لم يرسخ الإسلام ثقافة التسامح، وينشر قيمة العفو والتراحم بين المسلمين، وبينهم وبين غيرهم من أتباع الأديان والأمم الأخرى، لأهداف دينية فحسب.. بل مقاصد الإسلام دائماً تضع الإنسان في محور الاهتمام، فما يعود عليه بالنفع والفائدة انحازت إليه وعملت على نشره وإشاعته، وما يضره ويلحق به الأذى حرمته وحذرت منه.

وأكدت العديد من الأبحاث والدراسات أن التسامح يحمي الإنسان من الأزمات النفسية والمشكلات الصحية، فالنفس الهادئة المتسامحة تعيش في سعادة ورضا بعيداً عن صراعات وأحقاد الآخرين.. وقد تم مؤخراً الكشف عن نتيجة دراسة حديثة أجريت في بريطانيا أوضحت أن المتسامحين أطول الناس عمراً حيث تخلصهم قيمة التسامح من التوتر والانفعال والأمراض النفسية القاتلة.

من هنا يطالب علماء الإسلام وأطباء النفس وخبراء علم الاجتماع في بلادنا العربية والإسلامية بالسعي الجاد، وتبنى حملات إعلامية وتربوية لنشر قيم التسامح والرحمة والعفو التي جاء بها الإسلام، فهذه القيم وخاصة قيمة التسامح تخلص النفوس من كل ما يعكر صفوها، وتشحنها بمزيد من المشاعر الإنسانية الراقية التي توفر للإنسان حياة هادئة مستقرة.

يقول د. علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء ومفتي مصر السابق: إن منظومة الإسلام الأخلاقية ممتدة ومتشعبة في العبادات والمعاملات.. فإذا كانت العبادات التي كلفنا الله بها تستهدف تثبيت الإيمان في نفوسنا، وتطهير قلوبنا من الضغائن والأحقاد وإخلاص النية لله، والسعي الجاد إلى كل ما يحقق رضاه وعفوه ورحمته.. فهي أيضاً جاءت لتعويد المسلم على التمسك بمحاسن الأخلاق وبحميد الخصال.

منظومة متكاملة

ويضيف: إن الأخلاق سلوك وطبائع إذا ما حسنت واستقامت وصلحت في كل ما يصدر عن صاحبها من أقوال أو أفعال، كانت دليلاً واضحاً وبرهاناً ساطعاً على قوة الإيمان، وعلى سلامة الوجدان، وعلى صدق التقيد بما يرضي الله عز وجل.. ولذلك فإن بعض السلف الصالح كان يعتبر الدين هو الأخلاق الكريمة، ويعتبر الأخلاق الكريمة هي الدين، فقد فسر ابن عباس - رضي الله عنهما - قوله تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» بمعنى «إنك أيها الرسول الكريم لعلى دين قويم عظيم»، وقال بعض العلماء: «لكل بنيان أساس، وأساس الإسلام حسن الخلق».

ولذلك يحث الإسلام دائماً على التمسك بالأخلاق الفاضلة، ويحذر من الاقتراب من الرذائل الخلقية التي شاعت للأسف في المجتمعات المعاصرة، لأن حسن الخلق يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات، بينما سوء الخلق يهوي به إلى أسفل الدرجات.

ومع الأهمية الكبرى لقيمة «التسامح» ودورها في تحقيق الصفاء النفسي.. إلا أن عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يؤكد أن المنظومة الأخلاقية الإسلامية متكاملة ومتماسكة، فالمسلم مطالب بالتخلق بقيم: (الرحمة، والعفو، والصبر، والشكر، والأمانة، والوفاء، والتعاون، والتواضع، والحياء) وغير ذلك من الفضائل التي جاء بها ديننا.. والتزام الإنسان بكل هذه القيم يوفر له الاستقرار النفسي والسكينة والسعادة ويخلق له حالة من الرضا الداخلي ويحسن علاقته بالآخرين.

وينبه د. جمعة إلى أن حسن الخلق، يدعم عوامل الثقة المتبادلة والمحبة الأخوية مع الآخرين ومع المخالفين لنا في العقيدة، ولا يقف عند الأقوال الطيبة والسلوك الحميد فحسب، بل يتجسد حسن خلق المسلم عن طريق «الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة»، فالأولاد الذين يرون في آبائهم كل سلوك فاضل، وكل قول جميل، ينشؤون في الأعم الأغلب وهم يعشقون كل خلق قويم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه مثلاً أعلى للخلق الذي يدعو إليه، وكان يغرس في أصحابه هذا الخلق السامي بسيرته العطرة، قبل أن يغرسه بما يقوله من حكم وعظات.

ليس شعاراً فقط

المفكر الإسلامي د. محمود حمدي زقزوق عضو هيئة كبار العلماء ووزير الأوقاف المصري الأسبق يؤكد أن التسامح قيمة عظيمة في حياة كل الأمم والشعوب، فهو من الناحية الدينية فضيلة ينبغي أن يحرص عليها كل إنسان يريد أن يعيش حياة سعيدة مستقرة، ومن الناحية النفسية والاجتماعية والأخلاقية كله فوائد للإنسان الذي يتخلق بهذا الخلق الكريم.

