لعل الحديث عن المال لا يزال مصدراً للحرج بالنسبة إلى الكثيرين، خاصة إذا كان الموضوع على علاقة مباشرة بأمور "الإتيكيت" وقواعده المتعلقة بالمال، سواء بالنسبة لكيفية التعامل مع إصرار المرأة على الدفع في الأماكن العامة، أو بالنسبة لتقديم الهدايا النقدية أو تلقيها، آراء مختلفة أنتجها تغير معطيات الحياة نستعرضها في التحقيق التالي حول "إتيكيت" المال:
تعتقد الجدة رحمة إبراهيم خليل "ربة منزل" أن العادات والتقاليد والأعراف التي يحملها الكبار هي التي تمثل "الإتيكيت" في المجتمع، ولكن للأسف الجيل الجديد أصبح يتمرد على كل تلك الخبرات الاجتماعية المتراكمة التي لا يدركون مدى أهميتها في الحفاظ على التواصل والترابط الاجتماعي، وفي عائلتها تعتبر الجدة أم إبراهيم القائد الذي يوجه العائلة فيما يخص المجاملات الاجتماعية والمناسبات والهدايا التي يجب أن تقدم في كل مناسبة، ومتى تكون الهدية نقدية، وكم يجب أن يخصص لكل هدية، وتؤكد أن "اللي ما إله كبير ما إله تدبير" للدلالة على مدى أهمية الخبرة التراكمية في المجتمع في القيام بالواجب بتقدير الآخرين ومجاملتهم في أفراحهم وأتراحهم، وعن المناسبة التي يجوز فيها تقديم الهدايا النقدية تقول: "تقدم عادة للمولود الجديد، وجرت العادة على تقديم مبلغ مالي للمولود للدلالة على الرزق الذي يأتي معه، وهو بداية رزقه في هذا العالم وتسمى (نقوط)، وهناك أيضاً الهدايا النقدية التي تقدم للعرسان الجدد في الأعراس، وقد جرت العادة على أن يقوم المعازيم بتقديم مبلغ مالي للعروسين يساعدهما على بدء مشوار الحياة، بدلاً من حيرتهم في اختيار الهدية المناسبة لهما، بحيث يتركان لهما الخيار لاختيار ما يناسبهما .
مازال الكثيرون يتعاملون مع المرأة على أنها قاصر ويفرضون وصايتهم عليها حتى إن كان ما يربطهم بها هو صلة الزمالة وحسب، هكذا تعبر ختام درويش "طالبة علم اجتماع" عن مدى استيائها من الطريقة التي يتبنى بها المجتمع الشرقي التعامل مع المال بالنسبة للمرأة، فالرجل الشرقي مازال ينظر إلى المرأة التي تصر على الدفع عنها وعنه على أنها مسترجلة، حتى وإن كان لا يقول هذا، لكنه يفكر في سره بهذه الطريقة، وتقول: "أتعامل مع الجميع من منطلق أفكاري التي أؤمن بها والتي تربيت عليها، وأستغرب أن الكثير من الفتيات تعتبرن تصرفاتي مهينة للشبان أحياناً عندما أصر على سداد قيمة مشتريات استهلاكية بسيطة، ومنهن فتيات من عائلتي، لكني أرى أن ما أقوم به هو الصحيح بما أني مستقلة وقادرة على تحمل مصاريفي فعلي رفض وصاية الرجل علي التي باتت أشبه بابتزاز اجتماعي تمارسه المرأة بحق الرجل حيث أصبحا متساويين في فرص العمل وفي الدخل أيضاً .
يخالفها عبدالحميد زكور "صاحب ورشة خياطة" الرأي معتبراً أن مجتمعنا كرم المرأة وجعلها في أفضل مكانة، فالرجل الشرقي تربى بالفطرة على التعامل مع المرأة بكل احترام، وأن يشعر بالمسؤولية تجاهها سواء كانت ابنة بلده أو زميلته في العمل أو قريبته أو أخته، وهذا يدل على التربية الراقية التي حصل عليها الرجل، فدائماً ما نتصور الرجل الراقي فقط هو من يفتح باب السيارة لزوجته ويقول: "لماذا نأخذ من "الإتيكيت" الجوانب التي تعجبنا ونحرّف تلك التي لا تتناسب مع اتجاهاتنا الفكرية، حتى في أرقى المجتمعات حضارياً، نجد الرجل الراقي هو الذي يدلل المرأة ويشعرها بأنها أميرة برفقته، وهذا هو النموذج الذي تفضله النساء برأيي، وكل ماعدا ذلك حول مساواة الرجل بالمرأة واعتبار إصراره على الدفع عوضاً عنها في حين مرافقتها لها تخلفاً أو نوعاً من الوصاية عليها ما هو إلا مجرد فلسفات لا علاقة لها بالواقع" .
