من مشتبهات القرآن الكريم موازنة وتحليل لمؤلفه الدكتور عادل أحمد صابر الرويني هو الكتاب الثاني من سلسلة البلاغة القرآنية، صدر هذا الكتاب وهو من توزيع مكتبة البشير بالشارقة عن مكتبة عباد الرحمن بجمهورية مصر العربية، والكتاب من الحجم المتوسط ويبلغ عدد صفحاته (188) صفحة.

يقول الدكتور عبدالحميد محمد العيسوي أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر في مصر عن الكتاب ومؤلفه:

الدكتور عادل أحمد صابر الرويني تابعته عن قرب في أثناء إعداد بحثه للحصول على درجة العالمية (الدكتوراه) في اللغة العربية تخصص البلاغة والنقد، وأشهد أنه باحث مثابر، وذو عقل واع لماح، وعنده حس نقدي مميز لما يقرأ وما يكتب. وقد أشار بحثه بعد اكتماله على مولد باحث واعد، يؤمل منه الكثير في مجال تخصصه، بالإضافة إلى خبرته العلمية والعملية قبل البحث وفي أثنائه، مما يؤهله لخدمة اللغة العربية ودينه الحنيف بوعي ونضج في مجال التعليم وإفادة طلابه كما يمتاز بالخلق الطيب والتواضع، وأدعو الله أن ينفع به وأن يوفقه في مسيرته العلمية والعملية.

المشتبه والمتشابه

أشار المؤلف في مقدمة كتابه من مشتبهات القرآن الكريم موازنة وتحليل إلى سبب إيثاره لفظ مشتبه على متشابه بقوله: فإنه على الرغم من أن المعاجم اللغوية لا تكاد تفرق بين لفظتي التشابه والاشتباه، إلا أنني من خلال استقراء المادتين في لغة القرآن الكريم تبين لي الفرق في الاستعمال القرآني لكل منهما بحيث لا توضع إحداهما مكان الأخرى، ترى هذا في قوله تعالى:

وَهُوَ الذِيَ أَنزَلَ مِنَ السمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُل شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً متَرَاكِباً وَمِنَ النخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَناتٍ منْ أَعْنَابٍ وَالزيْتُونَ وَالرمانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِن فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأنعام: 99).

حيث قيل: مشتبهاً وغير متشابه ولم يقل: مشتبهاً وغير مشتبه.

وخلاصة القول في هذه النقطة، إن الاشتباه يفيد الاختلاط والالتباس والإشكال وعدم التمييز، أما التشابه فيفيد معنى الاشتراك بين أمرين أو أمور في شبه أو أمر أو معنى يجمعها سواء أكان في هذا التشابه اختلاط والتباس أم لم يكن فيه، وبناء على هذا فإننا نستطيع القول إن الاشتباه أعم من التشابه، فكل مشتبه فيه تشابه وليس كل متشابه فيه اشتباه، بيان ذلك أنك إذا قلت: التوأمان مشتبهان، فقد دللت على أنهما تشابها تشابهاً فيه من شدة الشبه ما يؤدي إلى الإلباس والتداخل وما يصعب معه التمييز بينهما، أما إذا قلت: التوأمان متشابهان، فقد أثبت مطلق الشبه بينهما من غير أن تثبت أو تنفي شدة الشبه بينهما الذي يصل إلى درجة الإلباس والتداخل.

الإعجاز البلاغي

وقد أشار د. الرويني في مقدمة كتابه إلى أهمية هذا النوع من الدراسة فقال: إن مشتبه النظم يبرز بجلاء الإعجاز البلاغي في القرآن بصورة أوضح وأقوى وأشد من الآيات التي لم تشتمل على تلك الآيات المشتبهات مع الإشارة إلى أنه لا تخلو آية في كتاب ربنا من الإعجاز البلاغي. وإذا كان أرباب الفصاحة، وفرسان البيان قد عجزوا عن محاكاة القرآن عجزاً مطلقاً لا لبس فيه ولا غموض حيث أقروا بذلك، فإن عجزهم عن محاكاة ما فيه من المشتبه أبين وأقوى، لما فيه من شدة التشابه بين بعض الآيات، مما يغري أصحاب النظرة السطحية، والفكر غير المتعمق إلى القول بالتعارض أو التناقض أو التكرار بين آي القرآن الكريم، ولكن القارئ المتدبر المتأمل الواعي لا يعبأ بتلك المزاعم التي تتردد كثيراً على ألسنة أعداء الإسلام حيث يجد بين الآيات التي قيل بتشابهها وتعارضها وتضاربها اختلافاً دقيقاً في نظمها أو موضوعها، وقد يتمثل هذا الاختلاف في تقديم كلمة وتأخير أخرى، أو في حذف أو ذكر، أو في تذكير أو تأنيث، أو في إيجاز أو إطناب أو في توكيد أو تركه إلى غير ذلك من وسائل التعبير مع التشابه الشديد بين الجمل والآيات ويرد هذا كله إلى مقتضيات الأحوال، أو مقامات المخاطبين أو غير ذلك كما سنبين بإذن الله مما ينسف تلك المزاعم بوجود تكرار أو تناقض في القرآن الكريم.