ويضيف: من الطبيعي أن تضفي قيمة التسامح على صاحبها مناخاً نفسياً وإيمانياً يحقق له الطمأنينة والرضا ويخلصه من كثير من نوازع وشهوات النفس ورغبتها في الثأر والانتقام، فالإنسان المتسامح يشعر دائماً باستقرار نفسي واجتماعي، ويعيش هادئاً بين الناس، تربطه بالجميع علاقات طيبة، لا توجد بينه وبين من حوله عداوات أو صراعات أو مشاحنات.

ويرى د. زقزوق أن التسامح قيمة للتعايش اليومي بين الناس، فهو ليس شعاراً يرفع من دون أن يكون له تأثير ويكون واقعاً معاشاً في حياتنا اليومية.. ولذلك لا بد أن نربي الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين على ضرورة الالتزام بهذه القيمة، وذلك عن طريق تربيتهم على الحوار والتفاهم لا على الصدام والصراع والتشاحن، فالحياة ليست غابة يكون البقاء فيها للأقوى والأكثر مكراً ودهاء، بل هي في جوهرها علاقات اجتماعية ومنافع متبادلة بين الناس مسلمين وغير مسلمين، ولا بد أن يكون البقاء فيها للأصلح والأكثر نفعاً للناس.

والحوار الذي يؤكد الإسلام على إرساء أسسه وقواعده ومفاهيمه بين الناس يعني الاحترام المتبادل بين المتحاورين، ويعني تغليب روح التسامح التي تقود الجميع إلى تفاهم وانسجام وعلاقات يسودها الحب والوئام، وما أسعد الإنسان الذي يعيش متحاوراً متفاهماً محبوباً يحترمه كل من يحيط به.

القدوة لا التلقين

ويشدد د. زقزوق على أن الوعي بهذه الحقائق أمر ضروري يجب أن نعلمه للأجيال الجديدة، وبصفة خاصة عن طريق القدوة وليس عن طريق التلقين.. فالواقع المؤلم الذي نعيشه في بلادنا العربية في ظل غياب القيم الأخلاقية، أو تلاشيها في حياة كثير من الكبار والصغار يفرض علينا أن نستعيد قيمنا الأخلاقية المفقودة لكي تستقر حياتنا النفسية والاجتماعية، وتكون علاقات المسلمين بعضهم مع بعض وعلاقاتهم بالآخرين بالصورة المثالية التي رسمها الإسلام، وأرادها لضبط إيقاع الحياة بكل ما هو جميل ومثالي وأخلاقي.

ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أن غياب قيم وأخلاق الإسلام يقودنا حتماً إلى حياة صعبة وكئيبة، وكلها مشكلات وصراعات ومشاحنات وجرائم وانحرافات، ولذلك لا بد من التربية الأخلاقية التي أرسى قواعدها الإسلام، وهذه التربية ليست مسؤولية الوالدين فحسب، بل هي مسؤولية كل وسائل الإعلام ووسائل التوجيه داخل المجتمع.. ويقول: إذا كان الآباء مسؤولين عن ضبط الإيقاع التربوي والأخلاقي داخل المنزل، فإن المدرسة مسؤولة عن ضبط الإيقاع التربوي داخلها وخارجها، فالتعليم لم يكن أبداً وسيلة للحصول على شهادة ورقية تتيح للإنسان في المستقبل أن يعمل في وظيفة ما.. بل التعليم الحقيقي هو الذي يضبط سلوكيات الإنسان، ويرتقي بأخلاقياته، ويخلصه من نوازع الشر، ويقوده إلى كل ما هو حق وعدل.. أيضاً المسجد ووسائل الإعلام والأندية الشبابية عليها واجبات أساسية في ضبط الإيقاع الأخلاقي في المجتمع.

استعادة القيم

د. محمد المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر يؤكد أن القيم الأخلاقية الرفيعة تضفي على حياة الإنسان سعادة غامرة، والأمر هنا لا يتوقف على قيمة التسامح فقط، والتي تخلص الإنسان بالفعل من كثير من الأمراض والمشكلات النفسية، بل تتجلى عظمة أخلاق الإسلام في قدرتها على ضبط سلوكيات الإنسان كلها، وإشاعة روح المحبة والوئام بين كل أفراد المجتمع، فتجد الكبير يعطف ويحنو على الصغير، وتجد الصغير يحترم ويوقر الكبير ويقدم له كل حقوقه، وفي ظل سيادة القيم والأخلاق الإسلامية، وفي مقدمتها الرحمة والعفو والإحسان لا بد أن تستقيم حياة الناس ويختفي من بينهم ما نعاني منه الآن من عنف وظلم وقسوة وتكبر وتجبر ونكران للجميل.. وغير ذلك من الرذائل التي نعاني منها والتي حولت حياتنا إلى جحيم.

من هنا يرفع د. المهدي شعار (استعادة القيم الأخلاقية الإسلامية)، مؤكداً أن هذه القيم كفيلة بتخليص الإنسان من أزماته وبتوفير حياة نفسية واجتماعية مستقرة لأبنائنا في المستقبل.