شُغل العالم منذ القدم بقصة الخلود والعودة من الموت، ويقول المؤرخ اليوناني هيرودوت إن المصريين أول من اعتقدوا بخلود النفس، ويذهب البعض إلى أن عقيدة الخلود كانت تحتل مكانةً كبيرةً في نفوس المصريين، إذ لا يكاد يوجد مصدر تاريخي عن المصريين القدماء إلا وفكرة الخلود والحياة بعد الموت تحتل مكانة الصدارة فيه. ويقول الكاتب جان ناس في كتابه «تاريخ جامع أديان»، إنّ المصريين القدماء كانوا يعتقدون أن السعادة بعد الموت مرتبطة بحفظ البدن من دون عيوب، ولذلك فهم ترقوا كثيراً في كيفية حفظ الأبدان من التلف والفساد.
ولا شك في أن كل الأمم فكرت بنفس الطريقة إذ نجد عادة التحنيط مثلاً لحفظ الجسد عند الفراعنة وسكان أمريكا الجنوبية القدماء وغيرهم.
ما زال الكثيرون يؤمنون بهذا الأمر ويسعون جاهدين للرجوع إلى الحياة وكما أشرنا سابقاً أنها قصة لا نهاية لها. واليوم يسعى الأمريكيون ومن بعدهم الروس بعد أن تسابقوا في غزو الكون إلى السباق من جديد نحو تلك الحياة الأبدية. هذا المسعى الذي كان مقتصراً لفترة طويلة على قصص الخيال العلمي، يؤخذ اليوم على محمل الجد من قبل بعض الباحثين. ومنذ أن طلب الباحث الأمريكي جيمس بيدفورد أن تحفظ جثته بالتجميد عند وفاته، بلغ عدد الأشخاص الذين لجأوا إلى هذه التقنية نحو 900 شخص في جميع أنحاء العالم على أمل أن يستيقظوا يوماً ما من نومهم الطويل حين يمتلك العلم القدرة على إصلاح أسباب وفاتهم.
والحفظ بالبرودة أو التجميد، عملية تستخدم من أجل حفظ الأنواع الحيوية مثل الخلايا والأنسجة الحيوية أو أي مادة حيوية أخرى عرضة للتفاعل الكيميائي، من خلال تبريدها إلى درجات حرارة منخفضة جداً دون الصفر التي يتوقف فيها عمل الإنزيمات والنشاطات الكيميائية التي يمكن أن تسبب الضرر أو تفكك المادة الحية. ويستعمل النتروجين السائل من أجل الوصول إلى درجات حرارة منخفضة تؤمن وسطاً كافياً للحفظ بالتجميد. وتقدر الفترة الأعلى لحفظ الأنسجة الحية بالتجميد من دون ضرر بنحو 1000 سنة. واليوم، تعتبر كل من مؤسسة «كريو روس» KrioRus بالقرب من موسكو بروسيا، و«إلكور» في أريزونا الأمريكية، رائدتين في تقنية الحفظ بالتجميد (cryonics)، حيث تحفظ الجثث في درجات حرارة منخفضة للغاية في خزانات مشتركة.
على بعد كيلومترات قليلة من أقدم الأديرة في روسيا، وهو دير لور الثالوث سرجيوس بالقرب من موسكو، يوجد مبنى ضخم أبيض. في الداخل، توجد أسطوانتان تحتويان على 21 جثة مجمدة معلقة في أكياس للنوم. 10 في واحدة، و11 في الأخرى. وتضم إحدى الحاويات أيضاً 20 دماغاً مجمداً، كل منها في علبة مصنوعة من الأينوكس المقاوم للصدأ. وتضم حاوية أخرى نحو 10 حيوانات أليفة مجمدة.
في ذلك المكان، لا يسعى أحد لقهر الموت بل يسمح لك العاملون إن كنت من المجمدين بعد الموت، أن تنتظر حدوث اختراقات علمية هائلة لإيقاظك ثانية وإعادتك إلى الحياة. أمر مستحيل، ولكنه اعتقاد يؤمن به كثير من أهل الأرض.
وفي مؤسسة «KrioRus» الثانية عالمياً في هذا المجال يمكن تجميد جثتك مقابل مبلغ يصل إلى 32400 يورو أو تجميد دماغك مقابل 11 ألف يورو. دانيلا مدفيديف، 34 عاماً، أحد مؤسسي المؤسسة، يقول: "الهدف هو إعادة هؤلاء إلى الحياة يوماً ما. فمع التقدم في الطب والأبحاث الخاصة بشيخوخة الخلايا، نعتقد أنه يمكننا تحقيق هذا قريباً".
