تؤكد التقارير الطبية نقص الدم اللازم لإنقاذ حياة المرضى والمصابين في حوادث الطرق وضحايا الحروب والنزاعات في كل أقطارنا العربية.ورغم حملات التوعية الدينية والطبية والإعلامية لإقناع الأصحاء بالتبرع بالدم إلا أن مراكز تجميع الدم والمستشفيات الحكومية والخاصة تعاني من نقص شديد في الدم، الأمر الذي دفع الأطباء والمسؤولين عن المراكز الطبية إلى إطلاق صرخات استغاثة متكررة لتكثيف حملات التوعية الدينية للأصحاء في المساجد والجامعات ووسائل الإعلام لتوفير أكسير الحياة.

فلماذا انصرف المسلمون عن التبرع بدمائهم؟ وهل التبرع بالدم يلحق ضررا بالمتبرع؟ وما موقف الإسلام من الذين يبخلون عن التبرع بدمائهم؟ وهل يجوز للإنسان أن يبيع دمه لمريض يحتاج إليه؟ وهل يبيح الإسلام إصدار تشريعات تلزم الأصحاء التبرع بدمائهم؟

هذه التساؤلات وغيرها طرحناها على عدد من الأطباء وعلماء الشريعة الإسلامية من خلال التحقيق التالي:

من يعرف الفوائد الكبيرة للتبرع لا يتوقف عنه طوال حياته طالما أنعم الله عليه بنعمة الصحة، هكذا بدأ د. عبدالهادي مصباح أستاذ التحاليل الطبية والمناعة بكلية الطب في جامعة القاهرة كلامه مؤكدا أن التبرع ليس مفيدا للمريض أو المصاب فحسب بل إن الفائدة تعود أيضا على المتبرع حيث يؤدي التبرع إلى تجديد النشاط والحيوية بالجسم الذي تتجدد خلايا دمه نتيجة تنشيط نخاع العظم الذي يقوم بإنتاج خلايا دم جديدة تكون أفضل من التي تم التبرع بها ويكون لهذا التغيير في خلايا الدم فوائد في زيادة التركيز لوصولها إلى المخ ومضاعفة النشاط والحيوية في الجسم عامة لمجرد وصولها إلى أعضائه.

سلاح ذو حدين

وعن الضوابط التي يجب أن يلتزم بها المتبرع حتى يستفيد جسده من عملية التبرع أوضح الدكتور مصباح أن عملية التبرع سلاح ذو حدين فهي مفيدة جدا إذا تمت في ضوء الإرشادات الطبية المتفق عليها عالميا من خلال تعليمات منظمة الصحة العالمية، ويمكن إيجازها في النقاط التالية ومن لا يلتزم بها يضع نفسه في التهلكة حيث تنتقل إليه الأمراض ويتحول من إنسان سليم إلى مصاب وأهم هذه التعليمات الطبية:

- ألا يقل وزنه عن خمسين كيلوجراما حتى يكون ما في جسده يتراوح بين خمسة أو ستة لترات وبالتالي يسمح له بالتبرع بالكمية المتعارف عليها عالميا وهي 1/12 من كمية الدم.

- أن يخضع لمجموعة سريعة من التحاليل التي تثبت خلوه من أمراض معينة لا يسمح للمصاب بها بالتبرع.

- أن يتم التبرع في مراكز وبنوك الدم الموثوق فيها حيث يتم استخدام أجهزة معقمة والتأكد من خلو المتبرع من الموانع السابقة وتكون لدى الأطباء فيها القدرة على التعامل مع أي مضاعفات -وهي قليلة جدا- قد يتعرض لها المتبرع مثل الدوخة وزغللة العين أو الغثيان الذي سرعان ما يزول.

- أن يكون قد مر على آخر تبرع ثلاثة شهور للرجال وأربعة للسيدات وأن يتراوح السن ما بين 18-60 سنة تقريبا تقل أو تزيد عاما أو أكثر.

التبرع الآمن

وتعرض الدكتورة عنايات عزت الأستاذة بكلية الطب في جامعة الأزهر لأهمية التبرع بالدم لدرجة أنه تم تخصيص يوم عالمي لذلك هو 14 يونيو.

