«قضايا المرأة المسلمة».. يستغلها خصوم الإسلام وأعداؤه أسوأ استغلال. يحيطونها بالشكوك والشبهات والافتراءات الظالمة؛ لتشويه صورة الإسلام، والادعاء حقداً وكذباً وزيفاً بأنه ظلم المرأة، ولم يضعها في مكانتها اللائقة شريكة للرجل في البناء والتنمية.
من أبرز تلك القضايا قضية «تعدد الزوجات». التي لم يتوقف أعداء الإسلام عن إثارة الشبهات حولها؛ حيث جعلوها دليلاً على ظلم المرأة المسلمة، وانحطاط قدرها، وتغييب دورها في خدمة المجتمع.
والصحيح أن الأصل في الإسلام أن يتزوج الرجل بواحدة، وأن التعدد مباح كاستثناء لأسباب خاصة، بعضها يتصل بالرجل، وبعضها يتصل بالمرأة، وبعضها يتصل بالمجتمع.
إن الله -تعالى- لم يلزم المسلم بالتعدد، ولكنه أباحه، وللمسلم أن يأخذ بالمباح أو لا يأخذ، ولا إثم عليه إذا لم يأخذ.
في مواجهة هذه الشبهة يتساءل الداعية الراحل محمد متولي الشعراوي: «هل الأصل في التعدد الوجوب أم الإباحة؟ بمعنى: هل الإسلام يوجب على الرجل أن يتزوج بأكثر من زوجة أم أنه يبيح له ذلك فقط؟».

إباحة لا وجوب

ويجيب عن تساؤله بقوله: «الأصل في التشريع هو الإباحة وليس الوجوب، أي أن الإسلام لا يوجب على الرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، ولكنه يبيح له ذلك إذا رأى أن حياته محتاجة إلى ذلك. وفرق كبير بين الوجوب والإباحة».
ويقول في كتابه «المرأة في القرآن الكريم»: «إن الإسلام لا يفرض تعدد الزوجات، أي لا يفرض على الرجل أن يتزوج أكثر من امرأة، ولكنه يسمح له بذلك.. قال تعالى: «فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً».. (سورة النساء: 3)، «والمقصود بتعدد الزوجات ألا تبقى امرأة في المجتمع بلا زوج، حتى لا تحدث انحرافات وينتشر الحرام». ويضيف الشعراوي: «إن التعدد في كثير من الأحيان يكون حافظاً للزوجة الأولى، وحافظاً أيضاً للزوجة الثانية؛ ومن حق الزوجة أن تشترط ساعة زواجها ألا يتزوج زوجها بامرأة أخرى؛ ذلك أن من حقها أن تشترط في عقد الزواج ما تشاء».
إننا إذا أخذنا إحصائيات الحياة، ثم فرضنا أن عدد الإناث وعدد الذكور متساو فإن أحداث الحياة تأخذ من الرجال أكثر مما تأخذ من النساء، فالمعارك والحروب يتحملها الرجال، وحياة الرجل وسعيه للرزق يجعله يتعرض لمخاطر أكثر من المرأة، ولو تساوى عدد الرجال والنساء، ثم تعرض الرجال لمخاطر الحروب.. للعجز أو الموت.. فأين تذهب الباقيات؟ ماذا يفعلن؟.. إلا إذا أردنا أن يكون المجتمع مجتمعاً منحلاً.

رجال ظالمون

ويلفت الشعراوي إلى قضية مهمة بقوله: «ترجع «الضجة» التي تحدث بين الحين والآخر حول إباحة «التعدد» إلى الرجال وليس النساء، فالرجال هم الذين يتسببون في تلك «الضجة» لأنهم لم يأخذوا مع إباحة الله للتعدد «حتمية العدالة» ولو أخذوا تلك الحتمية ولم تتأثر الزوجة الأولى في معيشتها وحياتها وأولادها ما كانت هناك مشكلة».
إن الذي يسمع ما يُثار حول هذه القضية من شبهات وادعاءات وجدل يعتقد أن «تعدد الزوجات» في المجتمع الإسلامي مسألة وبائية، وأن أكثر من 90% من الرجال متزوجون بأكثر من زوجة، وهذا غير صحيح.
ويمضي الشعراوي في بيان موقف الإسلام من التعدد، موضحاً أن الأسرة قد تتعرض لمشكلات تهدد كيانها، وتعرضها للدمار والفساد. وهذه المشكلات لا يمكن علاجها إلا من طريق إباحة التعدد، ومنها على سبيل المثال:
‏- زيادة عدد الإناث على عدد الذكور في المجتمع.
‏- مرض الزوجة بمرض مزمن أو إصابتها بعقم.
‏- نقص عدد الرجال بسبب الحروب.
‏- قوة الدوافع الجنسية عند بعض الرجال.
ويؤكد الشعراوي أن الشريعة الإسلامية جاءت لتمنع وقوع الإنسان في الحرج؛ فأباحت له الزواج بأخرى حتى لا يقع فريسة للصراع النفسي الذي قد يقوده إلى السقوط، والوقوع في الحرام.

العدل المطلوب

ويلفت إلى أن الإسلام اشترط «العدل» بين الزوجات، فقال عز وجل: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً»... (سورة النساء: 3).
ويوضح أن العدل المطلوب هو العدل فيما يملكه الإنسان من الحقوق والواجبات، وهو أمر في استطاعة البشر. والقرآن الكريم هو الذي عقّب على قضية العدل المراد، بعد أن ذكر للرجال أنهم لن يستطيعوا العدل ولو حرصوا، فأبان أن العدل المطلوب هو عدم الميل المتعمد.. قال تعالى: «وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ»... (سورة النساء: 129).
أما العدل القلبي فلا يملكه أحد، ولذلك اشترط الإسلام لإباحة التعدد عدم الخوف من الظلم فيه، حيث كان الناس قديماً يعددون بلا حدود ولا ضوابط، مما جعل الضرر والظلم على المرأة أشد.
لقد جعل الإسلام للتعدد أحكاماً وآداباً ومبررات؛ حفاظاً على كرامة المرأة، وحسن رعايتها، وسلامة الأسرة من الانحدار في الهاوية.
ويحذر الشعراوي ممن سمّاهم «دعاة التحلل» قائلاً: «إن دعاة التحلل تنقصهم أمانة العرض، لجهلهم بحقائق الأشياء، ولو قرأوا الحقيقة من مصادرها الأصلية: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وتعايشوا معها لعلموا أن الإسلام كرم المرأة تكريماً لم تره في ماضي التاريخ وحاضره».
ويقول: إن هؤلاء المتحللين الهدامين لأمتنا الذين يروجون أفكاراً ظالمة وشبهات حاقدة لو اطلعوا على مجريات الأحداث التاريخية لعرفوا أن القيم الإسلامية وضعت كل إنسان في مكانه اللائق.
لقد طالبت المرأة في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية (1939 1945) بتعدد الزوجات؛ لمواجهة مشكلة كثرة النساء هناك. كما طالب بذلك عدد كبير من المؤتمرات التي عقدت هناك في الفترة التي أعقبت تلك الحرب.