حمل القرآن من الأوامر والتوجيهات والتشريعات كل ما يحفظ للمرأة وقارها واحترامها ويضاعف من قيمتها ويصون عفافها ويحميها من التبذل والامتهان .
ومن أهم ما جاء به القرآن في هذا الشأن تحديد المواصفات العامة لملابس المرأة لتكون ساترة للعورة حامية للعفة، مجسدة للكرامة، حيث قال الحق سبحانه في سورة الأحزاب: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً .
ومعنى (يدنين) يسدلن ويرخين، و(الجلباب) كما جاء في لسان العرب هو ثوب أوسع من الخمار، تغطي به المرأة رأسها وصدرها .
وجاء في تفسير الجلالين أن (الجلابيب) هي جمع (جلباب) وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة .
وكلمة أدنى في قوله تعالى: . . . ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً، من الدنو بمعنى القرب .
ومن دلالات الآية الكريمة كما يقول المفسرون أن الله سبحانه وتعالى يأمر خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ المسلمين كافة أوامر ربهم بضرورة التمسك بآداب الإسلام في أمر مهم من أمور المجتمع المسلم يتعلق بالزي الشرعي للمرأة المسلمة صونا لحيائها، وكرامتها، وعفتها، وحماية للمجتمع من الانحراف عن الطريق الصحيح بسبب تبرج المرأة إن تمكنت شياطين الإنس والجن من إغوائها .
وكأن الآية الكريمة تقول: يا أيها النبي بلغ أوامر الله إلى عباده المؤمنين، وابدأ ببيتك حتى تكون في ذلك قدوة لهم فمر زوجاتك وبناتك ونساء المؤمنين أن يلتزمن بالزي الشرعي محتشمات متسترات، عفيفات ذلك أدنى أن يعرفن بتلك الصفات النبيلة فلا يطمع في أي منهن فاسق أو فاجر .
مواصفات اللباس الشرعي
واللباس الشرعي للمرأة المسلمة كما يقول د .زغلول النجار في تفسيره لهذه الآية الكريمة لا يمثل زيا محددا لكنه يتوافق مع الضوابط التي وضعها كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في النقاط التالية:
أن يكون اللباس ساترا للبدن كله ما عدا الوجه والكفين، وذلك انطلاقا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر الذي قال لها فيه: يا أسماء: إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا . وأشار إلى وجهه وكفيه . ومعنى هذا أن جسد المرأة كله عورة ما عدا الوجه والكفين، وهذا ما فسر به العلماء قول الحق سبحانه عبارة إلا ما ظهر منها، في قوله سبحانه: وقل للمؤمنات يغضض من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها .
ألا يشف ولا يصف، بمعنى ألا يكون الثوب رقيقا شفافا لا يستر ما تحته، وألا يكون ضيقاً يصف تفاصيل الجسم، مجسداً لهيئته .
ألا يكون الثوب معطراً أو مبخراً .
يجب ألا يكون الثوب من لباس الشهرة، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه ناراً .
ألا يكون الثوب في ذاته مبهرجا بهرجة زائدة تجعله زينة لافتة لأنظار الرجال، في تصميمه، وألوانه، ونفاسة خاماته .
ألا يشبه لباس الرجال، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل وقال: لعن الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء .
ألا يشبه لباس غير المسلمات، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفة الكفار والمشركين في كل شيء قائلا: خالفوا المشركين .
وهذا الزي الشرعي واجب على كل مسلمة بالغة عاقلة حرة، لأنه بنصوص القرآن والسنة هو أمر تعبدي . والمسلمة المكلفة تتعبد ربها بالتزامها بزيها الشرعي، كما تتعبده بإقامة الصلاة، وبإيتاء الزكاة، وبصوم رمضان وحج البيت والاعتمار به تماما بتمام .
وانطلاقاً من هذه الحقيقة القرآنية التي تؤكد أن الزي الشرعي للمسلمة هو ضرب من العبادة المفروضة، فإن المسلمة المكلفة إذا تركته جحوداً فهي آثمة، وإذا تركته تقليداً للمجتمع الفاسد من حولها، مع اعتقادها بفرضيته فهي عاصية مخالفة لأوامر الله تعالى ولأوامر خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم وفي الحالتين فإن النصيحة الهادئة المدعمة بالأدلة الشرعية واجبة من المسلمين حكاماً ومحكومين، حماية للمجتمع وصونا للأعراض فيه، وهي من السياسات الشرعية الواجبة على كل حاكم مسلم .
