بيروت - الخليج":
في بلد غصت فيه الطرقات بالسيارات، والناقلات، وفتحت الطرق الواسعة في أرجائه كافة، كلبنان، يصبح انقراض حرفة "البيطرة" أمراً بديهياً . فهي تثبيت نضوات حديد على قوائم الخيل والبغال والحمير لحماية الحافر من الحصى والمسامير والزجاج وكل ما يمكن أن يسبب للدابة أذية في حوافرها تعيقها عن الحركة .
ربما لا يلمس كثيرون أهمية البيطرة نظراً للاعتماد القليل المتبقي على الدواب، بعد انتشار الناقلات الآلية، ومعدات الزراعة الحديثة المتطورة . ولو استعرضنا الحاجات التي اعتمد الإنسان فيها على الدواب لعرفنا الضرورة التاريخية ل "البيطرة" وأهميتها .
اعتمد الإنسان على ركوب الدواب للتنقل، وللتجوال في نقل محاصيله وبيعها، وفي حراثة الأرض، ثم اخترع العربات لنقل الركاب، و"الطنبر" لنقل الأغراض والأمتعة . وكان البريد يوزع تنقلاً على الدواب، وانتقلت العروس إلى منزل الزوجية بواسطة "الهودج" - (الخيمة على ظهر دابة)، وكانت الدواب جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان، ولم يخل بيت من أحد أصناف الدواب لكي يؤمن بواسطتها تنقلاته ونقل حاجاته .
وجرت الحروب على الدواب، خصوصاً الحصان، الذي استخدم بالآلاف في المعارك، وربما ظهرت حقبة تاريخية كبيرة وقديمة تقوم على استخدام الإنسان للدواب، وربما كان طبيعياً أن يسمى عصر ما قبل السيارة، بعصر الدواب التي شكلت حاجة ملحة للإنسان، وحلت جزءاً هائلاً من مشاكله .
وإذا كان بلد كلبنان تجاوز بحدود كبيرة الاعتماد على الدواب، فإن بلداناً كثيرة، تقليدية، ما انفكت تعتمد عليها حتى اليوم . ولو تصور المرء ذلك العصر من دون بيطرة، لأدرك أهمية الحرفة . حرب بآلاف الأحصنة، أنى لها أن تندلع لو لم يكن البيطري حاضراً لتجهيزها بالنضوة؟
مع انكفاء الاعتماد على الدواب في بلد تغزوه السيارات كلبنان، تراجعت الحرفة، والحرفيون الذين يمارسونها، ولم يبق منهم إلا القليل . علماً أن في أزمنة سابقة لم تخل مدينة، أو بلدة أو قرية من الحرفيين البياطرة في المجتمعات التقليدية والزراعية، وربما بسبب ذلك تنتشر عائلة "البيطار" في مختلف البلاد العربية .
أطلق العامة على البيطرة اسم "الحدي"، ويرجح أن العبارة حورت عن ال"حذي" وهي الآلة التي يتم قشط الحافر بها قبل تركيب النضوة . يستيقظ البيطار مبكراً لتحضير لوازم الزبائن الذين يقصدونه قبل الذهاب إلى أعمالهم صباحاً . يكشف عن زنده، يقص قطعة من الحديد بأحجام مختلفة ومفترضة تناسباً مع أحجام قوائم الدواب، ويمسك المطرقة باليمنى، والنضوة باليسرى وهي ملفوفة بكف من الجلد لحمايتها، ثم ينهال طرقاً بقطعة الحديد التي يسندها على "السندان" محولاً إياها إلى "النضوة" التي تثبت على قوائم الدواب، يطرق حدها ليصبح ناتئاً يسهل انغرازه في الأرض أثناء حركة الدابة، فيساعدها على السير، وعدم الانزلاق . ثم يثقب أطراف النضوة -ثقبان أو ثلاثة لكل جهة بحسب حجمها، ونوع الدابة التي ستستخدمها - حيث يجب أن تثبت بالمسامير على الحافر، ولابد من ثقب في الوسط للتهوية .
وعندما يأتي وقت تثبيت النضوة، يشد البيطار لجام الدابة، ويحشر رأسها بالحائط كي لا تأتي بحركة تؤذيه، فالمهنة لا تخلو من العصبية والتوتر وربما الخطر خلال العمل، فإذا شعرت الدابة بما يؤلمها خلال قشط البيطار للطبقة الغضروفية الخارجية عن الحافر، فقد تعمد إلى الرفس الذي يمكن أن يضره .
أول عمل يقوم البيطار به هو إزالة النضوة القديمة، ثم تنظيف الحافر مما علق به من أوساخ مخلفاً روائح كريهة لمسافات بعيدة، فقشط الغضروف العتيق والزائد على الحافر، بعدها يثبت النضوة على الحافر بالمسامير، وتساعد الدواب على السير حيث تنغرز بأرض الممرات التي تعبرها .
كانت أصوات طرق الحديد في طريق التصنيع للنضوة تملأ أرجاء الأحياء والقرى طوال فترات قبل الظهر، ويتراجع بعده حيث يكون الناس أنهوا أعمالهم، وشارفوا على العودة إلى منازلهم . وكان البيطري يحضر النضوات المختلفة الأحجام استعداداً لاستقبال الزبائن، وأحياناً كثيرة ينتظر كل منهم دوره .
انكفأت الحرفة اليوم نظراً لانتشار الناقلات الآلية الحديثة، ولم يعد الاعتماد على الدواب حاجة اجتماعية ملحة، لكن بعض المجتمعات لا تزال تعتمد على الدواب في عملها خصوصاً المزارعين، وكذلك بالنسبة لمربي الخيول العربية للمتاجرة أو للهواية .
أقفلت ورش البيطرة، وغابت حدائدها، وغابت معها كتل النضوات المعلقة بأشرطة الحديد صفوفاً على الجدران، وكذلك أصوات الطرق عن الأحياء، ولم يبق بيطريون حرفيون يعتمدون على البيطرة كمصدر لحياتهم . إلا أن الأعداد القليلة من المزارعين، وأصحاب مزارع الخيول، الذين افتقدوا البياطرة، تعلموا الحرفة لقضاء حاجتهم الشخصية، أو خصصوا أحد الذين يتقنونها فيرسلون في طلبه لتلبية حاجاتهم عند الضرورة، على ما ذكر ماجد الشاعر - خبير عامل في الزراعة، يعتمد بشكل أساسي على الناقلات الحديثة (الجرار)، وقليلاً على الدواب .
ويلفت الشاعر إلى أنه يقوم بتحضير حاجات البيطرة أو ال"حدي" لدابته بيده، وإلا لما استطاع الاعتماد على الدابة في بعض تنقلات خاصة بعيدة عن الطرق المعبدة . موضحاً أنه اقتنى الأدوات من بياطرة تقاعدوا، أو رحلوا، واستغنى ورثاؤهم عن العدة إما هبة أو بيعاً .
والعدة هي السندان والمطرقة ومقص الحديد اليدوي، وشاكوش الطرق، والمقشطة أو الحذي الذي يقشط غضروف الحافر به، والكماشة لقلع المسامير، ومسامير خاصة بالبيطرة . يضيف: "النضوة" قد تخدم شهوراً قبل الحاجة لتبديلها، ويعتمد ذلك على مدى استخدام الدابة في التنقل والعمل، وكلما ازدادت حركة الدابة ازداد تآكل النضوة، فتصبح بحاجة لتغيير .