يقيم البيت حاجزاً بينه وبين العالم الخارجي، لأن ثمة من يقيم فيه، فهو الناطق باسمه وإن كان في وضعية ضمير المستتر، أو المبني للمجهول، حيث لا يعرَف المقيم فيه، وإلا لفقد معناه: البيت، والبيات، جهة الإقامة، ليكون هناك التنوع في البيت مقاماً، لاختلاف أهليه ومَن ينزلون فيه، ونوعية الضيافة المقامة، وصادر الكلام ووارده . تحضر الإمارات العربية في الحال هنا، وهي بكامل حلتها في حوارها التاريخي والثقافي حيث تتلاقى وجوه بشر ولغات بشر، وتعيش مغامرة حداثتها الخاصة، مؤنسنةً صحراءها وبحرها وسخونة مناخها، لتكون مفتوحة الجهات ومحميتها في آن . . حيث تستحيل بيوتاً على غاية من التنوع في الامتداد والتشكيل كما لو أنها آثرت أن تترجم الفن بجملته إلى ذائقة بصرية حيث تشهق أشكال عالياً، بقدر ما تفترش المكان أفقياً، لنكون في مضمار مفتوح لبيوت مشدودة إلى أسمائها ومشتقات أسمائها، تبعاً لمراميها، ليكون لدينا البيت الذي تتصادق فيه الآفاق والأعماق، حيث تتلاقى خلائق الله بالجملة، كما لو أننا إزاء تكوين حياتي جديد، لبشر يتسابقون في ما بينهم في عقد حياتي مختلف . بيوت لباحثين عن مغامرة تنفتح على صحراء لا تخفي عراقتها، هي كينونات تهجس بمعانيها في لقاءات وجوه معمرة، متخيلة منذ أعصر كما تنفتح على أزرق مائي يمثّل جماع حركات الوقف المؤقت واللاوقف قاعدة انطلاق في محاولة تأهيل الوحشة ذاتها . بيوت لمأخوذين بحيواتهم تموقعُها ظروف طبق الأصل لآلام وآمال لا تحصى . بيوت تتجاوز المسمى فيها، إذ تخرج عن صيغتها المكانية الجامدة، تحت ضغط المقيمين، وهم تحت ضغط المعنى فيهم، ليكون لكل بيت أكثر من عالم، وأكثر من تكوين . . بيوت هي خلاصةٌ ما لوجوه قاطنيها، انصهار آفاق تخرجها عن باطنيتها صوب أوطانها، هي عناوينها المتناثرة في الجهات كافة، أرواحها التي يتقاسمها داخلٌ وخارج ملتهبان . وفي البيت الذي أتهجاه باسمه الكامل، أستشرف وجوه الذين انغمرتُ بإشراقاتها زمناً، وأنا أيمّم نحوها في مسرد البحث عن معنى يتملكني في رحاب دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، لأن ثمة نشاطاً حوارياً دعيتُ إليه في نطاق قراءة معاصرة في إعجاز القرآن، وكأنّي بالعنوان امتحان لي خارج الموصوف والمعهود، أكثر مما هو محضر له في سطور أو عناوين فرعية، أكثر مما هو مندرج في خانة( الرسميات)، لأن ثمة ما هو ممنوع من الصرف وهو المعزّز لفضيلة الارتحال إلى عالم يحلّق بأسمائه . .
وأن أتحدث عن البيت بالطريقة هذه، فلأن الشعور بالواجب تجاه المضيف هو الذي يحفزني على الدخول في حوار مع بيت لم يعد مجرد بيت، إنما المأخوذ بحيوات تسمّي أحبتها أو تعيّن مواقعهم في بيت: بيوت مؤمنة على زجاجها جراء أفانين إنسها . . . تلك هي الحركة الأولى في التعبير عن وجوه أحبة لا تتوانى عن إخراج البيت من سياقه المادي أو الهندسي إلى مذاقه الروحي المشتهى، وهي لا تكف عن ذرف حنينها تجاه وطن في عهدة الغياب الاضطراري، لأن حضوراً للحياة وتأميناً عليها يتطلبان مثل هذا النأي، حيث يكون الأهل ودفق متناثر من وجوه مترامية الأطراف والمودات، كما لو أن تفعيلاً يتم لعقد مغاير للمعهود، عندما تكون الغربة مقاماً، والوطن حدوداً غير مستقرة تحت وطأة الحنين وصروف المعنى، في حضرة لغات أخرى غير مسبوقة، والتزام خطوط غير معتادة في بلاد لا تنكَر وجاهة العيش فيها، إنما تكون وطأة حسابات لا تنقطع عن تمزقات الروح وانقسام الذاكرة المكانية . .
أقول ذلك وأنا أشير بكامل روحي، إلى الذين التقيتهم في بيوت ليست لهم أصلاً، لكنها بمقاماتها ممنوحة لهم وفق عقود، لكنها- أيضاً- بيوت سرعان ما تأتلف مع وجوههم وهي تأتلق خارجاً . وإذ أحيل إليها بأوصافها هي أعرافها المواظبة على التشكيل الحياتي والأدبي، فلأني أحرص على أبهاء معانيها، وهي التي تعرف التفريق جيداً جداً بين وجه ووجه ولو عبر إشارة أو إيماءة حرف ناهض في جملة تتأنس بهم .
