التدليس في المعاملات

قبسات فقهية
23:48 مساء
قراءة 4 دقائق

لعل السمة الغالبة على معاملات الناس الآن هي التدليس والغش، والمدالسة: هي المخادعة، ودلس في البيع وفي كل شيء إذا لم يبين عيبه، والتدليس في البيع: كتمان عيب السلعة عن المشتري، والتدليس: كتمان عيب السلعة وإخفاؤه عن العاقد، والتدليس يتصور في العقود المالية وغبرها، إذ يكون في البيع والإجارة والصلح على مال والهبة المشروطة بالثواب، كما يكون في النكاح والخلع والطلاق على مال، وتتبع في التدليس طرق احتيالية للتأثير في إرادة العاقد ما يدفعه إلى التعاقد، ولولا استعمال أحد العاقدين هذه الطرق ما أقدم الآخر على إبرام العقد، ومن هذه الطرق: إظهار المعقود عليه بمظهر هو خال من مضمونه، كإظهار الآلة بأنها اصلية الصنع، بوضع ختم مقلد أو إظهارها بصورة القطعة الأصلية، أو وضعها في غلاف هذه القطعة أو نحو ذلك، وكإضفاء لون كيميائي على الثمار في بعض مراحل نموها، يفيد وصولها إلى مرحلة النضج، وهي ليست كذلك، أو وضع الثمار الصالحة في أعلى العبوة ووضع الرديئة في أسفلها، لإيهام العاقد بأن محتوى العبوة على مثال ما في أعلاها، أو التلاعب بعداد السيارة أو إعادة طلائها لتبدو كالتي لم تستعمل، أو وضع إعلانات مضللة على المعقود عليه، كتلك التي توضع على العطور والثياب ونحوها، للإيهام بأنها جلبت من بلد معين وليست كذلك، ومنها كذلك: ما تقوم به بعض النساء بعد ممارسة الفاحشة بترقيع غشاء البكارة، لإيهام من يتقدم للزواج منهن بأنهن أبكار، أو لم يسبق لهن المعاشرة الجنسية مع أحد، أو إيهام الرجل خلو المعقود عليها من العيوب المنفرة، وهي ليست كذلك، وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد نكاح امرأة من بني غفار، لتدليس أهلها عليه بإخفاء عيبها عنه، وقد كان بها مرض جلدي كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، والتدليس يوجب الخيار بين إمضاء العقد أو رده لمن وقع فيه، إذا كان التدليس هو الدافع إلى التعاقد، وكان صادراً من العاقد الآخر، والتدليس نوعان: تدليس فعلي وآخر قولي، فالتدليس الفعلي، هو أن يحدث العاقد في المعقود عليه فعلا يظهره بخلاف ما هو عليه في الواقع، ويتأتى ذلك باستخدام أحد العاقدين الحيل الفعلية على مظهر المعقود عليه، لخداع العاقد الآخر ودفعه إلى إتمام العقد، ومن أمثلة هذا النوع ما سبق ذكره، ومنه كذلك تصرية الدواب اللبونة (التي بضرعها لبن)، بحبس اللبن في ضرعها اياماً عدة لإيهام العاقد أنها كثيرة اللبن على خلاف الحقيقة، والتدليس القولي: هو الكذب الذي يصدر من أحد العاقدين أو من المتواطئ معه لدفع العاقد الآخر إلى إتمام التعاقد، وللتدليس القولي صور عدة، منها: تقديم فواتير مزورة عن القيمة التي اشتريت بها السلعة، أو التناجش عليها (المزايدة عليها ممن لا يريد شراءها) بمواطأة من صاحبها، أو استقطاب بائع أو مشترٍ لا يعلم حقيقة ثمن السلعة في السوق، أو لا يحسن المساومة في البيع أو الشراء، ليشتري منه سلعته أو يبيعها منه، موهماً إياه بأنه لا يمكنه بيعها أو ابتياعها بمثل هذا الثمن، أو إيهامه بأن بيع السلعة في السوق متعذر، أو أنها تلقى كساداً إذا بيعت به، أو إضفاء وصف على السلعة يرغب العاقد فيه وهي خالية منه، وقد ورد الني عن كثير من البيوع المشتملة على التدليس من أحد العاقدين، سواء بالقول أو الفعل، وأثبت لمن دلس عليه الخيار بين إمضاء البيع أو رده ومن ذلك: النهي عن تصرية الدواب الثابت بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر. والنهي عن تلقي الركبان الذين يجلبون السلع من خارج المدينة، وايهامهم بغير الحقيقة التي يمكنهم الوقوف عليها في سوقها، إذ روي عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار، والنهي عن النجش: الذي هو المزايدة على ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها، لإيهام من يرغب في الشراء بأن قيمتها أعلى مما عرض فيها من ثمن، والثابت بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا تناجشوا، ولا يبع المرء على بيع أخيه، ولا يبع حاضر لبادٍ، ولا يخطب المرء على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق الأخرى لتكفئ ما في إنائها، هذا بالإضافة إلى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض صور التدليس، مثل: اظهار الطعام الصالح وإخفاء الرديء سفله، فقد روي عن ابي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام (أي كومة منه)، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟! قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: أفلا جعلته فوق الطعام، كي يراه الناس، من غش فليس مني. وهذا يدل على حرمة التدليس باعتباره غشاً، كما يدل على ثبوت الخيار لمن دُلس عليه، حماية له من خداع العاقد الآخر له، وصيانة لماله الذي بذله في المعقود عليه المدلس فيه.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"