التعصب هو من الآفات التي انتشرت في مجتمعاتنا الإسلامية وزادت حدتها في الفترة الأخيرة مع انتشار الفضائيات التي تتلقف أي قضية وتستغلها في الإثارة وتقدمها لمشاهديها بحثاً عن مزيد من الكسب المادي عن طريق جلب الإعلانات . . ويبدأ التعصب من جمهور الكرة مروراً بالتعصب للفنانين وشهدت ساحات الإنترنت خلافات وصلت إلى حد استخدام الشتائم والسباب والتهديد بالقتل . . ثم التعصب القبلي الحاد بسبب السيطرة وسلطة القبيلة سياسياً واجتماعياً، وصولاً إلى التعصب الديني والمذهبي الذي يكاد يأكل الأخضر واليابس . كل هذا يدعونا إلى التساؤل عن موقف الإسلام من التعصب وعن أسباب انتشاره وكيفية مواجهته .
بداية يقول الدكتور رضا محمد عريضة أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة حلوان: لابد ونحن نناقش مسألة التعصب أن نفرق بينها وبين الاعتزاز بالنفس فعندما نقابل شخصاً يقول عن دولته إنها أعظم دولة في العالم فهذا اعتزاز بالبلد الذي ينتمي إليه وليس تعصبا أما التعصب فهو التمسك بالرأي وتسفيه آراء المخالفين بكل الوسائل والطرق حتى لو استخدم العنف في سبيل ذلك ويتعرض المتعصب إلى اختلال نفسي بسبب عدم استقامة فكره ومن ثم مشاعره وسلوكياته فهو قد انحرف بنوع عصبيته إلى أحد طرفي الإفراط أو التفريط، وفي كلا البديلين فهو قد وقع في مصيدة البطالة الفكرية والوجدانية، ومن ثم السلوكية، بل في كثير من الأحيان ينحرف بعصبيته من أن يكون عاطلاً عن الإنتاج إلى إنسان ذي عزيمة فولاذية في إنتاج ما يضره من نوايا وأفكار وأقوال وأفعال لينقل بإنتاجه من المعدل الصفري إلى المعدل السالب، فالمتعصب مختل نفسياً بلا جدال حيث انحرف من الاستقامة الداخلية في ذاته وانحرف عن الاستقامة الميدانية في حياته ويحتاج منا جميعاً إلى مساعدة سريعة ممثلة بالوجبات العلمية الصحيحة حتى لا يؤثر في تركيبة المجتمع التي يفترض أن تكون منسجمة ومتكاملة لأداء دورها الإنتاجي بشكله الأمثل .
آثار نفسية
ويقول الدكتور عريضة: يؤثر التعصب في صاحبه في شكل آثار نفسية تشمل القلق والخوف والرغبة العامة في التدمير والتوتر وعدم الاستقرار الانفعالي مما يتطلب علاجا نفسيا في بعض الأحيان أما آثار التعصب في الجماعات في المجتمع فتتمثل في التباعد الاجتماعي بين أبناء المجتمع، وما يترتب عليه من شكوك في نية الآخر وسوء العلاقات الاجتماعية بين أفراد مختلف الجماعات في المجتمع، واضطرابها وتفشي التمييز والرغبة في حرمان الآخرين من حقوقهم المشروعة في المجتمع، وبخاصة في حالة التمييز غير الرسمي والسعي لإيذاء الآخرين بدنيا، أو النيل منهم بشتى الطرق الممكنة ثم تنسحب آثار تعصب الأفراد والجماعات على المجتمع كاملا بحيث يحدث تفكك المجتمع وانهياره وتقويض وحدته واضطراب ميزان الصحة النفسية في المجتمع وخلل تام في مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية واضطراب العلاقات الخارجية للدولة، وتزايد احتمالات الصراع بين الدول، ويبقى التعصب العرقي والديني أخطر الأنواع خاصة ما يتعلق بإهانات اللفظ أو الفعل سواء كانت متعمدة .