وتشير إلى أن الحل الأمثل لمشكلة النقص في الدم تتمثل بالعمل على إعادة الثقة في بنوك ومراكز الدم وتأكيد أن عملية التبرع فيها آمنة، ويصاحب ذلك حث علماء الإسلام ورجال الكنيسة على أهمية التبرع من الناحية الدينية ويتواكب ذلك مع حملة إعلامية شاملة في كل وسائل الإعلام حول بطاقة أهمية التبرع وفوائده للمتبرع وشدة حاجة المرضى إليه وقيام بنوك الدم بإعطاء المتبرع متابعة وحقه في استرداد ضعف الكمية المتبرع بها في حالة حاجته هو أو أحد أفراد أسرته إليها مستقبلا سواء كان في حاجة إلى الدم كاملا بكل مكوناته أو إلى أحد مكوناته التي يتم فصلها بأجهزة معينة حتى يشعر المتبرع بأن هناك مردودا آمنا له ولذويه مستقبلا في حالة تعرضه لأية أزمة صحية تتطلب نقل الدم أو أحد مشتقاته إليه ولذويه حيث إنه بعد فصل مكونات الدم يمكن لأكثر من مريض الاستفادة من التبرع الواحد حيث هناك من يحتاج إلى الصفائح الدموية في حين يحتاج آخر إلى البلازما وهكذا. كما أن هناك فصائل نادرة مثل B-A قد يحتاج إليها المريض ولا تتوافر إلا في بنوك الدم وبالتالي يستفيد منها المتبرع وأهله مستقبلا.

قمة الخيرية

ويقول د. محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف المصري الأسبق وأستاذ الحديث بجامعة الأزهر: الدم سر الحياة ولا يقل في أهميته عن الماء الذي وصفه الله بأنه سر بقاء الأحياء حيث يقول سبحانه: وجعلنا من الماء كل شيء حي ويعد الدم من الهبات والنعم التي أنعم الله بها على الأصحاء الذين عليهم ألا يبخلوا بالتبرع به ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لأنه بهذا الفعل يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لما فيه من الخير الذي وصف الله به أمتنا بقوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. وعلامات الخيرية تظهر في كل عمل تطوعي يكون فيه المسلم معطاءً للخير، فما بالنا بمن يعطي الحياة لغيره؟ فهذه قمة الخيرية فيكون له ثواب إعطاء الحياة للناس جميعا وليس للمستفيد بالدم فقط حيث يضاعف الله الثواب لأنه سبحانه القائل: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.

ويستطرد: إن الإسلام دين الرحمة والرفق بكل الأحياء، فقد حث على الرفق بالحيوان والطيور وكل ذي كبد رطبة، وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: في كل كبد رطبة أجر، وقد ورد في السنة أن رجلا دخل الجنة في كلب عطشان سقاه، فما بالنا بمن يتبرع بدمه لأخيه في الإنسانية سواء كان مسلما أو غير مسلم؟ لا شك أن له ثوابا عظيما في الدنيا والآخرة، لأنه ورد في السنة النبوية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب إغاثة اللهفان وليس هناك أكثر لهفة ويحتاج إلى الإغاثة ممن هو بين الموت والحياة ولا يحتاج سوى قطرات من الدم ليسترد عافيته وينتقل من حالة المرض والخطر إلى الصحة والأمان.

وينهي كلامه مؤكدا أنه إذا كان المتبرع بدمه يأتي في قمة الخيرية حيث إنه خير من المتبرع بماله فإن من يستطيع التبرع بالدم ويتقاعس ويبخل رغم شدة الحاجة لذلك هو أسوأ من البخيل بماله الذي ذمه القرآن في قوله تعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير، ولهذا نحذر الأصحاء من البخل بمصدر الحياة الذي وهبهم الله إياه.

تفريج الكرب

لا توجد كربة يعيشها الإنسان مثل كربة المريض الذي يحتاج لقطرة دم حتى تستمر حياته.. بهذه الكلمات بدأ الدكتور حامد أبو طالب العميد السابق لكلية الشريعة والقانون وعضو مجمع البحوث الإسلامية كلامه موضحا أن الله وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ولا شك أن إنصاف أتباع الرسول بالرحمة ورقة القلب والمسارعة إلى الطاعات والخيرات وتفريج كرب المكروبين هو خير تنفيذ لأوامر الله لنا باتباع رسوله الذي جعله الله بمثابة القدوة لنا بقوله: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا، وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نغيث الملهوف ونفرج كرب المكروبين فقال: من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.

وما أحوجنا إلى تفريج كرب الناس في الدنيا سواء كانوا مسلمين أو حتى غير مسلمين حتى يفرج الله عنا الكروب في الدنيا والآخرة وبالتالي فإن المتبرع مستفيد بالثواب العظيم من الله واهب الحياة وواهب الدم الذي نتبرع به.

ويؤكد أن التبرع بالدم هو نوع من الصدقة الجارية، بل إنه أفضل أنواع الصدقات التي يظل ثوابها قائما طالما ظل المستفيد على قيد الحياة والله يضاعف الثواب لمن يشاء بقدر إخلاص المتبرع لنيته لله ورغبته الصادقة في إفادة إخوانه من المصابين والمرضى فهذا نوع من الإيثار الذي امتدح الله فاعله بقوله ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.

