أسند لي منذ أيام بحث للتحكيم، وكم أعجبني لما فيه من معلومات جميلة ومهمة ونادرة، فهو يتكلم عن الترجمة في العصور الماضية وكيف تطورت، حيث بدأت في العصر الأموي، وأول من اهتم من المسلمين العرب بنقل العلوم الأعجمية الى اللغة العربية كان خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى عام 85هـ وصعد ميوله نحو طلب العلم والإنفاق على العلماء ونقل الكتب الى العربية حتى سمي حكيم آل مروان، وقد أمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا ينزلون في مصر، وتفصح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني الى العربية.
وكان بينهم راهب رومي أسمه مريانوس طلب إليه أن يعلمه صناعة الكيمياء فلما تعلمها أمر بنقلها الى العربية فنقلها له رجل اسمه اصطفان القديم وهذا أول نقل في الاسلام من لغة الى لغة.
وتعد الترجمة أول الأدلة على التكيف الجديد للفكر العربي مع البيئات الثقافية ولكنه لا ينفي ان نظن بأن العرب كانوا ناقلين فقط أو لم يضيفوا شيئاً جديداً، بل اضافوا اشياء جديدة في المعارف العلمية، ففي زمن الدولة العباسية قام عبدالله بن المقفع بأول نقل لبعض كتب السلوك الى اللغة العربية ووضع كتابه المشهور كليلة ودمنة مستندا الى قصص فارسية وهندسية.
وعندما نتكلم عن طبيعة العلوم المترجمة نجد أنها اختلفت باختلاف نوعية المترجمين وثقافاتهم ولغاتهم التي يتقنونها الى جانب الظروف التي يعيشونها وميولهم ورغباتهم فضلاً عن رغبات الخلفاء والسلاطين.
ويشير الى ثلاثة أدوار رئيسية، فالدور الأول برزت فيه ترجمة كتب الطب والفلك، وفي الدور الثاني ترجمة كتب الرياضيات والفلسفة، أما الدور الثالث فتمت فيه ترجمة العلوم الأخرى. وعندما نرى الى الزمن الغابر نلاحظ ان انشغال العرب كان في الطب والطبيب قبل سائر ضروب الحكمة حتى انه دعي للامتحان في بغداد في عهد المقتدر بالله العباس (265 - 320ه) نحو 900 طبيب وهم من غير الأساتذة الثقات الذين تجاوزوا مرحلة الامتحان، وهذه العناية بالطب والصحة لم تشهدها قط حضارة من حضارات التاريخ القديم وإن أول كتاب طبي ترجم الى العربية كان في خلافة مروان بن الحكم (64 - 65ه) وهو كناش أحرف القس بن أعيش وقد احتوى على ثلاثين مقالة نقلها من الآرامية الى العربية، وهذا يعد نقلة في الاسلام وتشجيعاً مهماً للعلماء في ترجمة علوم أخرى.
وقد بنى أول مستشفى كامل في الاسلام الوليد بن عبدالملك بن مروان وهو خاص بالمجذومين وعين له الاطباء وأجرى عليهم الرواتب والهدايا وشجعهم على ترجمة الكتب الطبية والعلمية.
أما الدور الثاني في الترجمة فهو ترجمة كتب الرياضيات والفلسفة، فالشعوب العربية كان مجهودها قليلاً في الرياضيات فلم تكن تعرف إلا المبادئ، فالحساب كان متقدماً عند الهنود من الناحية العلمية، وعند اليونان، وعرف المصريون مبادئ الجبر ولكن يرجع الفضل للعرب في تقدم العلوم الرياضية الحديثة بحيث اسهموا فيها بفروعها المتنوعة فهم الذين نقلوا الى العالم المتحضر طريقة الحساب بالارقام وهي طريقة العد المعروفة الآن، ويقال إنهم نقلوها من الهنود الذين أخذوا الصفر من الدائرة والواحد من الخط المستقيم، أما قبل ذلك فكانوا يستخدمون الحروف في العد وان أوروبا لم تعرف العد بالارقام الا عن طريق العرب وذلك في القرن الخامس الهجري، الثاني عشر الميلادي ويدل على ذلك اشتقاق الكلمات الأوروبية من صفر العربية.
ومن حيث نوع الترجمة كان للمترجمين أسلوبان في الترجمة، أحدهما الأسلوب الحرفي بترجمة كل كلمة والأسلوب الثاني هو أن يفهموا معنى الجملة فيكتبوها بالعربية وبذلك تكون الترجمة واضحة مفهومة، وعادة ما تكون الثانية هي المفضلة وقد اتبعها كبار المترجمين.
هذه رحلة قمت بها في هذا المقال، وكنت أتمنى أن أضيف المزيد عن انجازات العرب قديماً ليستفيد القارئ، ولكن المكان لا يسع، آملة أن يسعني في مقالات قادمة.