تثبيت الرسول

تبدو أهمية هذا الكتاب في إبطال تلك المزاعم خصوصاً في هذه الأيام التي كثرت فيها الحملات المسعورة على ديننا وقرآننا ورسولنا صلى الله عليه وسلم وعلينا نحن المسلمين، ويتأتى لنا هذا من خلال البيان التطبيقي على الآيات الكريمة المشتبهة بما يفند معه شبهة التناقض أو الاختلاف، وصدق الله العظيم القائل: أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً (النساء: 82).

ويقول المؤلف: وقد آثرت أن أبرز تلك الظاهرة القرآنية في الآيات التي اختصت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأحواله وأحوال غيره معه بسبب تعرض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى حملات الحقد والبغض والافتراءات المنظمة واشتدادها على شخصه الكريم في تلك الأيام، وللتدليل على أن الاشتباه في القرآن الكريم لا يأتي عبثا، وإنما يأتي لهدف وغاية ننقل لك هذا النموذج من كتابنا المذكور.

قال تعالى:

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبحْ بِحَمْدِ رَبكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ الليْلِ فَسَبحْهُ وَإدْبَارَ السجُودِ.

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبكَ فَإِنكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبحْ بِحَمْدِ رَبكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ الليْلِ فَسَبحْهُ وَإِدْبَارَ النجوم.

إِنا نَحْنُ نَزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبكَ بُكْرَةً وَأصِيلا.

وردت الآيات المذكورة في سور قطب رحاها تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيته، فسورة ق فيها تنويه بشأن القرآن الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ق، والقرآن المجيد، وفيها استدلال على صدق ما دعا إليه صلى الله عليه وسلم من الوحدانية، وفيها وعيد لمخالفيه ووعد للمؤمنين به، ولك أن ترجع كل هذه المعاني إلى الغرض الأصيل الذي يجمعها والذي تنبثق منه وهو تسليته صلى الله عليه وسلم، فالمتدبر لآيات السورة يبصر معنى تسليته صلى الله عليه وسلم جلياً ظاهراً في بعضها، وخفياً مطموراً في بعض آخر منها.

وعن سورة الطور يقول المؤلف: إنها السورة التي خلصت لمعنى جلي في كل آياتها ألا وهو تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولك أن تتأمل القسم في بداية السورة لتأكيد الوعيد الشديد لمخالفي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تنتقل الآيات إلى الوعد للمؤمنين به بالنعيم الدائم لهم ولمن تبعهم من ذريتهم، وتتصاعد الآيات فتتحدى المكذبين بالإتيان بمثل ما كذبوا به الرسول.

وتفند الآيات مزاعمهم، ثم تختم السورة بخطابه صلى الله عليه وسلم خطابا يشرح به صدره صلى الله عليه وسلم لما فيه من الرعاية والكلأ والحفظ والتسلية والتثبيت كما سنرى.

ولا تعدم غرض التثبيت والتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم في سورة الإنسان التي فيها إقرار بصحة ما في الرسالة المحمدية من الدعوة إلى التوحيد، وفيها وعد للمؤمنين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ووعيد لمخالفيه.

الفاء الفصيحة

ويشير المؤلف إلى أن هذه السور مكية، والدعوة الإسلامية في تلك المرحلة لم تثبت بعد ولم يقو عودها، لما كانت تلاقيه من صد وإعراض وكفر وعناد، لذا فإنك قلما تجد سورة مكية إلا رأيت فيها روح التثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم تارة، ولمن معه تارة أخرى تسري في أوصالها سواء أطل هذا المعنى برأسه في بعض السور، أم توارى في البعض الآخر.

وهنا تدور عدة تساؤلات:

ما وجه الربط بالفاء في قوله: فاصبر على ما يقولون والربط بالواو في قوله واصبر لحكم ربك؟

لماذا تعدى الصبر بحرف الاستعلاء في قوله سبحانه فاصبر على ما يقولون ولماذا تعدى بحرف الاختصاص في قوله واصبر لحكم ربك؟

ما وجه اقتران الأمر بالصبر والأمر بالتسبيح؟

وما وجه جمع العين في قوله فإنك بأعيننا وإفرادها في قوله ولتصنع على عيني؟

وجاء الربط بالفاء الفصيحة في كل من سورة ق في قوله تعالى: فاصبر على ما يقولون وسورة الإنسان في قوله تعالى: فاصبر لحكم ربك حيث طوت خلفها مقولات التكذيب والتشكيك في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ولتضع هذه الفاء وبسرعة مذهلة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مدارج الثبات والتحدي، وكأن كل ما يسمعه من مقولات الشرك والتكذيب ما هي إلا حافز له للوصول إلى فلك الصبر والتحدي في إصرار وعزيمة وسرعة تمثلها هذه الفاء والله أعلم.