المتاجرة بالدم

وعن قيام البعض بالمتاجرة بدمائهم وبيعها لبنوك الدم ليستفيد ماديا من تبرعه قال د. عبدالمعطي بيومي العميد السابق لكلية أصول الدين وعضو مجمع البحوث الإسلامية: هذا العمل غير جائز شرعا لأن الدم من الأشياء المحرم بيعها مثل الأعضاء تماما، ومن يقوم بذلك آثم شرعا وهذا أبشع أنواع التجارة وليس الفقر أو الحاجة المادية للمتبرع مبررا لاشتراط الحصول على مقابل مادي كأنها عملية بيع وشراء وذلك لقوله تعالى إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وإذا لم يجد المريض وسيلة للحصول على الدم إلا بشرائه من المتبرع فهو في حكم المتبرع والإثم يقع على البائع، وذلك لقوله تعالى: وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأَمَة، والقاعدة الشرعية التي أوضحتها السنة النبوية أن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه حتى ولو تم إنفاقه في وجه من وجوه الخير. وقد حذرنا الرسول من أن نتحايل مثلما كان يفعل اليهود فقال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها فليكن العمل كله خالصا لوجه الله وليثق الفقير المتبرع بأن الله سيغنيه من فضله في الدنيا ويغفر ذنوبه في الآخرة.

التكافل بين الأقارب

ويقترح د. محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية ومدير مركز الدراسات الإسلامية بجامعة القاهرة حلا شرعيا لمشكلة نقص الدم قائلا: الفهم الصحيح لتعاليم الإسلام هو الحل لكل مشكلاتنا، والركيزة الأولى في الحل هي قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وهذا أفضل مجال للتعاون حيث يتصدق الصحيح على المريض ابتغاء وجه الله. والركيزة الثانية هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعل ما شئت كما تدين تدان، وهذا ليس في الشر فقط كما يظن البعض بل إنه في الخير أيضا فلو تصور كل إنسان أنه سيكون هو المريض أو أحد أبنائه أو أقاربه ويحتاج قطرة دم لتستمر حياته فإنه بلا شك سيسارع إلى التبرع الذي هو تعمير حقيقي لبنك حسناته في الآخرة ووقاية لحياته وحياة من يعتز بهم في الدنيا، الركيزة الثالثة للحل هي التكافل بين الأقارب بأن يكون لديهم اكتفاء ذاتي وزيادة من الدم من خلال البطاقة التي تعطى للمتبرع وبموجبها يحق له ولذويه الاستفادة من هذا الدم مستقبلا إذا ما احتاجوا إليه.

لا.. للإجبار

عن مشروعية سن تشريعات لإجبار المواطنين على التبرع بالدم أوضح د. عبدالله سمك رئيس قسم الأديان والمذاهب بكلية الدعوة في جامعة الأزهر أن القضية ذات وجهين، أولهما أنه لا يجوز إجبار المواطنين على التبرع بالدم باعتبار أن هذا يسمى تبرعا وبالتالي لابد أن يكون ذلك عن طواعية وطيب خاطر ورضا نفس مثله مثل التبرع بالمال وإن كان هذا أهم لحياة الإنسان وفي هذه الحالة يكون الحل هو نشر الوعي الديني بأهمية التبرع باعتباره من قبيل الصدقة التي يضاعف الله ثوابها للصحيح حسنات ويجعل في عمره وصحته وأولاده بركة تقر بها عينه لأنه ساهم في تفريج كرب المصابين والمرضى وسخره الله لاستمرار حياتهم بتبرعه هذا وفي الوقت نفسه لا بد أن يعمل مسؤولو الصحة بشفافية وحماس وإخلاص يكسبون به ثقة الأصحاء ويدفعونهم إلى المسارعة إلى التبرع طواعية وفي هذه الحالة لا يجوز سن تشريعات للإجبار على التبرع.

وأشار إلى أن الوجه الآخر من القضية هو في حالة وقوع كوارث طبيعية أو تفشي أمراض خطيرة تجعل المصاب بها في حاجة شديدة لنقل دم أو وقوع حروب يذهب ضحيتها آلاف القتلى وتزدحم المستشفيات بالمصابين وتكون الحاجة ملحة للدم لإبقائهم على قيد الحياة وقد تم استخدام كل مخزون الدم في بنوك ومراكز الدم وتعذر استيراد الدم من الخارج سواء للظروف المادية للدولة أو لخطورة نقل العدوى عن طريقه أو لأي سبب آخر، ففي هذه الحالة الاستثنائية يجوز سن تشريع لإجبار الأصحاء على التبرع.