صوت ترتفع أوتاره تدريجياً، ويد تتمايل مهددة بالضرب، وعبارات تبدأ بالتهديد والوعيد.. علامات نعاينها بمجرد دخول الآباء والأمهات سياج الحالة التعليمية، إذ يضاف إلى عاتقهم مسؤولية تعليم الأولاد والارتقاء بهم لمراحل متقدمة على سلم المعرفة والتعليم، لكن ماذا يدفع الوالدين إلى ترهيب أبنائهم بهذه الطريقة، وخصوصاً الأمهات؟ وهل يختلف تدريس الأب لأولاده عن الأم، فيبدو أطول بالاً وأكثر جلداً، وفي أيِ عمر يمكن أن تترك المسألة برمتها إلى الابن للاعتماد على نفسه تعليمياً وتدريس نفسه بنفسه، بناءً على ما ترسخ في ذهنه من أبجديات الدراسة والمُراجعة والحفظ، جميع هذه الأسئلة وأكثر تحاول «الخليج» الإجابة عنها في التحقيق التالي، وتورد فيه الرأي النفسي الذي يتحدث عن استخدام العنف عند تعليم الأبناء وتأثيراته في تعاملات الأبناء ومقدرتهم على الاندماج في المجتمع.
رفضٌ تام يصرُُ عليه خالد الحوسني، الأب لثلاثة أولاد، فيما يتعلق بخصوص إكماله لدور المعلم منزلياً ومراجعته لأولاده وتدريسهم، ويقول: «لا أتمالك أعصابي عند تدريس أبنائي، خصوصاً أنني أقضي معظم أيام الأسبوع في عملي وطبيعته تقتضي بألا أرى عائلتي إلا في عطلات نهايات الأسبوع، ومن غير المعقول أن أمضي هذين اليومين في الزجر والضرب»، ويؤكد أنه لا يرى فارقاً كبيراً بين تدريس الأب عن الأم، فكلاهما يعاني قلة التحمل وتستفزه تصرفات أولاده ويتعالى صوته دون أن يشعر.
على النقيض تماماً تعتبر زوجته خديجة الحوسني أن تعليم الأب لأولاده ربما يحل مسألة هروبهم، كونهم يهابون حضرته ولا يعتادون رؤيته يزجر ويوبخ بطبيعة الحال؛ فيتجنبون انفعالاته قدر الإمكان بعكس الأم، التي تقضي معهم معظم ساعات اليوم معهم ويعتادون رؤيتها تمنعهم من أمور عدة بحكم ضررها على صحتهم ومستواهم التحصيلي والدراسي وغيرها من الأمور.
وتشير هديل الصفار، أم لولد وبنت، إلى أن أولياء الأمور الذين يستخدمون الترهيب مع أبنائهم لن يجنوا منهم سوى العناد والتمرد مستقبلاً، حيث يظن الأبناء أن الترهيب هو الأسلوب الأمثل في التعامل مع أقرانهم، وخصوصاً مع من يصغرونهم سناً، فالعنف لا يمكن أن يولد إلّا عنفاً بل وينشئ أطفالاً عدوانيين في سلوكياتهم ومع أصدقائهم، لذلك ترفضه ودوماً ما تنصح زوجها بأن يمسك نفسه ويقلل من ترهيب الأولاد، سواء عند تدريسهم أو تقويم سلوكياتهم الأخرى، حتى لا يترك ذلك تأثيراً وخيماً عليهم، يدفعون ضريبته لاحقاً.
ترهيب الأولاد وأسلوب العقاب برأي حياة عبدالرحمن، أم لثلاث بنات وولدين، يمكن أن يفيد استخدامه بشكل محدود في التربية، وليس في المذاكرة للأولاد، إذ يمكنه أن يؤدي إلى نتيجة عكسية لما هو مطلوب ما يجعل الابن أو الابنة يصر على عدم التعلم، بل ويتسبب في أسوأ الحالات بخلق عقدة من مسألة التعليم بأكملها، فنجعل الابن يرفض استيعاب الدرس عند مراجعة والدته له في المنزل أو حتى عند شرحه للمرة الأولى في الصف المدرسي.