ثمة بيت الشاعر المحلّق خارج أركانه، بيت الجامع بين مقام الجريدة وخلائق القصيدة، أو بين أوجاع الحنين إلى مسقط الرأس الضاج بعوالمه والتوق إلى رأس يقتصد في الذكريات المتداعية، وكل لقاء بالسكينة يحول إلى عهدة إشعار آخر كما هو دأبه، أعني كما هو عنف تكوين محيطه وجبلته في نحو الوطن وصرف العلاقة وإعراب التقويم . بيت يسمّيه في قصيدته وما يلي القصيدة من معان تنتظر ألفاظها، والذين معه في الداخل وهم معنيون به، ولكل منهم بيته الجدير بحمل اسمه: بيت الغض الرؤى والمعجن بآمال تترى في فسحة الجريدة في زحام أفكار تعيّن وجوه أهليها بصورة دورية، بيت فتى صحبة من قاسمته حياة لا يُشك في نقاء تكوينها وبيت المشدود إلى بياض الكتروني حيث تتسارع نبضات أنامله وهي تسطّر إمضاءات براعته وتطويع البياض البارد لحرارة تفيض على تخوم مواقع الحروف وتشكيلات خطوطها الجمة .
ثمة بيت المعتق في العمر، وربما وقور الوجه وعنفوان العين وثلج الهامة الدافىء، وهو العجول الخطى، المتأني القول، العفيف المقام، إنه البيت الهائل بأبوابه . ثمة بيت لمتعدد الهوايات، والحريص على بيته وهو صحبة كاتبته، أعني شاعرته في بيت يكون بيتها، أعني بيتهما المشترك وقد استسلم لأقدار المشترك بينهما في الحب والحياة، أعني في لقاء شمل عائلي وارف المدى كما هي قرائتي لهذا البيت الحصين . ثمة بيت في الجوار، بيت الساعي إلى طموحه في رحابة عائلة لا تخفي قلقها جراء حياة متعثرة الخطى، بيت المأخوذ بخيالات مشروعة ووعود، ربما، طال انتظارها في أكثر من جهة، بيت لوجوه بضة الأحلام، مؤملة بأمان تهبه السكينة المرتجاة جمعاً! ثمة بيت مركب من كلمات وألوان، بيت له لغاته، لمتنقل بين صوت وصورة، بيت أعزل إلا من مضاء الشمس، أو بهاء المعنى، بيت باحث عن ذاته منذ عقود زمنية، يسترسل في الكلام، بقدر المد البحري المؤمّن إلى حياضه المائي، على قدر مبتغاه! ثمة بيت مجنون اللون والريشة والإزميل ربما، بيت مضفور في أركانه، لعلها ضريبة جنون الرغبة: فنون الاختلاف المشروع في وضع غير آمن ربما، لكنه وضع لا يشي بخسائر مرتقبة إنما بسندات تمليك في المعنى المرجو وتعزيز التمايز المطابق للمعنى . ثمة بيت الجامع بين روح أسيرة جسدها وهي تقاوم آنيتها، وروح نزيلة معناها الخاص في مرتجعها السماوي، روح معنية بخالقها المقتدر، وقلقها على مصيرها في هذا الزحام المتواصل: بين استعجال مصادقة المأمول، والتخوف من المباغت وحساباته، بيت الناطق بلغة لا تخفي انقسامها على نفسها، بسبب يتجاوزه قطعاً وهو قابض عليها! ثمة بيت الساكن إلى هدأة البال، من دون إخفاء قلق الروح وهو مجاور السابق ذكره، قلق تاريخي وحدودي، قلق ينفتح على أكثر من احتمال، هو ممكن الأخذ به، ولا بديل إضافياً عنه، في قسمة تكوين اللغات وخيارات العيش المشترك باهظة الثمن طبعاً . ثمة بيت المعترف بعمر منحه بعضاً مما كان يتوخاه منه، وإن لم يحقق له النصاب في المرغوب فيه هنا، ولكنه عمر يقارَن بمثيله في الطرف الآخر، حيث يقوم الوطن وقرناؤه، من دون أن يغفل لحظة واحدة عن اللامحقق والمشروع في ثنايا روحه، وهو المأخوذ بهمه العائلي وفرحه العائلي، وفي الوقت نفسه، بهم يتجاوز العائلي فيه . . . . ثمة بيت الممدود بظله، المرادف لرغبة مؤجلة، حية، ظامئة إلى تشكيلها واقعاً، وقد مضى عليها حين كافٍ من الدهر، ولكنه لما يزل معاين ظله، في ما هو عليه، وهو الموزع بين وطن هناك هناك، إذ تتسلسل مكابداته، ووطن يقدّر فيه أهليه، ولكنه برسم الإقامة فيه، وهو نزيل لغته، مدقق حرفه بمقدار واف، ويعيش صمته المتأجج كثيراً! ثمة بيت الملفع ببياض مائل إلى غصة تتلبس تكوينه الجسمي، وهو رحالة لا يهدأ بين شظف صورة شعرية لاتغادره من دون رصيد من نفير عصب، وشطح خطوط تتلاقى طوع لوحة تؤصّل لقاع متحرك، لا يستقر خارجاً من دون هزة روحية في زحمة غربته! ثمة بيت المأخوذ بصمته، لكنه المتعدد الهوايات في انتظار الفرصة الأنسب إيذاناً بطلاق الصمت المرعي في الداخل، بيت المأخوذ بعمر موصول بما هو آتٍ، بتقدير من ولاية معنى قابل للتداول، لكنه ينعطف عليه وحده، وهو يستعجل لقيا الموعود . ثمة بيت متعدد الخطوط، وهو نزيل يفاعة عمر غير مؤمن عليه من تبعات متغيرات لا يمكن غض الطرف عنها، لكنه ملزم باتباع جملة خطوطه، وهو يختبر حظوظه دفعة واحدة، أو على انفراد، تبعاً للظرف وسمة الحال والأحوال، والمسافات المثقلة الظلال .