التعصب الديني
أما الدكتور عبداللطيف خليفة أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة فيؤكد أن أخطر أنواع التعصب هو الديني مؤكداً أن سببه يعود إلى حالة انفعالية من دون أدلة أو براهين تؤيدها وتتسم بالجمود والانغلاق وهذا يؤثر في تفكير المتعصب وعاداته اليومية، وتكون مواجهته بالفهم السليم للتعاليم الدينية، وعدم ربط الأفعال العدوانية للمتعصبين حتى لا نخلق جماعات مخالفة لهم في التعصب وكذلك لابد من تعميق إيجابيات قيم التعايش السلمي وتقبل الحوار بين الثقافات والأديان والتمسك بالحقوق والعدالة التي تضمنتها المعاهدات والمواثيق الشرعية والاعتراف بالخطأ وتقبل النقد من الآخرين ومقاومة الفتن والإعلام المضلل والتعاون مع الآخرين والاستفادة مما عندهم من معارف وخبرات .
ثقافة الانتماء الجماعي
وتقول الدكتورة إنشاد عز الدين أستاذة علم الاجتماع بجامعة المنوفية في مصر: لقد عرفنا ألواناً متباينة من التعصب، وقد حفظ لنا التراث الشعري معلومات مهمة عن التعصب القبلي، وسجل التاريخ ومازال يسجل حالات لا حصر لها من التعصب الوطني أو القومي، أو الديني أو الطائفي، وشهدت المجتمعات لا سيما في عصرنا الحديث ضروباً متعددة من التعصب العنصري أو العرقي وهذا الأخير الأكثر انتشاراً، والتعصب شر كله وإثم دائم ومن واجبنا أن نعارضه في شتى صوره حتى عندما لا يكون ثمة اعتراض أخلاقي على أهدافه، فهو مرض بالغ الخطر .
ويأتي على رأس أسباب التعصب تنامي الهويات الفرعية على حساب الهوية الجماعية للمجتمع، حتى نصل إلى الدين فرغم أن الله تعالى خلق الناس شعوبا وقبائل إلا أن البعض يتعصب لدينه بشكل يكاد يصل إلى التطرف ولهذا فإن أهم سبل المواجهة تكمن في ضرورة إعادة أجواء الانتماء الجماعي وهنا سوف يختفي التعصب وسيذهب من دون رجعة .
وتضيف الدكتورة إنشاد: ومن أجل نشر ثقافة الانتماء المجتمعي يجب أن نعود أطفالنا على ذلك فلابد خلال مرحلة الطفولة وتحديداً ما بين ثلاث وسبع سنوات أن ننمي داخل الصغار تقبل الحوار والاعتدال في تنفيذ الرغبات والأفكار وعدم التطرف الديني، كما يجب دمج الأطفال بغض النظر عن الديانة واللون في بيئة واحدة مثل النادي أو المدرسة حتى لا يشعر الطفل بأن هناك تفرقة أو ميلا نحو اتجاه بعينه ولحماية أطفالنا من التعصب أيضا لابد أن نعودهم منذ الصغر على الاعتراف بالخطأ وتقبل النقد واحترام مشاعر الآخرين وكذلك لابد من أن تقوم المساجد بدورها في إظهار خطر ظاهرة وآفة التعصب من خلال تطرق علماء الدين إلى تداعياتها وتوضيح العلاج الذي وضعه الإسلام لها كما لابد أن تكون وسائل الإعلام محايدة فلا تلهث وراء الأحداث المثيرة من دون مبرر .
