المجتمعات في ظل التقدم العلمي الحالي تحتاج إلى ثقافة ووعي وإدراك لماهية استغلال المنتج الإنساني لأكثر من مرة، ويعد الكتاب أحد أهم ما ينتجه الإنسان على المستوى المعرفي، وتوفيره ضرورة لمن يحتاجه.
والإمارات إحدى أهم الدول السباقة في هذا السياق، فجعلت من مبادراتها أهدافاً لتوفير الكتاب للجميع، وتقلدت المؤسسات النهج نفسه، فقدمت المبادرات التي توفر فرص التعلم وأسباب الثقافة لأبناء المجتمع والمقيمين على أرض الإمارات، وكانت مبادرات التبرع بالكتب إحدى أهم وسائلها في تداول أكبر عدد منها بين الأفراد.
يقول مصطفى جمال «طالب ثانوي»: استغلال موارد الطبيعة بصورة تحافظ على الاستدامة، يفرض تبادل الكتب، واستغلال المطبوع منها، وتداولها بدلاً من الاستغناء عنها، فتستحيل مورداً معطلاً لا فائدة منه من ناحية، وضاراً ومسبباً للتلوث، وعقبة كأداء أمام أسباب الاستدامة التي تسعى إليها الدول الآن، ولا سيما دولة الإمارات، في ظل التحديات الكبيرة التي يجدها كوكب الأرض، ويحاول العالم جاهداً التقليل من السلبيات.
ويضيف: لذا أستغل كل ما لدي من كتب مدرسية، وأسارع للتبرع بها للمؤسسات المختصة، ليستفيد منها آخرون، ومنها تتحقق فوائد عدة، مثل التقليل من أخطار التلوث التي تأتي عبر التخلص بصورة خاطئة، ومنح آخرين فرص الاستفادة منها، وخاصة غير القادرين، فلا شك أن توفير الكتاب وسيلة مهمة لتثقيف المجتمع.
ويرى سالم الحمادي، أن التبرع بالكتب وسيلة مهمة لتوفير كم هائل وأعداد كبيرة لمحبي القراءة من غير القادرين. ويقول: حبس الكتاب بين أدراج المكتب، بعد قراءته أسلوب خاطئ، فلا بد من تداوله ليستفيد منه أكبر كم ممكن من الناس، ومن ناحية أخرى توفير إمكانات الدولة المتاحة لتنمية جوانب أخرى في المجتمع.
ويضيف الحمادي: أسعى للتبرع بالكتب التي لا أحتاج إليها، وأشعر بفرح عندما أجد أيضاً كتاباً كنت أبحث عنه، ولو كان مستعملاً، وأرى أن من حق الآخرين الحصول على الكتب بأسعار زهيدة، فالتحدي القائم في العالم اليوم يقوم على العلم، ولا شك أن القراءة أول أسبابه.
أما سلطان شهيل، «طالب ثانوي»، فيؤكد أن الإمارات تسعى للاستدامة في جميع مواردها، والتبرع من وجهة نظره أحد أهم هذه الموارد، حيث يوفر كماً هائلاً من المطبوعات لغير القادرين من ناحية، ويوفر للدولة موارد مالية هائلة، كانت ستطبع بها هذه الكتب، إلى جانب الحفاظ عليها، فلا تكون مصدراً للتلوث البيئي.
ويرى شهيل أن الاحتفاظ بالكتب من غير فائدة، يعد بمثابة كتم العلم، الذي نهى عنه الدين الحنيف، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة».
أما جمال الحسيني «أستاذ وخبير تربوي»، فيرى أن مؤسسات الدولة تتعاون جميعها في توفير الكتب لمن أراد من خلال مبادرات مهمة، منها مهرجان الكتاب المستعمل، وحملات توعوية وأنشطة ثقافية، منها: معارض الكتب، وكلها تصب في خدمة محبي الثقافة والكتب.
ويرى الحسيني أن التبرع بالكتب وسيلة مهمة للتكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع الواحد، ويوفر الاستدامة بطرق متعددة، ويضيف: أقدم ما أقرأ من كتب للجهات المختصة بالتبرع، ولا سيما إن كان لدي أكثر من نسخة لكتاب واحد، وأشجع أبنائي وطلابي للقيام بهذا الدور المجتمعي المهم.
ويضيف الحسيني «ولن أنسى حملة «أمة تقرأ»، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، فاستفاد منها الأطفال اللاجئون وطلاب المدارس المحتاجة حول العالم، ووفرت نحو 5 ملايين كتاب من الإمارات للعالم، وكانت بمثابة أكبر حملة معرفية.