وتضيف حياة: «الترغيب وسيلة فعالة وناجحة في التدريس، من خلال تشجيع الأبناء على القيام بالأعمال التي يرغبونها باستخدام التحفيز وتلبية الوعود الصادقة بمكافأتهم عند قيامهم بما هو مطلوب منهم، وذلك بغرض تعزيز مواقفهم وسلوكياتهم الإيجابية»، منددةً بدورها باستخدام هذا الأسلوب في كل الأوقات، حتى لا يكون هناك اقتران ما بين المكافأة والتصرف، فنجد أن الطفل لا يلبي أمراً إلا بترغيبه بشيء معين أو بهدية ما.
وتفصح ريم ضاهر، أم لثلاث بنات وثلاثة أولاد، عن استخدامها العنف في تدريس أولادها وعدم تمالك أعصابها في بعض الأحيان، خصوصاً عند مراوغتهم لها وهروبهم من الدراسة، وتضيف: «ضغوط الأعباء المنزلية هي التي تدفعني إلى ترهيبهم من دون أن أشعر، خصوصاً أنهم في مراحل تعليمية مختلفة، ولدي طفلان رضيعان يحتاجان مني الاهتمام الأكبر والعناية بأدق تفصيلات احتياجاتهما».
وتؤكد أنها لا ترى في ذلك تأثيراً سلبياً على نفسية الأولاد إذا ما استخدمت بالشكل المطلوب، فالعصا هي التي ربت الأجيال الأكبر عمراً، بل وأنجبت منهم مهندسين ودكاترة أرجعوا سبب نجاحهم الأول إلى عصا والدتهم ووالدهم وخوفهم منها.
وتعتبر سوسن رشيد، أم لابنتين وولد، أن العمر الأنسب لترك الأولاد يعتمدون على أنفسهم في التعليم هو سن التاسعة، أي ما يقابل الصف الرابع التأسيسي، إذ يكون الطالب أو الطالبة تأسس في المراحل الدُنيا على استراتيجيات الدراسة.
ويتفق معها في الرأي عبدالله صلاح، أب لولدين، قائلاً: «ترك مسألة المذاكرة للأولاد يقوي شخصيتهم، ويعلمهم ركائز الاعتماد على النفس بصورة كبيرة، إذ لمست شخصياً الفرق في شخصية ابنتي عندما تركنا لها موضوع التدريس، فأصبحت تعتز أكثر بالدرجة التي تحصلها، وتلجأ في بعض الأحيان إلى المذاكرة لأختها التي تصغرها بعامين»، لافتاً بدوره إلى أن توجيه الأبناء إلى الاعتماد على أنفسهم دراسياً لا يلغي دور الوالدين في المراجعة لهم والإشراف على عملية تدريسهم لأنفسهم أولاً بأول.
تأثيرات نفسية سلبيّة
تشير اختصاصية علم النفس ليلى اليازجي، إلى أن استخدام العنف في التدريس ومناداتهم ببعض الكلمات البذيئة، ربما يهمش شخصية الأبناء، ويدفعهم إلى تكوين صداقات جديدة من شأنها أن تعوضهم عن تلك العدائية التي خلقت توتراً في العلاقة، وحالت، على طول الخط، بينهم وبين ذويهم، مؤكدة أن الوسطية والاعتدال أمر مطلوب في كل الأحوال، خصوصاً في التربية والتعليم المنزلي، فلا ترى بأساً من استخدام الضرب غير المُبرح في حالات محدودة وتأجيله كآخر الحلول.
وتُضيف اليازجي: «استخدام الترهيب مع الأبناء وسيلة غير فعّالة فربما أطاع الابن والده أمامه واستجاب للدراسة؛ درءاً للعقاب الذي سيتلقاه من دون أن يستوعب أهمية التعلم، ويزداد الأمر سوءاً عند إخفاء الابن لأي مضايقات يتعرض لها من قِبل الآخرين خوفاً من أن توبخه الأم وتخبر والده وذلك لأن لغة الحوار مفقودة بينهما، بسبب الأب الذي لا يوجد في قاموسه سوى الضرب والسب والزجر، وبالتالي لا يوجد حوار صريح بينه وبين ابنه ولا مكاشفات بينهما».