تبين للعلماء أخيراً أن تراب الأرض يحوي مضادات حيوية، ولولا هذه الخاصية المطهرة للتراب، لم تستمر الحياة بسبب التعفنات والفيروسات والجراثيم التي ستنتشر وتصل إلى الإنسان وتقضي عليه، إلا أن رحمة الله اقتضت أن يضع في التراب خاصية التطهير ليضمن لنا استمرار الحياة.

كما أن هذه المضادات يمكنها تطهير وقتل أعند أنواع الجراثيم، بما يُثبت أن التراب مادة مطهرة.

يقول العلماء إن بعض أنواع التراب يمكن أن يزيل أكثر الجراثيم مقاومة. ولذلك يفكرون اليوم بتصنيع مضادات حيوية قاتلة للجراثيم العنيدة مستخرجة من التراب. وبعد تجارب طويلة في المختبر وجدوا أن التراب يستطيع إزالة مستعمرة كاملة من الجراثيم خلال 24 ساعة، علماً بأن نفس هذه المستعمرة وُضعت من دون طين فتكاثرت 45 ضعفاً.

فاذا كان هذا الاكتشاف تم حديثاً فإن رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قد احاط به قبل الف واربعمائة وتسع وعشرين سنة.

فعندما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك تلقاه رجل من المتخلفين من المؤمنين فأثاروا غبارا، فخمر بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفه وأزال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللثام عن وجهه وقال والذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء. (الترغيب والترهيب باسناد صحيح) الراوي سعد المحدث المنذري الرقم 2/215.

وتأمل في الحديث المعجز لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً رواه مسلم.

هذا الكلام لم يصدر إلا من عند رسول الرحمة طبيب الناس أجمعين صلى الله عليه وآله وسلم وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

حدثنا آدم قال حدثنا شعبة حدثنا الحكم عن ذر عن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى عن أبيه قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.

فالتراب هو الطهور الذي يلجأ اليه المسلم للوضوء للصلاة إذا فقد الماء يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (النساء: 43).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة:5/6).

فتيمموا صعيداً طيباً

هذا قول الله سبحانه وتعالى، فالتراب هو الصعيد الطاهر لخير العمل وهي الصلاة بل بالتراب تزول الجنابة، فالتراب هو طهور ونظافة مؤكد بالقرآن والسنة واكتشفه العلماء حديثا فكيف يكون التداوي بالتراب؟

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا (ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها) (باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى سقيمنا بإذن ربنا) متفق عليه واللفظ لمسلم. وأما كيفية الرقية عنه صلى الله عليه وسلم فهي كما جاءت في رواية أبي داود وهي أن يأخذ من ريقه على إصبع السبابة منه ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا القول في حال المسح، والله أعلم.

قال النووي: معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم وضعها على التراب فعلق به شيء منه ثم مسح به الموضع العليل أو الجرح قائلاً الكلام المذكور في حالة المسح.

وقال ابن القيم: هذا من العلاج السهل الميسر النافع المركب وهي معالجة لطيفة يعالج بها القروح والجراحات الطرية ولاسيما عند عدم غيرها من الأدوية، إذ كانت موجودة بكل أرض.

وقد علم أن طبيعة التراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات القروح والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها وسرعة اندمالها ولا سيما في البلاد الحارة وأصحاب الأمزجة الحارة فإن القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوء مزاج حار.

فتجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح وطبيعة التراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة فتقابل برودة التراب حرارة المرض ولا سيما إن كان التراب قد غسل وجفف. ويتبعها أيضا كثرة الرطوبات الرديئة والسيلان والتراب مجفف لها مزيل لشدة يبسه وتجفيفه للرطوبة الرديئة المانعة من برئها ويحصل به مع ذلك تعديل مزاج العضو العليل ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبرة ودفعت عنه الألم بإذن الله.

ومعنى الحديث: أنه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها من شيء، فيمسح به على الجرح. وقول هذا الكلام لما فيه من بركة ذكر اسم الله، وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه؛ فينضم أحد العلاجين إلى الآخر فيقوى التأثير.

ونقل ابن حجر عن البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلاً في النضج وتعديل المزاج. والريق أو اللعاب هو ذلك السائل الموجود في الفم الذي تفرزه الغدد اللعابية المختلفة، وقد اثبت علماء الغرب ايضا أن لعاب الانسان له خواص قاتلة لكثير من الجراثيم وقد أثبت العالم فلمنغ وجود مادة في المخاط الانفي واللعاب الانساني تدعى بالليسوزيم وهي فعالة ضد المكورات السحائية والدقيقة icrococcus وضد المكورات العقدية والعنقودية المسؤولة عن تقيحات الجلد.

وقد أثبت العلماء أيضاً أن اللعاب الإنساني يسرّع من تخثر الدم، يدل على هذا عملياً أن الأعمال الجراحية المجراة في الفم تلتئم بأسرع مما لو كانت خارجه.

وأثبتت بحوث أخرى أن الجراثيم الهوائية الموجودة في اللعاب تعمل على توليد الماء الأكسجيني ذي الخواص المطهرة.

فمع اتحاد الخصائص الموجودة في التراب والخصائص الموجودة في لعاب الانسان يتكون منه ترياقا شافيا لتلك الجروح أو القروح بإذن الله تعالى وخاصة إذا ترافقت باسم الله الشافي المعافي فإنه سبحانه وتعالى هو الشافي فإذا كتب الله الشفاء نفع الدواء.

واتذكر عندما كنا أطفالا نلعب في المدارس ويصاب أحدنا بجرح في رجله أو يده لا ندعه ينزف إلا وضعنا عليه تراباً من تراب المدرسة فيتخثر الدم ويجف الجرح بسرعة ولم نكن نعلم عن تلك الخصائص أي شيء.

تعتبر تربة المدينة وغبارها أطهر وأشرف تربة على وجه الارض، فيكفيها شرفا انها تضم جسد خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن قيم الجوزية: فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه. فيها تشعر بانشراح الصدر والفرح والسعادة بل إن في غبار ترابها علاجاً، وما إن تدخل المدينة حتى تشعر بكرم أهلها ودماثة اخلاقهم وترحيبهم بك ولم لا وعندهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فهي الشفاء وهي الدواء بإذن الله تعالى.

وقد كان من جملة ما أجري من بحوث حول علاقة التراب بداء الكلب، أن الكلب مرض من الأمراض التي تكون في لعاب الكلب وتنتقل منه إلى الإنسان، وقد يكون الحيوان حاملاً لهذا الداء وإن لم تظهر عليه علامات الإصابة به ومثله مثل أي حيوان أو أي حي ينقل جراثيم مرض من دون أن يصاب بذلك المرض.

وفي تلك البحوث أجريت في إسبانيا والباكستان وجدوا أن داء الكلب وجراثيمه مهما غسلت بالماء فإن الماء لا يذهب بها، فإذا مسحت بالتراب، فإن التراب يذهب بها، ولا يبقى في الإناء أثر لها، وكذا إذا كان الكلب يحمل جراثيم أمراض أخرى. وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبر به، وأمر المسلمين أن يتخذوا وقاية لهم من الإصابة بالأمراض سبقا علميا لا مثيل له في عالم الطب الوقائي.

فقد روى مسلم (279) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَهُورُ إِنَاءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ.

وروى مسلم (280) أيضاً: عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ.