التسامح لفظ جامع لمعاني الخير مانع من صنوف الشر، أوصت به الشرائع كافة، وسَخرت لترسيخه بين البشرية جميعَ الذرائع، فلا مجال للاستقرار والاستمرار في البناء الحضاري، والاستمتاع بالحياة الهادئة الهانئة على المستوى الفردى والجماعي إلا به، وهو خلق إسلامي كريم تحلى به الأنبياء والنبلاء، وحفلت نصوص القرآن والسنة بالصور المشرقة منه في العبادات، والمعاملات، وفي العلاقات بين الحضارات ليعيش المجتمع في سكينة وطمأنينة ومحبة ومودة وإيمان وأمان بعيداً عن الخلافات والضغائن.
حرص التشريع الإسلامي على إشاعة ما يقتضيه التسامح من عفو وصفح ورحمة بين كل الناس مسلمين وغير مسلمين فحث عليه في السلوك والمعاملات في غير ما آية من القرآن فقال جل من قائل: «فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»، (الشورى).. وقال جل من قائل: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» وحفلت السنة بالأحاديث والمواقف المخلدة للتسامح حتى يكون المجتمع متماسكاً متحداً متراصاً في تآلفه وتناغمه كالجسد الواحد فقال -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، (رواه مسلم).
صور مشرقة من التسامح النبوي
منذ بزوغ فجر الإسلام والتشريعات الإسلامية تفيض تسامحاً ورحمة وعفواً وصفحاً مع غير المسلم من خلال أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله ومواقفه الخالدة في مكة والطائف ومواقف أصحابه وخلفائه الراشدين في القدس الشريف وغيرها وتعامله مع من معه من مخالفيه في الاعتقاد فكان تسامحه يرفع المحن، ويطفئ الفتن ويسد باب الانتقام، ويرغب في الإسلام، ففي مكة المكرمة؛ حيث أُوذي وأُخرج من مسقط رأسه وأحب بلاد الله إليه سبقتْ رحمتُه غضبَه، لما رجع إليها فاتحاً متمكناً وظفر بمن فيها فقد عفا وسامح وتجاوز عمن آذوه وأخرجوه منها ليفتح أمامهم الباب بالتسامح للتعايش الحضاري بعد أن بلغت القلوب الحناجر من شدة الفزع خوفاً من أن ينتقم منهم حتى قالوا: إن ذلك يوم الملحمة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «بل يوم المرحمة»، وقال لما دخل صناديد قريش من المشركين الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم: «ما تقولون وما تظنون؟» فقالوا: نقول أخ وابن عم حليم رحيم فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أقول كما قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام، (السنن الكبرى للبيهقي وشرح معاني الآثار للطحاوي).
وفي بعض الروايات قال: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»
داني القُطوفِ جَميلُ العَفوِ مُقتَدِرٌ
ما ضاقَ مِنهُ لِجانٍ واسِعُ الكَرَمِ
قابلت جهلهمُ حلمًا ومغفرة
والعفو عن قدرة ضرب من الكرم
وفى الطائف لقي -صلى الله عليه وسلم- ما لا يطاق من الأذى والسفه؛ لكنه بقي رحمة تفيض وتسامحاً لا يغيض، وكل أمله أن تأخذ الهداية موقعها في قلوب من آذوه وصدوه وأدموه جاء في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال: «لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل -عليه السلام-، فناداني فقال: «إن الله -تعالى- قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً».
بتلك المواقف الخالدة والحكم البالغة أرسى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقول والفعل خلقَ التسامح لأمته مع القريب والبعيد والموافق والمخالف تشريعاً لأمته وتطهيراً لقلوبها من البغضاء والشحناء وتدريباً على التسامح، من أجل تعايش حضاري هادئ هانئ.
دين السلم والموعظة الحسنة
الإسلام دين السلم والسماحة والتسامح يسعى بكل طاقاته وأساليبه لاحتواء الناس كافة وجلبهم إلى رحمة الله بالحكمة والموعظة الحسنة أياً كانت مشاربهم ومعتقداتهم، وقد تجسّد تسامحه وسماحته مع غير أتباعه في مجالات شتى منها مشروعية التصدق على أي إنسان مهما كان معتقده مسلماً أو غير مسلم إكراماً لإنسانيته من دون نظر لدينه أو عرقه أو جهته، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «في كل ذي كبد رطبة أجر» كما أباح الله للمسلم الأكل من ذبائح أهل الكتاب والزواج منهم فقال جل من قائل: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ»
ومن مظاهر ترسيخ التسامح الإسلامي أن الله شرع البر والقسط مع غير المحاربين من غير المسلمين فقال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وهكذا ظهر تسامح الإسلام في استقبال النبي -صلى الله عليه وسلم- لوفود غير المسلمين وتلبية دعوتهم وقبول هديتهم فقد استقبل وفد نصارى نجران في المسجد النبوي الشريف وتركهم يصلون صلاتهم بحرية وكان من أثر تسامحه ورفقه الملموس أن أسلم بعد ذلك بقليل اثنان من سادة الوفد وأشرافه هما السيد والعاقب كما في «عمدة القارئ على البخاري» للإمام العيني.
جعل الخطام بأنف كل مخالف
حنى استقام له الذي لم يخطم
وكان من تسامحه -صلى الله عليه وسلم- قبول هدايا غير المسلمين
فعن أبي حميد الساعدي قال: «غزونا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- تبوك، وأهدى ملك أيلة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بغلة بيضاء، وكساه بُرداً»، (رواه البخاري) وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ شَقِّقْهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ»، (رواه البخاري ومسلم واللفظ له).
تعايش حضاري
وفي التعامل المالي ظهر تسامح الإسلام وانفتاحه جلياً مع غيره؛ إذ شرع الله التبادل التجاري مع غير المسلمين، فقد ثبت في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اشترى طعامًا من يهودي إلى أجَلٍ ورهَنه درعًا من حديد»، (رواه البخاري) وفوق ذلك فقد ضمنت سماحة الإسلام لأهل الذمة الأمان في النفس والمال والعرض في كنف المسلمين، مع مراعاة خصوصيتهم الدينية ما أقاموا العهد، قال صلى الله عليه وسلم: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس: فأنا حجيجه يوم القيامة»، (رواه أبو داود).
وقد أضافت وثيقة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعداً آخر للصورة النمطية للتسامح الإسلامي والتعايش الحضاري مع الآخر رغم الاختلاف العقائدي؛ حيث كتب عمر لأهل بيت المقدس «إني قد أمنتكم على دمائكم وأموالكم وذراريكم وصلاتكم، وبيعكم، لا تكلفون فوق طاقتكم، ومن أراد منكم أن يلحق بأمته فله الأمان، وأن عليكم الخراج كما على مدائن فلسطين»، (ص123- 124 فضائل القدس، لابن الجوزي).
وبهذا التسامح الحضاري الراقي حُبب الإسلام إلى القلوبِ فانشرحت له الصدور وتسابق الناس إليه من كل حدب وصوب فاتسعت عبر الآفاق دائرته وانتشرت في العالم سماحته ورحمته.
* المفتي في المركز الرسمي للإفتاء بأبوظبي