ترى انتصار محمد "موظفة في عيادة تعويضات" أن "إتيكيت" التعامل بالمال بالنسبة للعلاقة بين الرجل والمرأة يعتبر أمراً نسبياً، فهناك بعض الصور التي تبدو غاية في السخف عندما يصر الرجل على أن يتولى هو مهمة الدفع عندما يكون بصحبة زوجته، ولا أحد غيرهما، وكلاهما يعلم أنه يدفع من مالها، وربما يأخذ المال منها ليدفع، وتقول: "أرى في تصرفات كهذه دلالة ذكورية لا معنى لها، فأنا رغم أني ابنة هذا الجيل إلا أني أفضل الرجل الذي يستحي من الاعتماد علي مادياً، ويدفع عني من ماله، ففي هذه الحالة أرى أنه يقدرني حقاً ويحترمني لأحترمه" .
وعن "إتيكيت" الهدايا النقدية التي تقدم في الأعراس يخبرنا أحمد بكو "موظف" عن عادات عائلته التي ينظر إليها بكثير من الاحترام، حيث جرت العادة في العائلة على أن يقوم الكبار بجمع مبلغ من المال للعروسين يساعدهما على بدء مشوار الحياة، ويقول: "كوني شاباً" مقبلاً على الزواج أدرك ما معنى أن تقوم العائلة بحمل عبء كبير عن أبنائها بتبني عادة كهذه، فمن المعيب طبعاً أن يطلب العروسان من المقربين أن يستبدلوا الهدايا بالهدايا النقدية؟ وهذا ما قام به بالفعل صديقي وعروسه متجاوزين مشاعر الحرج؟ لأنهما قررا أن يكونا عمليين ويتخلصا من حرج تلقي الهدايا غير المرغوب بها، أما بالنسبة لي فمن الصعب أن أقوم بهذا، لذا أنا أحمد الله أن عائلتي تتكفل بهذا الأمر .
عادات
بحسب طارق الشميري خبير "إتيكيت" وبروتوكول دولي فإن العادة جرت على أن الرجل هو من يجب أن يتولى أمر دفع الفاتورة سواء في المطعم أو في أي مكان، لكن في حال كانت المرأة هي صاحبة الدعوة فعلى الآخرين احترام دعوتها وترك أمر الدفع لها، ويوضح أن العادات والتقاليد كانت مبنية وفقاً للحالة الاجتماعية السائدة قديماً بالنسبة للمرأة كونها لم تكن تعمل، ولم يكن لها مصدر دخل خاص بها، لكن اليوم أصبح للمرأة مكانتها الخاصة والمرموقة، وأصبحت تقود في مجتمعها، ووفقاً للتغيرات التي طرأت على الحياة علينا أن نعود إلى القاعدة الأساسية في "الإتيكيت" والتي تبني قواعدها وقوانينها وفقاً للرقعة الجغرافية والتقاليد التي تسود فيها، وتبعاً للتغيرات التي طرأت على صورة المرأة، لم يعد معيباً أن تقوم بالدفع، وينوه أنه في بعض الحالات يفضل الرجل أن يدفع عندما يكون برفقة زوجته عندما يكون هناك تعامل مع رجل غريب، كالنادل في المطعم، أو موظف المبيعات في المحل، وفي هذه الحالة يكون تصرف الرجل مبنياً على احترام زوجته وتقديرها لوجود رجل معها .
أما فيما يخص الهدايا النقدية و"إتيكيت" التعامل بها، فيقول: "جرت العادة أن تقدم هذه الهدايا في الأعياد للأطفال الصغار وللأمهات والزوجات والأخوات، ويفضل أن تقدم ضمن مغلف جميل وأنيق وأن تكون جديدة بالنسبة للصغار - خاصة - لأنهم يفرحون بها بهذا الشكل، أما بالنسبة للمناسبات الأخرى التي تقدم فيها الهدايا النقدية، فمنها الولادة التي يقوم بها الناس بوضع مبلغ من المال في مغلف ويضعونه إلى جانب المولود عند رؤيته، وينبه على ضرورة ألا يتحدث الشخص عن المبلغ الذي وضعه، حيث يفضل أن يضعه بلطف من دون أن ينبه الأبوين إلى هديته المادية، ويضيف أن الهدايا النقدية تقدم في الأعراس أيضاً حيث تعتبر نوعاً من التكافل الاجتماعي، مع العلم أنها تتحول إلى ساحة للتباهي عندما يُعلن عن المبالغ التي قدمها كل من المعازيم للعروسين، وهذا يفتح المجال لإحراج الكثيرين إذا كانت قدراتهم محدودة، لهذا يفضل وضع المبلغ في مغلف وتقديمه للعروسين دون الإفصاح عنه .