على الرغم من تعدد القبائل الموجودة بمنطقة البليدة، فإن ما يميز أهلها الترابط والتراحم في كل الأوقات استمراراً لعادات الآباء والأجداد الذين عاشوا على أرض المنطقة منذ مئات السنين .
وتبعد البليدة التابعة إدارياً لإمارة الفجيرة 20 كيلومتراً غرب مدينة الفجيرة مروراً بمنطقة البثنة التي تحدها من الشرق ومن الغرب جبال منطقة أم سكنة القديمة، ومن الشمال منطقة دفتا .
وتشتهر المنطقة التي ترتمي بين أحضان سلسلة من الجبال العالية بوجود عدد من بقايا البيوت والآبار القديمة التي استخدمها السكان قديماً وهم من قبائل البريكي واليماحي والزحمي والزيودي والحمودي التي شكلت في مجملها مجتمعاً هادئاً يعيش على العادات والتقاليد العربية الأصيلة . وتتميز البليدة بأنها منطقة ذات طبيعة جبلية خلابة، كما أنها عامرة بالخضرة ومزارع النخيل وأشجار السمر والسدر البريّة .
اعتمد أهالي البليدة في معيشتهم قديماً، وبشكل أساسي، على تربية البوش والهوش وصيد الحيوانات البرية التي كانت تشتهر بها المنطقة، إضافة إلى زراعة بعض أشجار النخيل وأنواع متعددة من الخضراوات والفواكه وحبوب البُرّ الشعير والذرة . واعتمد معظم أهالي منطقة البليدة والمناطق المجاورة لها قديماً في تأمين مصدر رزقهم على جمع محاصيل العسل البري من الكهوف والجبال وتجارته، وتجارة التمور والسخام الفحم، وبعض المشغولات والأعمال اليدوية من سعف وجريد النخيل، من خلال الرحلات التجارية إلى أسواق الشارقة والفجيرة ودبي .
ولعبت الأمطار السنوية على المنطقة ووجود الوديان والآبار الجوفية العذبة الدور الكبير في خضرتها وخصوبة أرضها .
في بداية جولة بالمنطقة، استقبلنا علي محمد البريكي أبو عبيد عند بقايا البيوت القديمة، وقال: عاش أهالي البليدة قديماً في مكان يدعى أم سكنة ووسط الجبال الأعلى في إمارة الفجيرة في بيوت شتوية مبنية من الحجارة والطين، وكانت الأسطح من سعف النخيل وأشجار السدر والسمر التي تصف بطريقة لا تسمح بتسرب مياه الأمطار إلى داخل البيوت . أما البيوت الصيفية، أي ما يسمى بالعريش، فكانت تقام من سعف وخوص النخيل وكان بعض من الأهالي يفضلون إقامة هذه البيوت في أعلى الجبال نظراً لبرودة المكان وارتفاعه عن سطح البحر .
ويوضح البريكي أن المنطقة تتميز بكثرة أشجار السمر والسدر والغاف والطيور التي تتخذ من الأشجار بيوتاً، كما تتميز بوجود العديد من أنواع مختلفة من الحيوانات البرية التي تسكن في كهوف الجبال المحاذية للمنطقة من الجهتين الغربية والشرقية للمنطقة، ما جعلها من أميز المناطق في الفجيرة .
وأشار البريكي إلى أن حياة الأهالي استمرت على العيش في البيوت القديمة حتى انتقلوا خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي إلى بيوت شعبية حديثة شيدها المغفول له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله . وهذه البيوت مجهزة بكل الخدمات، كما أن تطور المنطقة لم يقتصر على المنازل بل شمل خدمات المياه والكهرباء والطرق والمواصلات .
وخلال جولتنا في المنطقة قصدنا منزل الحاج راشد محمد البريكي (60 عاماً)، فحدثنا عن ماضيها قائلاً: معيشتنا في الماضي كانت بسيطة اعتمدنا فيها على صيد الحيوانات البرية وجمع العسل من الكهوف الجبلية وزراعة أشجار النخيل بأنواعه، والمانغو وحبوب البُرّ والذرة والشعير والدخن . كما اعتمد بعض الأهالي على تربية الأغنام والبوش وجمع الحطب من الجبال المجاورة للمنطقة وصنع السخام، إضافة إلى التجارة البسيطة في التمور والخضراوات والفواكه والحبوب ومنتجات المواشي والأبقار، إلى جانب المشغولات اليدوية المصنوعة من سعف وجريد النخيل .
ويشير البريكي إلى أن منازل أهالي البليدة قديماً كانت في منطقة أم سكنة الواقعة خلف الجبال المجاورة للمنطقة، وكانت لا تتعدى10 بيوت تضم أهلها الذين لم يتجاوز عددهم 30 فرداً، بينما الآن في منطقة البليدة زهاء 35 بيتاً تضم نحو 350 فرداً مترابطين في كل الأمور .
وأضاف البريكي أن معيشة سكان البليدة في الماضي كانت قائمة على سعيهم جميعاً إلى العمل لتوفير أقواتهم، لكن ذلك لم يشغلهم عن التعاون في مختلف المناسبات، ومازال التعاون بينهم مستمراً .