والواقع أن تقنية «Cryonics» أو التجميد بعد الوفاة، ظهرت منذ فترة طويلة في قصص وأفلام الخيال العلمي لكنها الآن باتت حقيقية أو على الأقل في مراحلها الأولى علماً بأنها كانت محظورة في بلد مثل فرنسا منذ قرار مجلس الدولة في عام 2006، وانقسم حولها المجتمع العلمي الدولي الذي لا يعتقد بالتأكيد في الحياة الأبدية للكائن الحي في الدنيا.
ومع ذلك، لم يثبت أي عالم حتى الآن أن «KrioRus» على خطأ، وهذا أحد حجج دانيلا مدفيديف الابن لاقتصادي روسي كبير وموهوب بشكل استثنائي إذ تعلم القراءة بعد سنة ونصف السنة من ولادته. هذا الشاب الذي عمل في مجال الاقتصاد سابقاً، ومقدماً لأحد البرامج التلفزيونية العلمية، يقتبس عن نيكولاي فيودوروف، أحد آباء استكشاف الفضاء السوفييتي: "عدونا فقط هو الموت. وعلينا السعي من أجل البقاء. ويجب أن تفوز الإنسانية بالحياة".
ويبدو أن فاليريا يودولوفا (56عاماً) لا تعارضه، فهذه الفيزيائية هي مديرة «KrioRus»، وكانت في 1980 تحسب في أحد المعاهد العسكرية السوفييتية مدة الرحلة إلى المريخ. واليوم تشارك، هنا وهناك عبر العالم في مؤتمرات تتعلق بالتجميد بعد الوفاة حتى أنها جمدت والدتها وكلبها وفقا لمبدأ "التزجيج". وهي تقنية بسيطة وسريعة تسمح بتجميد الجسم دون تشكل بلورات الجليد بين الأنسجة، ما يساعد على تجنب الأنسجة التلف بفعل البرد.
تقول يودولوفا: «بعد وفاة الشخص، نضع الجسم في صندوق معدني مملوء بالثلج الكربوني الجاف يحافظ على درجة الحرارة في الخارج عند 80 درجة مئوية تحت الصفر، وبالتالي نكون قادرين على نقله لتجميده حيث يتم تفريغ الجسم من دمه ومن ثم حقنه بمحلول لزج من الجلسرين وهي مادة كيميائية، واقية للتجميد وكأنها مضادة للتجمد وكلما كان المحلول أكثر تركيزاً أدى ذلك إلى انخفاض درجة حرارة الجسم التي تهبط من 3 درجات مئوية تحت الصفر إلى نحو 35 درجة مئوية تحت الصفر. وأخيراً، يتم حفظ الجثة عند 196 درجة مئوية تحت الصفر في حاوية مملوءة بالنيتروجين السائل».
ولكن إلى متى يستمر؟ ريثما يتم العثور على آلية لإزالة التجميد فاليوم، لا يمكن القيام بهذه العملية من دون الإضرار بأجهزة الجسم، ولكن تتزايد ثقتهم في أنهم سيجدونها ذات يوم، وربما خلال أقل من نصف قرن، بحسب مدفيديف الذي «زجج» جدته هو الآخر قبل 5 سنوات.
ويبدو أن كثيرين باتوا يقتنعون بهذه التقنية، ومن بينهم ألكسي الذي جمد دماغ والدته فالنتينا (64 عاماً) في العام 2011 بعد وفاتها بالسرطان. يقول: «كانت أقرب الناس لي وأهم إنسان في حياتي، وكان تجميدها وسيلة كي لا أبعد عنها وأتمنى أن أرى وجهها مرة أخرى في غضون بضعة عقود عندما نتمكن من إعادتها إلى الحياة بطريقة ما».
ويضع الشاب حول عنقه لوحة فضية تحمل الاسم والعنوان ورقم KrioRus كجندي يحمل لوحة بفئة دمه. وهو ليس من دعاة الحرب، ويشعر بالرعب من الموت، لذا لجأ إلى توقيع عقد مع «KrioRus» لتجميده بعد وفاته.