اهتمت معارض الكتب التي تقام على أرض الإمارات بهذا التوجه العام في جمع الكتب المستعملة، من المتبرعين من أنحاء إمارات الدولة، لتكون معينة لمحبي القراءة وغير القادرين على شرائها واقتنائها، ومن ذلك تخصيص معرض أبوظبي للكتاب ركناً خاصاً للتبرع بالكتب المستعملة، من قبل طلاب المدارس وغيرهم، ممن يريدون التبرع بها، لتكون متاحة ويسهل الحصول عليها، وهو متواكب مع التقدم الحالي والمبادرات المتنوعة في الدولة، التي تحث جميعها على القراءة، وحق كل فرد في نيل قدر متوافر من الثقافة والمعرفة.
ومن أهم المبادرات التي خدمت تدوير المعرفة بتبادل الكتب، ما قامت به مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية من مبادرات، منها مهرجان الكتب المستعملة، التي تتيح تداول الكتب المستعملة، والاستفادة منها من قبل الراغبين ومحبي القراءة والعلم، بأسعار زهيدة جداً، وهي شكل من أشكال دعم المدينة، وتحقيق رغبة الجمهور في دعم المدينة، واقتداء بتوجيهات وتوجهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة.
منى اليافعي: الاقتناء بأسعار رمزية
منى عبدالكريم اليافعي، «مدير مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية»، تقول: إن من أهم ما نقوم به في مجال توفير الكتب واقتنائها وتسهيل شرائها وتبادلها بين الأفراد وتوسيع الاستفادة بها، تنظم مدينة الشارقة لخدمات الإنسانية منذ عام 2006، مهرجاناً للكتاب المستعمل، بهدف تعزيز قيمة الكتاب وأهميته وتسهيل اقتنائه بأسعار رمزية، وفي متناول الجميع، بالإضافة إلى تشجيع ثقافة القراءة والمطالعة، وتنمية روح العمل التطوعي بين أفراد المجتمع ومؤسساته، وتوفير إيرادات مالية للمدينة بطريقة مبتكرة، تسهم في الارتقاء المستمر بالبرامج والخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتسلط الضوء على قضايا وحقوق هذه الشريحة المهمة من شرائح المجتمع. وتضيف اليافعي: إن تنظيم المدينة لمهرجان الكتاب المستعمل، وحرصها على استمراريته يعد إسهاماً وتطبيقاً لنهج الشارقة الثقافي، الذي أرساه صاحب السمو حاكم الشارقة، بهدف إعلاء شأن الثقافة والتشجيع على القراءة وتسهيل اقتناء الكتب.
وتتحدث مدير مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية بفخر عن مدى الإقبال من قبل أبناء المجتمع بكل فئاته على التبرع بالكتب والتطوع في المهرجان، بدءاً من عمليات فرز الكتب وتصنيفها، وانتهاء بعرضها، والإشراف على عمليات بيعها، فتقول: هناك متطوعون من مختلف المدارس والجامعات والمراكز وجمعيات النفع العام، ومن الأشخاص ذوي الإعاقة وأولياء أمورهم أيضاً، وأبناء المجتمع الإماراتي، بمواطنيه ومقيميه من كل الجنسيات، يعملون كأسرة واحدة تحقيقاً لهدف واحد هو توفير الكتب ووسائل المعرفة والعلم وإتاحة الفرصة أمام الجميع لخوض تجربة رائعة وثرية، سواء من خلال التبرع بالكتب، أو اقتنائها بأسعار مناسبة.
وتؤكد اليافعي أن المتبرعين بالكتب ينتمون لجميع فئات المجتمع وفعالياته من مدارس ومؤسسات وجمعيات وأفراد، فلا يقتصر التبرع بالكتب على شريحة بعينها من المجتمع، فالكثير من الجهات أو المؤسسات أو حتى الأفراد، يقدم مكتبات كاملة كان يقتنيها والده مثلاً، وكذلك من المتطوعين من يقدم جزءاً مما يقتنيه، وسبق أن استفاد منه لقناعته بأن أبناء المجتمع الباقين من غير القادرين على شراء الكتب لهم الحق الكامل في الحصول على المعرفة.
أما عن أهم أنواع الكتب التي يتم التبرع بها على مدار العام، فتقول اليافعي: إن هذه الكتب تنتمي إلى مختلف المجالات العلمية، فمنها: السياسية، الدينية، الأدبية، العلمية، المراجع، وكتب الأطفال، ومنها، التاريخية، الجغرافية، الفلسفية والاجتماعية، عدا عن الدوريات والكتب الجامعية.