قد تملأنا الدهشة عندما نرى أحد الحيوانات الضخمة كالجمل داخل منزل أو مكان مغلق، أو يباغتنا الخوف حينما نجد أسداً مستلقياً في أحد اركان البيت، لكن كيف يكون ذلك في الواقع؟ إنه فن تحنيط الحيوانات الذي يتيح لنا أن نستمتع بوجود الحيوانات بشكلها وحجمها الطبيعي داخل الأماكن المأهولة، وهو فن لا يماثله فن نعيش من خلاله في أجواء الصحراء والغابات والمزارع ونطوف به في أجواء السماء، هذا الفن يجعلنا لا نخاف مما نخاف منه ولا نأبه بلمس اي من هذه الحيوانات بالاضافة إلى استمتاعنا بالنظر اليها في وضعها الطبيعي.
لقد كان قدماء المصريين أول من مارس فن التحنيط في الفترة مابين 3110 و4884 قبل الميلاد، وقد كان الغرض من عملية التحنيط هو حفظ أجساد الموتى من التحلل والفناء، حيث ان الهدف من تحنيطهم الجثث كان مختلفاً عما يهدف إليه الآن فن التحنيط في عصرنا الحالي، فقد مارس المصريون التحنيط لإيمانهم بأن هناك حياة جديدة يجب ان تعاش بكل تفاصيلها، ولذلك عمدوا اضافة إلى تحنيط جثث الموتى من البشر إلى تحنيط عدد من الحيوانات لتهيئة كافة الظروف للحياة الجديدة وعودة الروح ما بعد الموت، فحنطوا الكلاب والقطط والقرود والطيور والأسماك، ومن أهم ما كان يهتم به المصريون القدماء في عملية التحنيط هو الحفاظ على الشكل الخارجي والملامح الشخصية في عملية التحنيط، وقد احتفظ المصريون القدماء بأسرار التحنيط ولم يدونوها حيث اعتبروها سراً خاصاً بهم لا يمكن الكشف عنه أبداً، فضلاً عن انه لم تكن هناك أي مصادر للتعرف الى اسرار التحنيط في ذلك الوقت الا من خلال كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوت ومؤلفات تيودور الصقلي.
وتحنيط الحيوانات هي عملية حفظ جلود الحيوانات المختلفة بما يغطيها من فراء أو ريش أو قشور أو حراشف لكي تحتفظ ببعض صفاتها الطبيعية، وهي عملية تختلف تبعاً للهدف منها، فإما أن تكون للأغراض العلمية والدراسية لكي تعين الطلاب والباحثين على التعرف الى الصفات الشكلية للحيوان عن قرب وبسهولة، أو لغرض عرضها في المتاحف العامة أو البيوت أو المعارض الخاصة لإعطاء طابع معين جمالي ينقل الفرد إلى أجواء أو ظروف الطبيعة الحقيقية من خلال الحيوانات المحنطة، وقد اتخذ الكثيرون الحيوانات المحنطة كنوع من الديكور أو جزء من أجزاء الديكور للبيت وتعطي الانطباع بالفخامة أو السلام أو القوة وذلك بحسب نوع الحيوان المعروض في أركان المكان.
وضمن المعرض الدولي للصيد والفروسية الذي أقيم في مركز أبوظبي الوطني للمعارض والذي يتم تنظيمه من قبل نادي صقاري الإمارات بدعم هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كان هناك عدد من الأركان الخاصة بفن التحنيط ضمن أجنحة المعرض والتي تحتوي على عدد من الحيوانات المحنطة والتي اضافت لمسة جمالية كبيرة مضافة إلى جمالية المعرض بما يحويه من جوانب تراثية تمثل تراث الإمارات العريق، وفنية تتمثل باللوحات التي رسمها عدد من الفنانين والتي تجسد شخصية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وعدداً من الشيوخ الحكام، بالاضافة إلى لوحات لعمليات الصيد المعبرة.