المسألة المذهبية
وعن رأي الدين في هذه القضية يقول الشيخ شوقي عبداللطيف وكيل وزارة الأوقاف المصرية: من أخطر مظاهر التعصب التي تعانيها في حياتنا الفكرية والدينية فرض الرأي على الآخرين أو التضييق عليهم في آرائهم، والإسلام دين يرفض التعصب بكل أنواعه حتى إنه لا يجب فيه اتباع مذهب بعينه بل المسلم يتعبد إلى الله باتباع الكتاب والسنة وليس باتباع فهم إمام معين من الأئمة وإلا فماذا كان مذهب الصحابة والتابعين وأي إمام اتبعوا سوى إمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولا يجوز لأحد أن يجبر أحدا على تبني مذهب بعينه، ورضي الله عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس الذي أبى أن يفرض موطأه على الناس بأمر من الخليفة ليرسخ معنى حرية اختيار المذاهب بين الناس خاصة عند أهل السلطة .
وحتى في المسألة المذهبية وهي الأخطر والأشهر في مجتمعاتنا يستطرد الشيخ شوقي فإنه على الرغم من حق الدول والأكثريات فيها أن يكون لها مذهب عام لكن ليس من حقها فرض هذا المذهب الذي تبنته على الآخرين من الأقليات التي تحيا في كنف الأغلبية، بل تتركهم وحريتهم، وليس هذا فحسب بل إن الإسلام بسماحته وعدله سمح لغير المسلمين بوجود شريعتهم ومذاهبهم الخاصة ومنع التدخل في شؤونهم الدينية، وتركت الخلافة الإسلامية لغير المسلمين الحق في تعيين رئيسهم الديني، كما تركت لهم الحرية التامة في شؤونهم الدينية الخاصة، وأحكام الأحوال الشخصية .
وعلى الأغلبية أيا كان مذهبها وديانتها أن تراعي حقوق الأقلية، وعلى الأقلية أن تحترم الأغلبية وقانونها ومذهبها، وهذه هي أبجديات التعايش السلمي في المجتمعات . ويضيف: إن إجبار الإنسان على التزام مذهب معين هو لون من القهر، ورأينا القرآن ينهى عن إجبار الناس على الدين، وإخراجهم من أديانهم كرها، حتى لو كان من دين باطل إلى دين الحق الإسلام: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس: 99)، ويقول تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256) وفي ظل الإكراه على الرأي يأتي ما لا تحمد عقباه، من حيث اللجوء إلى السرية، وإظهار شيء خلاف ما يبطنه المرء، فينتشر بذلك داء أخطر من داء الاختلاف، وهو ازدواج وتناقض شخصية المسلم في مجتمعه .
حكمة التنوع
ويشير الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة إلى أن البشر لم يخلقوا على هيئة واحدة، لا لوناً، ولا علماً، ولا قوة، ولكن المتأمل بعين الفكر المجرد يجد أن التنوع والتباين أمضى وسيلة نحو الترابط والتكامل، لا التناحر والاختلاف . . لقد خلقنا بفطرة تدفعنا نحو شوق دائم لتحقيق الاكتمال، ومن عجب أن تلك الحاجة لا تلبي إلا بالتصاق فرد بفرد، أو فرد بمجموعة، أو مجموعة بمجموعة، وهكذا . وكأن من قدرنا أن نعيش في حالة احتياج مستمرة لبعضنا بعضاً، كي يتعطش كل منا إلى الوحدة والترابط، في مشهد فطري يعلن عن ثورة تلقائية على كل صور الفردية والتشرذم .
ولأن البعض لا يروق لهم أن تمضي الحياة على هذا النسق الرباني الجميل الذي لا مجال فيه للأنانية، فإنهم لا يدخرون وسعاً في إثارة الضغائن عبر النفخ في أبواق التعصب الممقوت، ليس بالقرع على طبول الحرب كما الحال قديماً، وإنما بالعزف المتقن على النزعات الفردية والفئوية، مع إلباس ما يقومون به ثوب التعددية، وثوب الحرية، أو ما شاكل ذلك من مفردات براقة وجذابة، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب .
والحقيقة أن حيل الناخرين في لب التماسك بين الناس كانت ماكرة للغاية، فمن نقطة التنوع في الرؤى، واختلاف وجهات النظر، انطلقوا . . لا ليجعلوا من ذلك طريقاً لإثراء وتعميق التجارب الإنسانية التي تصب في مصلحة المجموع، وإنما ليجعلوا ذلك وسيلة لإثارة الأحقاد والفتن، وسكيناً لتقطيع المجتمع إلى تحزبات وفرق، ينتصر لها أفرادها ولو على حساب الحقيقة .
إن لكل متأمل أن يبحث في أساس الاختلاف بين الأفراد أو الجماعات في أي بقعة من العالم، وسوف يصل في النهاية إلى سبب ربما يكون أوحد في توتر العلاقات، وتمزيق الصداقات، وتفريق العائلات، ألا وهو بذرة من جاهلية، سقيت بماء العصبية، وغذيت بقوت الأنانية، ثم استظل بها أقوام استغناءً واستعلاءً على غيرهم من الناس .
ولابد أن نتذكر أنه في القرن السابع الميلادي كان التعصب هو أهم ما يميز علاقة المجتمعات ببعضها بعضاً، حيث كان التعصب القبلي سمة العلاقات بين العرب، وكان التعصب الديني والجنسي سمة العلاقات السائدة خارج الجزيرة العربية . . ونزل القرآن الكريم يحارب هذا التعصب ويقول للبشر جميعا يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم (الحجرات: 13) فأصل البشرية واحد من أب واحد وأم واحدة، وقد جعلهم الله شعوباً وقبائل ليتعارفوا لا ليتصارعوا، وأكرمهم عند الله ليس أقواهم ولا أغناهم، ولكن أكثرهم لله تعالى تقوى وخشوعا .
وهكذا لما جاء الإسلام نقل العرب من قبائل متناثرة لا رأي لها، ولا شأن، ولا قوة، إلى أكبر دولة على الأرض، من خلال تلكم الوصفة السحرية التي لملمت هذا الشتات المتناثر على أسس من العدل والمساواة، مع احترام حق المناقشة والرأي والمجادلة بالتي هي أحسن، ترتب على ذلك حال غير الحال، وصارت دولة الإسلام دولة عظمى لم يعرف التاريخ لها مثيلاً .
غياب المشروع المشترك
ويقول الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق وأستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: المسلم الواعي هو الذي يعرف الخطوط الفاصلة بين الحوار الذي يؤدي إلى التفاهم والتلاقي، وبين النقاش الحاد الذي ينتهي بأصحابه إلى التعصب الأعمى للرأي، فالحوار مطلوب ومرغوب والنزاع والتعصب مرفوض بكل المقاييس، ولهذا فعلى المسلم التحلي بخلق الرفق في الحوار والتعامل . ويضيف د .واصل: إننا جميعا ننسي السبب الرئيس وراء انتشار القبلية والمذهبية والانعزال وهو عدم وجود مشروع وطني مشترك في الكثير من المجتمعات العربية، فبالكاد نجد مجتمعا عربيا واحدا يخلو من التوتر الداخلي سواء بسبب التعصب الديني أو القبلي أو العائلي بل وصل الأمر إلى أن أصبح التعصب الكروي سببا جديدا من أسباب القلاقل، والمصيبة أن الكثيرين يعتنقون مبدأ من ليس معي فهو ضدي وهو مبدأ غريب على الإسلام والمسلمين . والتعصب يحجب عن الإنسان اكتشاف عيوبه، والتعرف إلى نواقصه، والالتفات إلى ثغراته، والتنبه إلى نقاط الضعف فيه، وذلك نتيجة الاعتزاز بالذات، والتفاخر على الآخر، والانشغال بأجواء السجال والاحتجاج، وما يصاحبها من توتر وانفعال .
والتعصب يجلب معه العداوة والبغضاء من الآخرين، ويورث الاحتقان والانقسام بين الناس، ويتسبب في خلق النزاعات والخصومات التي تهدر بدورها الطاقات والإمكانات من دون طائل، وهذا ما ينبه عليه ويحذر منه العقلاء والحكماء من الناس.