة تتعلق بجزء كبير من أنحاء العالم الإسلامي تمتد بين سنتي 360 و555 هـ . كما يعد هذا الكتاب ذا صفة محلية، لأنه يتناول الحوادث التي جرت في الشام والجزيرة ولا سيما ما يتعلق منها ببيت عماد الدين زنكي الذي كان معاصراً له، وكان شاهد على ما وقع بين زنكي وحكام دمشق من حروب وما أبرم من معاهدات وجرى من مفاوضات . ويمكن الاعتماد على المعلومات التي أوردها ابن القلانسي عن أسرة زنكي وعلاقتها بالصليبيين .
ابن الأثير
كذلك يعتبر علي بن أحمد بن أبي الكرم بن الأثير (ت630/ 1332) الجزري من أشهر المؤرخين وينسب إلى موطنه الأصلي جزيرة ابن عمر القريبة من الموصل . وقد نشأ بها، ثم سار إلى الموصل وأخذ العلم عن بعض علمائها، ثم قدم بغداد مراراً بعد أن أدى فريضة الحج وسمع من شيوخها . ثم رحل إلى الشام وبيت المقدس وسمع بها، ثم عاد إلى الموصل مسقط رأسه وانصرف إلى العلم والتأليف، واشتهر بتبحره في علم الحديث والتأريخ وعلم الأنساب . وقد اختصر كتاب الأنساب للسمعاني واستدرك عليه في مواضع كثيرة وسماه كتاب اللباب في معرفة الأنساب، ويقع في ثلاثة مجلدات .
وقد التقى ابن الأثير شمس الدين بن خلكان (ت681 هـ) في مدينة حلب سنة 627/،1229 وتردد عليه كثيراً وانتفع بعلمه وأثنى على فضله وتواضعه وكرم أخلاقه . وفي السنة التالية رحل ابن الأثير إلى دمشق ثم عاد إلى حلب حيث انتفع ابن خلكان بعلمه، ثم عاد إلى الموصل .
ويعتبر كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير من المصادر الأصيلة التي يعتمد عليها في دراسة التاريخ الإسلامي، وعلى الأخص ما يتعلق منه بالحوادث التي وقعت بعد سنة 302هـ، وهي السنة التي انتهى إليها الطبري في تأريخه والجزء الذي يتناول فيه ابن الأثير الكلام عن الدولة الحمدانية من أهم ما كتب عن هذه الدولة . ولعل ابن الأثير استمد أكثر معلوماته عن بني حمدان مما كتبه المسعودي عن صدر هذه الدولة في شيء من الإسهاب .
وكذلك يمكن الاعتماد على ما كتبه ابن الأثير عن السيرة النبوية حيث نجد معلومات مهمة مركزة، وكذلك عن الفتوح الإسلامية في جزائر البحر الأبيض المتوسط وعن غزوات المغول على يد جنكيزخان إلى سنة 628هـ . أي ما قبل وفاته بسنتين .
على أنه يلاحظ على كتاب الكامل لابن الأثير كثير من الجمود والغموض اللذين يدعوان إلى الملل والسأم ويبعدان عن التشويق في كثير من الأحيان .
تاريخ الدولة الزنكية
وقد خلف لنا ابن الأثير كتابه عن تاريخ الدولة الأتابكية الزنكية في الموصل، ويسمى التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية . وقد تناول فيه بيت زنكي منذ ولاية آق سنقر والد عماد الدين زنكي إلى عهد السلطان مسعود (477 - 607هـ)، وأسرة زنكي هذه، هي الأسرة التي نشأت في كنفها أسرة ابن الأثير . وفي هذا الكتاب، اعترف بفضل أسرة زنكي . وقد عبر ابن الأثير عن وفائه لهذه الأسرة فخص أحد أحفاد زنكي وهو الملك القاهر (607 - 615 هـ) بكتابه الباهر في الدولة الأتابكية .
وبرأينا أن كتاب الباهر في الدولة الأتابكية لابن الأثير يعتبر مصدراً رئيساً لتاريخ أسرة آل زنكي، ويشتمل على معلومات قيمة عن سيرة عماد الدين زنكي . كما يمدنا ابن الأثير بمعلومات هامة عن نظام الجيش وفرقه وأساليب القتال ونظام الإقطاع في عهد هذه الأسرة، وعن سياسة زنكي في الموصل واربيل وجزيرة ابن عمر ومناطق الأكراد .
أما بالنسبة للمناطق الأخرى كبغداد والجزيرة ودمشق وحلب، فقد اعتمد ابن الأثير في كتابه الباهر على ما دونه أسامة بن منقذ (ت584/1188) في كتابه الاعتبار أو حياة أسامة . ويعد هذا الكتاب من المصادر المهمة، لأن مؤلفه عاصر عماد الدين زنكي سنين عدة واتصل به اتصالاً وثيقاً ووقف على حياته السياسية والخاصة، وكان شاهداً على ما جرى في عهده من أحداث وأمور .
كذلك اعتمد ابن الأثير في كتابه الباهر على يحيى بن أبي طي (1232 - 1233) والقاضي بهاء الدين بن شداد (ت632/1234) في كتابه النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية.