التقليد سمة ارتبطت بالشباب، بحكم طبيعة المرحلة العمرية التي يمكن أن يطلق عليها مرحلة البحث عن الذات، لهذا ينجذبون إلى كل ما هو جديد، ويقلدونه، ليس فقط بين النجوم أو المشاهير، ولكنه يصل أيضا إلى داخل دائرة الصداقة، فالشباب يقلد بعضهم بعضاً، وتنتقل السلوكيات من واحد إلى الآخر، وهذا يكون إيجابياً أحياناً وأحياناً يكون التقليد مفروضا على الشاب، فيجد نفسه مدفوعا إليه، وألا أعتبر خارجاً عن المجموعة، والمشكلة أن هذه المحاكاة أحيانا تكون في أمور مرفوضة، تدفعه لسلوكيات سلبية، لهذا يقال دائماً إن أخطر مؤثر على الشاب هو الصديق .
ياسر حسين، طالب بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالشارقة، يؤكد أن التقليد سمة في الشباب بشكل عام، قائلاً: الشباب يقلد بعضه بعضاً، في أمور معينة، مثل اللبس والحركات، لأنهم يؤثرون في بعضهم بشكل كبير، حتى في الأفكار، لأننا كشباب متقاربون في السن، فأنا أقبل فكرة من صديقي بمنتهى السهولة والارتياح، وقد لا أقبلها من والدي أو مدرسي، وهذا في رأيي له جانب إيجابي وآخر سلبي، فأنا كثيراً ما آخذ صفة جيدة من صديقي، ولكن أيضاً يمكن أن أتأثر به بشكل سلبي، وهذا يرجع لقوة شخصيتي، ألا ينجرف ليقلد كل ما يفعله أصدقاؤه، فعليه أن يفرق بين الخطأ والصواب .
ويرى زميله خالد سالم أن التقليد أحد أهم الأشياء التي تحرك سلوكيات الكثير من الشباب، قائلاً: في سن معينة كلنا نميل للتقليد، خاصة للنماذج التي تثير إعجابنا، حتى ولو من بين أصدقائنا، ولكن هذا يكون بدرجات من شاب لآخر، فالشاب الذي لديه شخصية قوية، غالباً لا يقلد الآخرين، ويحاول باقي الشباب أن يكونوا مثله، أما إذا كان أحد الأصدقاء ضعيف الشخصية، فإنه دائما يفعل مثل الباقين، حتى يشعر أنه واحد منهم، وأحيانا يقلدهم في سلوكيات غير مستحبة، ليرضيهم، فأغلب الشباب تعلموا عادة التدخين مثلا من بعضهم بعضاً .
وتوافقه الرأي رشا عماد، طالبة بكلية الإعلام، قائلة: التقليد منتشر بين الشباب، وهذا شيء معروف في هذه السن، وله ميزاته، مثل التنافس في الدراسة مثلاً، ولكن المشكلة أن يكون التقليد في أمور مرفوضة، مثل التدخين أو التهريج داخل الجامعة بشكل يضايق الآخرين، فهذه في رأيي صورة من صور التأثير السلبي للشباب على بعضهم بعضاً، ويجب أن يكون لكل شاب شخصيته، ولا ينجرف وراء سلوكيات أصدقائه أياً كانت، وهذا شيء أطبقه في حياتي فالصداقة لها حدود، وليس معناها أن نكون صورة .
ويقول مروان كبارة طالب بكلية التجارة الخارجية: كل الشباب يتأثر ببعضه بعضاً، وشيء طبيعي أن الشلة الواحدة تميل لنفس الأشياء، وإلا لما تصادقوا، ففي رأيي أن المسألة بين الأصدقاء ليست تقليدا، بقدر ما هي توافق في الأذواق، لهذا نجد الأصدقاء يتشابهون في مظهرهم، لأن أذواقهم في اللبس متقاربة، وفي الهوايات، وأسلوب الحياة عموماً .
وصديقه مصطفى عيسى يرى أن التقليد يلعب دوراً أبعد من هذا في حياة الشباب، وأنهم في أحيان كثيرة يؤثرون على بعضهم بعضاً بشكل كبير، قائلاً: الشباب بطبيعته يحب تجربة كل شيء، خاصة إذا عرض عليه من صديق، فنحن نرى أن هذا هو جوهر الصداقة ومعناها، وأن علينا أن نتشارك في اهتماماتنا، وكثير من الهوايات يدخلها الشاب أحيانا لمجاراة أصدقائه، حتى يندمج معهم، ورأيي أن الاهتمامات المشتركة من أهم سمات الصداقة فأنا وأصدقائي تجمعنا مجموعة هوايات ونحب أن نخرج لشراء الملابس معا وأحيانا يعجبنا نفس الذوق فنبدوا متقاربين في طريقة اللبس والشكل ليس لأننا نقلد بعضنا بعضاً ولكن لأن أذواقنا متقاربة .
ويتحدث أدهم رجائي طالب بكلية الهندسة قسم التصميم الداخلي عن أحد النماذج الإيجابية للتقليد بين الشباب، قائلاً: صديقي كان تأثيره جيداً جداً عليّ، فهو متفوق دراسياً، وأحببت أن أكون مثله، وبالفعل قلدته، حتى في طريقة تنظيمه لوقته، وهذا جعلني أذاكر أكثر، ومستواي الدراسي تحسن كثيراً، واعتبر أن تقليدي له من أفضل الأشياء التي حدثت لي، لأنه أفادني، وجعلني أفضل، فأنا لن أقلد كل شيء، لأني أستطيع التفريق بين الذي يفيدني، والذي لا يفيدني، ولكن طبيعي أن الأصدقاء يتأثرون ببعضهم بعضاً في بعض الأشياء، مثل الهوايات، أو طريقة اللبس، وهذا عادي .
وتتحدث عبير بدر، طالبة بكلية الهندسة قسم ديكور عن تقليد الصديقات لبعضهن بعضاً قائلة: البنات بشكل خاص يقلدن بعضهن، خاصة في اللبس والتقاليع، فيكفي أن واحدة ترتدي شيئا جديدا، نجد أغلب الباقيات يقلدنها، وأنا أقول أغلبهن، لأن هناك فتيات متمسكات بمظهرهن، ولا يتأثرن، ولكن الغالبية يملن للتقليد، وهذا ليس غريبا، لأن التأثر بين الفتيات في هذه السن موجود بشكل كبير، عكس إذا ما كان الكلام من الكبار مثلاً، فإننا نأخذ منه موقف المقاومة، لأننا نشعر أنهم يحاولون فرضه علينا .
وتعلق انتصار جمال، طالبة بكلية الهندسة قسم ديكور، قائلة: التقليد زاد أكثر هذه الأيام، فأحياناً أجد مجموعة فتيات جميعهن يلبسن على نفس الطريقة، وأتساءل إذا ما كن يقلدن بعضهن بعضاً، أم أنهن تصادقن من البداية، لأنهن متشابهات في المظهر، ولكن هذا الأمر جعل كثيراً من الفتيات، وحتى الشباب، صوراً متكررة، ولا أفضل هذا، وأحب أن يكون لي أصدقاء، ولكن أن يكون لكل منا شخصيته، ولا مانع من تقليد الأشياء المفيدة .
وتوافقها الرأي زميلتها نرمين سامي قائلة: أحياناً يصل تأثر الصديقة على صديقتها إلى درجة كبيرة، فتقلدها في كل شيء، مثل لبسها وطريقة كلامها، وهنا أعتبرها إنسانة بلا شخصية، فكل واحد يجب أن تكون له شخصيته المستقلة، ولا مانع عندي إذا رأيت شيئا وأعجبني في صديقتي أن أقتدي به، ولكن لا يصل الأمر إلى أن تمحي شخصيتي .
ويقول أيمن السمري، طالب بكلية التجارة الداخلية: تأثير الأصدقاء قوي جداً على بعضهم بعضاً، وهذا موجود بين أصدقائي أيضاً، فنحن نحب أن نفعل أشياء متشابهة، على سبيل المثال، إذا اشترى واحد منا جهازاً وأعجبنا نشتري مثله، كما أننا نختار الملابس من نفس الأسلوب وهذا لأننا مجموعة واحدة، ونحب أن تربطنا أشياء متشابهة، وهذا موجود بين كل الشباب، وعادي، ولكن المرفوض أن يصل الأمر ببعض الشباب إلى التقليد في سلوكيات غير مقبولة، لمجرد مجاملة الأصدقاء .
ويعلق إسلام حسن طالب بكلية التجارة الخارجية: كثير من الشباب قادهم تقليد أصدقائهم إلى تجارب غير محمودة العواقب، لأنهم تجاوبوا معهم في أشياء ضارة، وسلوكيات مرفوضة، لمجرد التقليد، فالشباب يمكن أن ينقلوا لبعضهم بعضاً أشياء كثيرة، مثل عادة السهر خارج البيت مثلا، أو التدخين، أو ما هو أخطر من هذا، والشاب عادة يسمع كلام صديقه، ويحب أن يفعل مثله، ربما ليثبت له أنه ليس أقل منه جرأة، ولكن للأسف هذا التقليد لايكون في مصلحته .
أحمد عبدالمقصود، مندوب مبيعات بشركة الربوة للمنتجات الغذائية، يرجع درجة وشكل التأثر بالأصدقاء إلى المرحلة العمرية قائلاً: الأصدقاء لهم تأثير ولكن المسألة تختلف من عمر لآخر، واعتبر أن المراهقة هي أخطر مرحلة يتأثر فيها الأصدقاء ببعضهم بعضاً لأنه ليس لديهم خبرة، ويمكن أن يتأثروا بسلوكيات أصدقائهم من دون وعي لهذا يجب أن يحرص الأهل في هذه المرحلة على أن يعرفوا نوعية أصدقاء أبنائهم، وأقول هذا لأني مررت بهذه المرحلة وكاد تأثري بتقليد أحد أصحابي يودي بحياتي ذات مرة، أما الآن ومع النضج فالتأثر يحكمه العقل والتقدير الجيد للأمور .
ويؤكد صالح محمود بائع إكسسوارات إلكترونية، أنه يتأثر بأصدقائه حتى بعد أن تخرج ودخل الحياة العملية، ولكنه تأثر من نوع مختلف يقول عنه: في السن الصغيرة نتأثر بالسلوكيات والشكل، وهذا أمر طبيعي بحكم السن، ولكن بعد أن نكبر وننتقي أصدقاءنا بنضج يكون التأثر بالآراء ووجهات النظر وهذه الأمور في الأساس هي التي تجمع الأصدقاء في هذه المرحلة فمقاييس اختيار الأصدقاء نفسها تختلف، رغم أن بعض الصداقات تستمر منذ الطفولة فأنا أحتفظ بصداقات من المرحلة الابتدائية ولكنهم أشخاص بيني وبينهم تقارب في التفكير والنظرة في الحياة وهؤلاء أتأثر بهم ويتأثرون بي ولكن بشكل إيجابي عقلاني، بينما انتهت صداقات أخرى لأنها كانت طارئة .
ويشير سامح فاروق، محاسب بشركة الراسي للتوريدات إلى تأثره بأصدقائه عبرمراحل حياته قائلاً: الصديق شخص نختاره وبالتالي نتأثر به كثيراً، لأننا نثق به وإلا لما اخترناه صديقاً، ولكني مع العمر والنضج يختلف الأمر، ففي سن صغيرة كنت أتأثر بأصدقائي في أشياء تافهة يعني إذا أشترى شيئاً أحب أن أفعل مثله وإذا عمل حركة استعراضية أحاول تقليده، حتى إذا كانت خطيرة، وفي المرحلة الجامعية كنا نتنافس في التفوق الدراسي، أما الآن فتأثري بأصدقائي مختلف أستفيد من إيجابياتهم وآرائهم السليمة وتجاربهم في الحياة .
الصداقة اختيار
تحلل د . خديجة سليمان، أستاذة علم الاجتماع، ميل الشباب إلى التقليد، وما يفرضه هذا من أهمية اختيار الصديق الذي يتأثر به، قائلة: إذا أخذنا بعين الاعتبار قابلية الإنسان للتأثر بالأجواء التي يوضع فيها، وخاصة تأثره بالأصدقاء، فإننا نعرف حينئذ خطورة الصداقة في حياة الشاب بشكل خاص، لأنه في سن طبيعته المحاكاة والتقليد، بحكم أن شخصيته لم تستقر بعد، ولم يحدد هويته، لهذا يبحث في النماذج الأخرى عن ذاته، والصديق هو الأقرب في هذه الحالة، وهذا يحتم ضرورة الاهتمام باختيار الصديق، لأن الصداقة قضية اختيار، ولا يجوز أن يترك الشاب أو الفتاة اختيار أصدقائهما للصدفة، رغم أن كثيرين يفعلون ذلك، والصدفة قد تكون جيدة في بعض الأحيان، ولهذا على الشاب أن يبادر هو إلى اختيار أصدقائه، حسب المقاييس الصحيحة، قبل أن تختار له الصدف أصدقاءه، حسب مقاييس خاطئة، وهذا تمهيدا للعلاقة المستقبلة، التي سيؤثر فيها الصديق من دون شك في سلوك صديقه خاصة إذا اتخذت الصداقة شكل الجماعة، فوقتها تحكم الأغلبية، وينساق الآخرون للتقليد .