ولا يبدين زينتهن . .
والمسلمة المكلفة كما يؤكد الشيخ علي أبو الحسن، الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر منهية نهيا كاملا عن إبداء زينتها إلا لمحارمها، وكذلك المسلم المكلف مأمور من الله تعالى بغض البصر عن غير محارمه، وذلك انصياعا لأمر ربنا تبارك وتعالى الذي يقول فيه: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون .
من هنا فإن التزام كل مسلمة مكلفة بالزي الشرعي الذي حدده كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واجب شرعي محتم لا يجوز التفلت منه أو الخروج عنه تحت أي مبرر من المبررات التي يقذفها شياطين الإنس والجن في روع كثير من بنات ونساء المسلمين اليوم .
لذلك فإن نساء المصطفى صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين عبر العصور كن مأمورات بهذا الزي الشرعي الذي التزمن به ولم يخرجن عنه أبداً .
تشريف وتكريم
وهذا الزي الذي شرعه ربنا تبارك وتعالى من فوق سبع سماوات وفصله خاتم أنبيائه ورسله، وألزم به زوجاته وبناته ونساء المؤمنين، لم يفرض على المكلفة المسلمة تضييقا عليها، وإنما صيانة لها وتشريفاً وتكريماً، وحماية للمجتمع المسلم من شياطين الإنس والجن، وإغراءاتهم للنساء بالخروج عن أوامر الله .
من هنا كان واجب الوالدين المسلمين تعويد بناتهما منذ بلوغهن سن العاشرة على الالتزام بالزي الشرعي حتى لا يصعب عليهن ارتداؤه في سن البلوغ والمراهقة، وهذا ليس على وجه التكليف، وإنما هو من أساليب التربية والتأديب قياساً على الأمر بالصلاة الذي يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع .
وعلى المسلمين رجالاً ونساء كما يقول الشيخ أبو الحسن أن يتذكروا دائماً قول الحق سبحانه: إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون .
ومن هنا أيضاً حذر القرآن الكريم كما حذر خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم من تبرج المسلمة المكلفة . ويعرف التبرج بالتكلف في إظهار ما يجب إخفاؤه، أي خروج المرأة عن حدود زيها الشرعي، وإظهار مفاتن جسدها .
وفي ذلك يقول الله عز وجل: والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم . ويقول سبحانه مخاطباً نساء النبي صلى الله عليه وسلم: يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً .
وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيراً شديداً من الخروج عن الحدود الشرعية للباس المرأة المسلمة وذلك في الكثير من أحاديثه التي منها قوله الشريف: صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا .
حكمة بالغة
ويعود د .زغلول النجار ليبين لنا أن الحكمة من تشريع لباس المرأة المسلمة كما حدده كتاب الله تعالى وسنة خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم تتلخص في النقاط التالية:
- احتشام المرأة يحفظ عليها حياءها، وعفافها، وشرفها، ودينها، وإنسانيتها، ويوجب الاحترام لها، ويهذب من سلوك الرجال تجاهها .
- إن ميل الرجل إلى المرأة هو أمر فطري لا يمكن تجاهله، وتبذل المرأة في لباسها وزينتها، وكشف مفاتن جسدها من الأمور المثيرة لعواطف الرجل التي قد تدفعه إلى ارتكاب الحماقات والجرائم التي لا مبرر لها، والتي تكون المرأة دائماً هي ضحيتها .
- توجيه الأمر بالاحتشام إلى نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين دليل قاطع على أنه موجه إلى كل مكلفة مسلمة في كل زمان ومكان، مهما بلغت من الطهر حتى لو وصلت إلى طهارة المخاطبات في القرآن الكريم من أزواج النبي وبناته ونساء المؤمنين، وهي بالقطع لن تصل إلى ذلك .
- تجرد المسلمة المكلفة من حدود الزي الشرعي يسلبها حياءها، وهو من أفضل ما يمكن أن تتحلى به المرأة .
- من نتائج السفور انهيار الأسرة، وانفلات المرأة وتحلل الأخلاق، وكثرة الحرام، وإحجام الشباب عن الزواج، وتفشي المعاصي في المجتمعات إلى حدود لم يتصورها الناس من قبل .