وجاء الربط بالواو في الطور واصبر لحكم ربك، لأن القصد إبراز الأمر بالصبر في صورة مستقلة، تعظيماً لشأنه، وتأكيداً لأهميته، وتحفيزاً للنبي صلى الله عليه وسلم ليتمسك به، ولعل هذا يعود إلى طبيعة السورة وما فيها من حملة رهيبة ومطاردة عنيفة لهؤلاء المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولما جاء به والتي كأنها كانت رداً على تمادي المشركين في تكذيبهم، فاشتداد حملة عنادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قابلته تلك الحملة القرآنية التي (يشترك فيها اللفظ والعبارة والمعنى والمدلول والصور والظلال والإيقاعات الموسيقية لمقاطع السورة وفواصلها على السواء. ومن بدء السورة إلى ختامها تتوالى آياتها كما لو كانت قذائف، وإيقاعاتها كما لو كانت صواعق، وصورها وظلالها كما لو كانت سياطاً لاذعة للحس لا تهمله لحظة واحدة من البدء إلى الختام).

ولعل مما يغري بالقول ان تلك الحملة القرآنية المزلزلة إنما كانت رداً على اشتداد حملة المكذبين على الرسول صلى الله عليه وسلم، هو ما تراه في هذه الجملة واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا.

ولربك فاصبر

ويقول المؤلف: أقف هنا وقفة أخرى متأنية أمام بيان هذه الجملة لأجد أن فعل الصبر قد تعدى بحرف الاختصاص كما في سورة الإنسان فاصبر لحكم ربك وفي المدثر ولربك فاصبر أما في سورة ق فقد تعدى الصبر بحرف الاستعلاء فاصبر على ما يقولون وقد قيل في تفسير هذه المخالفة: إن اللام في قوله سبحانه لحكم ربك يجوز أن تكون بمعنى على أو إلى ويجوز أن تكون للتعليل، وأرى والله أعلم أن عدول النظم إلى اللام في المدثر والإنسان لحث الرسول صلى الله عليه وسلم واستنهاضه للصبر على أعباء رسالته حكم ربه بهمة موفورة، ورغبة قوية، وثبات لا يتزعزع، وكأني ألمح في نظم تلك الآيات ما يرشح معنى الاختصاص في هذه اللام، لتدل على أنه صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالصبر والاستسلام والانقياد لحكم ربه تعالى، كما أشارت اللام إلى انتفاعه صلى الله عليه وسلم بالصبر لحكمه تعالى، وقد رشح ذلك قوله لحكم ربك ولربك فاصبر حيث لم يقل: واصبر لحكمي أو لحكمنا أو لحكم الله، وإنما عدل عن ذلك إلى ما عليه النظم الكريم، للدلالة على وجوب قيام المربوب بما يطلبه منه سيده.

ويقوم منهج دراسة مشتبه النظم على ثلاثة أعمدة كما يقول د. عادل الرويني هي: أولاً: رصد أوجه الاتفاق، ورصد الفروق، وتفسير ظاهرة الفروق.

أما منهج البحث في الكتاب فيتمثل في الآتي:

تقسيمه إلى مواضع وليس إلى فصول.

تكرار بعض الآيات أو أجزاء منها لاختلاف جهات النظر فيها.

التعرض في بعض المواضع إلى التحليل البياني الذي يخدم في الكشف عن سر التشابه.

عدم الاقتناع بالعلل اللغوية التي ذكرها المفسرون في بعض المواضع وعدم الاكتفاء بها لتفسير ظاهرة المشتبه، إذ ان تلك العلل لا تعدو إلا أن تكون مصححة للمعنى ومسوغة له دون أن ترقى إلى سماء البلاغة العالية.

ربط الآيات المشتبهات بمطالع سورها في بعض الأحيان.

تجنب الخوض في تفاصيل بعض القضايا اللغوية والبلاغية التي هي خارج نطاق البحث.

عدم استقصاء كل الآيات المتشابهات التي تحدثت أو أخبرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما والاكتفاء بعدد كثير من الآيات الكريمة التي تمثل تلك الظاهرة، لأن الغرض ليس الاستقصاء.

وأخيراً فالكتاب الذي بين أيدينا اليوم بذل فيه المؤلف جهداً مضنياً في إبراز أوجه التشابه والاختلاف بين بعض النصوص القرآنية المختلفة وتعليلها، وتحليل بعض هذه الآيات القرآنية، وهذا هو الجديد في هذا الباب.

ويبدو بجلاء تعمق المؤلف فيما كتب، ولغة الكتاب لغة أدبية رصينة معبرة.