وقد تضمنت الأجنحة عدداً من الحيوانات المحنطة والتي تتوافق وطبيعة معرض الصيد والفروسية، ومنها عدد من الظبيان بمختلف أنواعها (الريم الدوماني المها العربي وغيرها) إضافة إلى ما يتوافق والبيئة الصحراوية لدولة الإمارات كالجمال المحنطة والطيور كالصقور وكذلك حيوان الوعل والدب الأبيض، ووما تحويه الغابات كالأسود والنمور وحيوان البالفالو والأيلات الإفريقية، وقد حدثنا عبد الله محمد العلي أحد المشاركين في المعرض ومدير مصانع لتحنيط الحيوانات، قائلاً: نقوم بعمليات تحنيط الحيوانات منذ 7 سنوات، ونعتبر المصنع الوحيد الذي يقوم بهذه المهنة في الدولة والأهم على مستوى الخليج العربي، ونقوم بتحنيط كافة أنواع الحيوانات البرية والبحرية، ولا نشارك في أي معرض سوى معرض الصيد والفروسية في كل عام وهذا عامنا الخامس لنعرض كل ما نقوم به في مجال تحنيط الحيوانات.
وقد كانت عمليات التحنيط سابقاً بطريقة حشو الحيوان بالقش أو القطن أو الصوف، أما الآن فلا تستخدم هذه الطرق القديمة، وانما بدأت الاستعانة أكثر بالمواد الكيميائية وإن عملية تحنيط الحيوانات بصورتها الحالية لم يظهر إلا منذ 300 عام حيث مارسها الأوربيون أواخر القرن السابع عشر، ويحدثنا عبد الله العلي عن طرق التحنيط قائلاً نقوم بالاستعانة بعدد من الخبراء من افريقيا، لم تعد المواد المستخدمة هي تلك التي كانت تستخدم قديماً، فالمواد كل يوم في تطور وفن التحنيط في تطور دائم، وتختلف المواد الكيميائية المستخدمة في تحنيط الطيور عن تلك المستخدمة في تحنيط الحيوانات البرية، إلا أن عمليات التحنيط واحدة لكل أنواع الحيوانات، ويضيف العلي حول اشكال التحنيط قائلاً إن تحنيط الحيوانات اليوم أصبح فناً قائماً بذاته، حيث لم يعد هناك تحنيط للحيوانات بأوضاعها العادية ولم يعد هذا مرغوباً أيضا، فنحن نهتم بحيوية المشهد وبتنا نعمد وبواسطة الفنيين إلى ايجاد حركة في اوضاع التحنيط كالانقضاض على الفريسة مثلاً أو تحنيط الرأس والرقبة للحيوان فقط بإضافة قاعدة خشبية أو قاعدة ملائمة للحيوان، وطبعا قد يوضع بشكل يعلق على الحائط أو يرتكز على الأرض أو على منضدة، وهذا يرجع إلى مدى قدرة الفني على تشكيل الحيوان، وأصبح هذا الشيء مرغوباً اليوم لاعتباره أحد أركان الديكور التي يتم الإقبال عليها حالياً، وتتراوح اسعار الحيوانات المحنطة بين 5 آلاف درهم و100 ألف درهم، وتختلف طبعاً الأسعار بحسب عنصرين رئيسيين هما ندرة الحيوان المحنط وكذلك حجمه فكلما كبر حجمه ازداد سعره وكلما كان الحيوان نادراً كذلك ازداد سعره.
وتبقى عملية تحنيط الحيوان تحمل مكامنها الجمالية، وتحمل في جوانبها معاني عدة لتعكس للناظر إيحاءات تنقله إلى أماكن عدة فتطير به إلى السماء وتأخذه إلى الغابات ثم إلى الجبال ومن ثم تنتقل به إلى الصحراء وتدخل به بعدها إلى أعماق المياه في البحار والمحيطات والانهار، وبعد هذه الجولة يخرج من هذا العالم بمعالم جمالية طافت بخياله إلى أبعد الحدود.