اهتم المسلمون بفن زراعة وتنسيق الحدائق وأولوه جزءاً كبيراً من عنايتهم لما له من قدرة على إبراز جمال الطبيعة وإظهار عظمة الخالق وبث المباهج في النفوس، فالإسلام منذ بذوغ فجره يأمر الناس بعمارة الأرض والحفاظ على الخضرة الممثلة في الغرس والزرع المثمر وذلك لإظهار الحكمة الجمالية من وراء خلق الحدائق بأشجارها وثمارها، وهذا يدل على الانسجام الكامل بين دين الإسلام وفطرة الإنسان التي تميل بطبعها إلى اللون الأخضر وتناسق الأشجار والأزهار والثمار .

وتعتبر المساحات الخضراء على اختلاف أنواعها دليلاً على حضارة الأمم وتقدم الشعوب فلها أهمية كبيرة من الناحية الترفيهية والصحية والثقافية والاجتماعية إذ يجد الإنسان من خلالها فرصة للترفيه والابتعاد عن صخب الحياة العصرية ومشاكلها باحثا عن الهدوء وجمال الطبيعة الخضراء . لذا كان اهتمام الكثير من الحكومات بتنمية البيئة عن طريق زيادة المسطحات الخضراء ضمن المخططات العمرانية التي تعتبر من أهم وسائل تجميل المدن وتلطيف وتنقية الهواء من الملوثات كالأدخنة والغبار، وهذا في حد ذاته هدف إسلامي يجب أن تسعى إليه كل الحكومات في بلادنا العربية والإسلامية .

يقول الشيخ شوقي عبداللطيف وكيل أول وزارة الأوقاف إن الحدائق هي جنات الله في أرضه يتمتع بها الناس ويرفهون فيها عن أنفسهم، ويهرعون إليها كلما ضاقت صدورهم أو تعبت أعصابهم فيجدون في رحابها وتحت ظلال أشجارها الراحة والهدوء ويشعرون فوق مروجها ومسطحاتها الخضراء وبين أزهارها وورودها بعظمة الخالق سبحانه وتعالى ويتأملون في بديع صنعه .

جوانب جمالية

ويوضح الشيخ عبداللطيف أن الاهتمام باستزراع النباتات وحمايتها لم يكن وليد العصر بل دعا إليه الإسلام منذ أكثر من 14 قرناً فقد رغب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في استزراع النباتات وحمايتها والمحافظة عليها فقال ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة وغيرها من الأحاديث التي تربي فينا السلوكيات البيئية الإيجابية نحو التخضير ونشر الخضرة في كل مكان خاصة أن العالم يعاني حاليا مشكلة الاحتباس الحراري بسبب القطع الجائر للغابات وإزالة الغطاء النباتي في مناطق شاسعة بسبب الزحف العمراني وعدم تنفيذ قانون المراعي الطبيعية فضلا عما تسببه الحروب من تجريف للتربة وضياعها .

وجاء في الكثير من آيات القرآن الكريم ذكر الشجر والجنات والثمار فورد لفظ شجر بمشتقاته في القرآن نحو 26 مرة، كما وردت لفظ ثمر بمشتقاته 22 مرة، ونبت بمشتقاته 26 مرة وذكرت الحدائق 3 مرات، أما الجنة فمفردة ومجموعة وردت 138 مرة، وهذا بلا شك يبين مدى حث الإسلام على الزراعة وتحقيق الظل الدائم الذي وعد الله به عباده الصالحين قال تعالى: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون، هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون، لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (يس) كما قال سبحانه لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (النساء) وغيرها من الآيات التي تدل على أن الظل الممدود صفة جمالية في هذا الشجر وذلك لقدرة الأشجار بتشابك أغصانها وأوراقها في اعتراض أشعة الشمس قبل وصولها إلى الأرض فأصحاب الجنة في رخاء ناعم دافئ هم وأزواجهم في ظل الجنان متكئون على السرر، حيث لا شمس ولا زمهرير، فليس من شك في أن هذه الجوانب من مد الظل وتذليل الثمار كلها جوانب جمالية تمزج المنفعة المادية للشجر بالمنفعة المعنوية .

بيئة صحية

المهندس ماجد جورج وزير البيئة المصري يرى في العديد من أبحاثه أن الحدائق هي الرئات التي يتنفس بها الإنسان وكلما زادت المساحات الخضراء كانت بيئة الإنسان صحية أكثر إلى جانب أنها تعلم الإنسان النظام وتحثه على احترام قدرة الخالق في ما خلق بالمحافظة على ما بها من نباتات بالإضافة إلى أنها تساهم بقدر كبير في توطيد الروابط الاجتماعية بين الناس حيث يلتقون ويتعرفون فيها على بعضهم . ويضيف أن البلدان العربية تعتبر في مقدمة بلدان العالم من حيث افتقارها إلى الغطاء الشجري الطبيعي فالرقعة المكسوة بالأشجار الطبيعية لا تتجاوز في أغلب هذه البلدان 1% من مجموع مساحتها الكلية ولعل ذلك يعود إلى أسباب كثيرة أهمها الأسباب المناخية والظروف الطبيعية مع أن الأبحاث العلمية، تشير إلى أن حزاماً من الأشجار البالغة حول منطقة سكنية ما بعرض 1 كم يستطيع تخفيض درجات الحرارة في تلك المنطقة من 2 3 درجات مئوية كمعدل وسطي، وهذا بحد ذاته يعد فائدة عظيمة للغطاء الأخضر مما يوجب زيادة مساحته في وطننا العربي حيث إن مدننا العربية في أمس الحاجة إلى إنشاء الحدائق والمسطحات الخضراء حماية لبيئتها وحفاظاً على مظهرها وجمالها .

عادة فطرية

وحول الرصد الاجتماعي لهذه الظاهرة السلبية يقول الدكتور علي المكاوي أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة إن التنزه عادة فطرية يمارسها غالبية الناس خاصة في أيام الصيف الحارة ولكن معظم من يرتاد الحدائق العامة من الأحياء الشعبية والفقيرة التي تتميز شوارعها بأنها ضيقة والأشجار بها شبه معدومة، فيبحث هؤلاء عن مساحات خضراء يذهبون إليها مع أطفالهم خلال أيام الصيف الحارة وتكون منخفضة التكاليف خاصة بعد تحول معظم هذه الأماكن إلى مطاعم ومتنزهات كبيرة مرتفعة الأسعار يصعب على الشريحة المتوسطة أو الفقيرة ارتيادها ونتيجة لكثرتهم وكثرة الأطفال في بقعة صغيرة خضراء وكذلك الباعة الجائلين الذين يقدمون الأطعمة الجاهزة وما ينتج عنها من أكياس وغيرها تنتشر المخلفات وتكثر القمامة في أماكن وجودهم وتنزههم، كما أن من أهم أسباب هذه الظاهرة كذلك تراجع الوعي الديني والبيئي وتراجع القيم الأخلاقية التي تحثهم على نظافة المكان التي هي في الأساس من نظافة الإنسان .

والحل كما يرى علماء الدين والاجتماع والبيئة يكمن في فرض القوانين الصارمة على الأشخاص الذين يرتادون هذه الأماكن ويعبثون بها ومنع إدخال الطعام بشكل كامل على أن يرافق ذلك حملات توعية نشجع الناس على تنظيف الأماكن الطبيعية .