الحاج علي محمد سليمان اليماحي (85 عاماً) يقول: حياتنا كانت صعبة، لكن بعد إعلان الاتحاد تغيرت أنماط حياة أهالي البليدة والمناطق المجاورة، وتحولت المساكن من بيوت الطين والحجارة إلى بيوت حديثة، وزاد عدد المساكن الشعبية الحديثة والمجهزة بكل الخدمات، كما زاد الخير في كل مناطق الدولة وكبرت سعادة الأهالي . ويؤكد اليماحي أن منطقة البليدة تتميز منذ القدم بطيبة أهلها وخصوبة أراضيها وكثرة الآبار والوديان، ما شجع أهلها على زراعة أشجار النخيل والحمضيات والفواكه بأنواعها، لذلك تتميز المنطقة بمزارعها الخضر، وبانتشار مختلف الأشجار والنباتات الطبيعية التي تستخدم في علاج الكثير من الأمراض .
ويقول صالح سالم الزيودي: حافظت منطقة البليدة على عاداتها وتقاليدها على مر السنين، فالأعراس تغلب عليها الطقوس القديمة التي تذكّر الأجيال الجديدة بعادات وتقاليد الآباء والأجداد من خلال الأغاني والأهازيج الشعبية القديمة .
وأضاف الزيودي: إن هناك علاقات وطيدة بين الأهالي في المنطقة والمناطق المجاورة، خاصة العلاقات التي رسخها الآباء والأجداد مع أهالي مناطق البثنة ودفتا ومسافي، حيث ربطتهم صلات الأنساب والمصالح التجارية .
الحاج محمد علي اليماحي يقول: البليدة منطقة عاش فيها الآباء والأجداد من قبائل اليماحة والبريكات والحمودي والزيودي، وهي من القبائل العربية ذات الجذور الأصيلة وعاشوا على الزراعة وتربية الحيوانات وجمع عسل النحل والحطب من الجبال، إضافة إلى صيد الحيوانات البرية التي كانت تشتهر بها المنطقة مثل الغزلان والحجل وغيرها .
حميد راشد الحمودي يقول: تتميز جبال منطقة البليدة بكثرة الكهوف الجبلية القديمة التي يسكنها النحل البري، نظراً لأنها جبال شاهقة الارتفاع وتحيط بها أعداد كبيرة من أشجار السمر والسدر والغاف البري التي يتغذى عليها النحل في موسمها . ويتميز عسل النحل البري الذي يسكن في كهوف جبال البليدة بلونه الذهبي وذلك لأنه يتغذى على النباتات البرية مثل الزعتر والقصعين والحمر والزعفران وبعض الأشجار .
سيف سعيد الحمودي (32 عاماً)، أشاد بالتطورالملحوظ الذي طرأ على منطقة البليدة، وتغيّر نمط الحياة إلى التحضّر بفضل ثمار الاتحاد . وأضاف الحمودي أن البليدة، رغم التطور الكبير الذي شهدته، لاتزال محتفظة بخصائص ومآثر جميلة وهدوء للنفس البشرية، حيث إنها منطقة ذات جمال وطبيعة خلابة .
ويؤكد الحمودي أن مياه الأمطار تجعل من جبال البليدة ربيعاً يبهر الناظر ويريح النفس، كما أن زائر المنطقة يشعر بالحيوية وراحة النفس وصفاء الجو كما يتمتع بكرم الأهالي .
عبيد محمد علي يقول: اشتهرت البليدة منذ القدم بكثرة وديانها وأفلاجها ومياهها العذبة، خاصة في فصل الشتاء، ولذلك تمت الاستفادة من هذه الثروة بإنشاء السدود في مواقع مختلفة في المنطقة والمناطق المجاورة لها بهدف تنمية موارد المياه .
ويقول عبدالله محمد سيف اليماحي: منطقة البليدة شهدت تحولات كبيرة بعد قيام الاتحاد في كل المجالات، ورغم ذلك حافظت على عاداتها وتقاليدها، ومنها إقامة ملتقى أسبوعي للقبائل التي تعيش في المنطقة .
ويؤكد اليماحي أن منطقة البليدة تتميز بوجودها وسط الجبال، وكانت هذه الجبال تتميز في الماضي بوجود الحيوانات البرية التي اعتمد أهالي القرية عليها في طعامهم من خلال صيدها، كما تميزت بوجود الحيوانات المفترسة كالضباع والفهود والذئاب والثعالب، إضافة إلى الظباء والوعول .
طلال عبيد الحمودي (23 عاما) يقول شهدت منطقة البليدة والمناطق المجاورة لها نقلة نوعية كبيرة في كل الخدمات، وأصبحت منطقة حيوية بعد الاتحاد مع بناء المساكن المتطورة والمجهزة بكل الخدمات من طرق ومواصلات وكهرباء ومياه .
وأضاف أن المنطقة تتميز بوجودها على الطريق العام الذي يربط مدينتي مسافي والفجيرة، كما أنها منطقة حيوية متميزة بأنها شديدة الهدوء والخضرة .