يؤمن أليكسي إيماناً كبيراً بالحياة الأبدية كما يؤمن بها أيضاً نحو 150 شخصاً من عملاء شركة «KrioRus»، فهم بكل بساطة يضعون آمالهم في الطب، وواثقون بأنه 2000 سنة سيصبح الموت مجرد «مرض» يمكن التعافي منه. إنهم أشخاص بين 20 و45 عاماً، من روسيا والصين واليابان وأوروبا وأمريكا، ومن بينهم الشاب فلاديسلاف (23 عاماً) الذي وقع عقداً مع الشركة لتجميد دماغه وذاكرته كما يعتقد، ويرى أنها فرصة للعيش في العام 3000 أو 4000 ميلادية.
900 شخص مجمد
اليوم يعمل مئات من الباحثين على آليات وطرق لإبطاء الشيخوخة أو حتى توقيفها، والتجميد ليس سوى الخطة B في انتظار اكتشاف سر الحياة الأبدية. اليوم بلغ عدد الأشخاص المجمدين بعد الوفاة نحو 900 شخص في العالم. والأميركيون هم الرواد في ذلك؛ حيث بدأت هذه الظاهرة تنتشر وتتزايد في الولايات المتحدة، منذ الستينات حين نشر روبرت إيتنغر (4 ديسمبر/كانون الأول 1918 - 23 يوليو/تموز 2011 ) وهو أكاديمي أمريكي، ومعروف باسم «أب التجميد بعد الوفاة» بسبب تأثير كتابه «آفاق الخلود» في العام 1962، ويعتبر من قبل البعض رائد ما بعد الإنسانية على أساس كتابه الذي نشر في 1972 «من الإنسان إلى سوبرمان».
وفي العام 1967، كان جيمس بيدفورد، أستاذ علم النفس، هو أول الأشخاص الذين خضعوا للتجميد، ثم تبعه البعض الآخر من خلال مؤسسة (الكور). اليوم، تعدّ هذه الشركة الأمريكية الأولى في هذه التقنية وتحتفظ ب 141 جثة كل منها موضوع في حاوية، وتسجل فيها بالفعل أكثر من 1000 بالغ و100 طفل، بل إن زوجين وقّعا عقوداً لبناتهما الخمس، ووفقاً لماكس مور، رئيس المركز، فإن أحدث عمليات المسح الضوئي التي أجريت على الجثث تظهر أن أدمغة أصحابها في حالة جيدة.
محاولات ناجحة
يتباهى الروس والأمريكيون بتكنولوجياتهم المدعمة بالحجج العلمية، وتقول فاليريا يودولوفا مديرة KrioRus: «أثبتت تجارب عدة أجريت على الحيوانات أننا نسير على الطريق الصحيح. ففي عام 2004، قام الأمريكيان، غريغوري فاهي وبريان ووك، بتجميد كلية أرنب ثم أعادوا إزالة التجميد عنها في درجة حرارة الغرفة ليعيدوها بنجاح إلى الحيوان. وفي عام 2012 تمت إعادة إيقاظ يرقات ذباب مجمدة جزئياً، وبعد ذلك بعامين، وفي مايو/أيار 2014، عاد عدد مما يسمى بدب الماء المجهري (بطيء المشي) إلى الحياة بعد 30 عاماً من التجميد.
وفي يناير/كانون الثاني عام 2016، جُمد ثم أزيل التجميد عن أدمغة فئران على يد يوري بيتشوجين، وهو أحد الباحثين في مؤسسة KrioRus. ويقول دانيلا مدفيديف، مؤسس الشركة:«حافظنا على الخلايا، واستجابت للإشارات الكهربائية إنه أمر رائع».
ومع هذه الاكتشافات، تسعى مؤسسة KrioRus في غضون أشهر قليلة إلى فتح مركز جديد في منطقة تريف مجهز بمختبرات متطورة للبحوث، إلى جانب قسم جديد يمكنه أن يستوعب عشرات المستودعات التي تحوي جثثاً مجمدة، خصوصاً أن هناك تزايداً كبيراً في أعداد الزبائن الذين سجلوا في هذه شركات.
وتقول فاليريا يودولوفا: «هؤلاء أيقنوا أن الموت ليس عملية يتوقف عندها كل شيء، ونحن نحاول أن نقدم لهم فرصة رائعة لتجنب ذلك، ولنا موعد مع المستقبل».