علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن التفاؤل والأمل سلاح المسلم في كل وقت، لكي يعمل وينتج ويصلح ويغير الواقع الذي يعيش أو يحيط به إلى الأفضل . فالمسلم الحق لا يعرف الاستسلام لليأس ولا يمكن أن يسيطر عليه الإحباط، وهو مطالب شرعاً بأن يعيش حياته بحلوها ومرها، وأن يواجه كل التحديات ويتعامل مع كل الأزمات بروح قتالية واثقة في نصر الله عز وجل، متفائلة بمستقبل أفضل، راضية قانعة بكل ما يقدره الخالق سبحانه وتعالى .

والتوازن الذي يتعلمه المسلم من توجيهات وسلوك نبيه الكريم يفرض عليه أن يعبد ربه بكل إخلاص، وأن يعمل ويكد ويكافح بكل جدية، ليحقق مطالبه وحاجاته وحاجات أسرته المادية، ثم هو يعيش على التفاؤل والأمل، يبتسم ويضحك ويدخل الفرح والسرور على نفسه ونفوس أولاده وكل المحيطين به، كما يحزن ويتألم لما يشاهده من مآسٍ وحروب وإهدار لنعم الله .

المفكر الإسلامي د . محمود حمدي زقزوق الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر وعضو هيئة كبار العلماء يؤكد أن المسلم الذي يتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بشوش متعاون ودود، يتعامل مع الناس بروح مرحة، ونفس راضية مطمئنة، هدفه الأسمى أن يلتقي ويتعاون ويتواصل مع كل خلق الله بتسامح ورحمة، حتى ولو كانوا مخالفين له في العقيدة، ومختلفين معه في الطباع والعادات والتقاليد، وهو في كل ذلك يدرك معنى قول الحق سبحانه: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا .

هذا التعارف الذي حث عليه الإسلام ورفع شعاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان لدى المسلم استعداد نفسي وتقبل للآخرين .

البشاشة . . سلوك نبوي

وهنا يؤكد د . زقزوق أن البشاشة أو الابتسامة التي ترتسم على الوجه من شأنها أن تفتح الباب إلى هذا التعارف المأمول والتجاوب المنشود . أما إذا حل العبوس والتجهم محل الابتسام فإن ذلك يعد إغلاقاً لباب التعارف وسداً لفرص التجاوب . والتعارف الذي من شأنه أن يؤدي إلى التفاهم كما علمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو القائل في الحديث الشريف: الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف .

كما يحثنا صلى الله عليه وسلم على الابتسام والبشاشة في وجوه الآخرين لما لذلك من أثر بالغ الأهمية في النفوس، وغرس لأواصر الألفة في القلوب ولذلك يقول: تبسمك في وجه أخيك صدقة، كما يقول: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقي أخاك بوجه طلق أي: بوجه بشوش .

والمسلم الذي يتخذ الرسول الكريم أسوة حسنة له يدرك أن البشاشة في وجه الآخرين تعني الانفتاح عليهم واحترام آدميتهم، فضلاً عن أن المسلم البشوش المتفائل الذي يحسن استقبال الآخرين والتواصل معهم له أجره على ذلك عند الله سبحانه وتعالى .

أما الوجه الآخر فإنه يتمثل في العبوس والتجهم وتصنع الجدية، والبعض يفعل ذلك ظناً منه أنه من قبيل تقوى الله والوقار المصاحب لذلك . والواقع أنه بهذا التجهم والعبوس يسيء إلى نفسه، لأنه بذلك يتسبب في نفور الناس منه، ويسيء إلى الآخرين، لأن مجرد رؤيتهم للوجه العابس المتجهم تصيبهم بشيء من الكآبة، التي تعكر عليهم صفو يومهم وتصدهم عن العمل وتصرفهم عنه، وربما تسري عدوى هذا العبوس إليهم فيتعاملون مع الآخرين على هذا النحو السلبي الذي يقطع أوصال العلاقات بين الناس ويؤثر سلباً في المجتمع بأسره .

أضحك الناس وأطيبهم نفساً

ولم يعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان عابساً متجهماً، بل على العكس من ذلك . فالأحاديث التي يرويها أصحابه عنه صلى الله عليه وسلم تؤكد أنه كان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم، وكان لا يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه، وكان دائم البشر سهل الخلق، لين الجانب . ويروي أنس بن مالك أنه خدم النبي عشر سنين فما عبس النبي في وجهه أبدا . وتروي السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيته ألين الناس، بساماً ضحاكاً . وكان يحنو على الكبير والصغير، وقد رآه أحد الصحابة (الأقرع بين حابس) يقبل الحسين فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً . فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من لا يرحم لا يُرحم .

ويروى عن أبو الدرداء أنه لم يكن يحدّث حديثاً إلا تبسم . ويقول أبو أمامة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان من أضحك الناس وأطيبهم نفساً .

ويطول بنا الحديث لو تتبعنا سيرته عليه الصلاة والسلام مع كل من تعامل معه من أصحابه أو أهل بيته . حيث كان صلى الله عليه وسلم يكره العبوس والتجهم وتصنع الجدية . فالحياة مهما امتلأت بالصعوبات والمشقات فإن الأمل والبشر والابتسام تساعد على تجاوز العقبات وتخطي الصعاب وإيجاد الحلول للمشكلات .

وهنا يتضح لنا خطأ بعض المتدينين الذين يعتقدون أن الالتزام الديني يفرض عليهم العيش دائماً في الهموم والأحزان والتفكير الدائم في الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة والسخط على كل ما يرونه من خروج على منهج الله أو تجاوزات سلوكية وأخلاقية لدى الآخرين .

فالإسلام لا يريد من المسلم أن يعيش دائماً في الأحزان والهموم، ويطالبه بأن يطلق الابتسامة والبشاشة لمواجهة آلامه وأحزانه وما يحيط به من تجاوزات أو مخالفات لمنهج الله .

قيمة إسلامية

العالم الأزهري د . بكر زكي عوض عميد كلية أصول الدين بالأزهر يؤكد أن الأمل قيمة إسلامية لا يمكن أن يعيش الإنسان من دونها، فمن دون الأمل في حياة أفضل وأرقى لن يعمل أحد، ولن يتعلم أحد، ومن دون الأمل في تكوين أسرة مستقرة وإنجاب أولاد ينعم الإنسان بينهم بالبر والإحسان فلن يتزوج أحد، ومن دون الأمل في تغيير الواقع المؤلم الذي نعيشه فلن يتحرك أحد نحو الإصلاح والتوجيه والتقويم .

ومن هنا فلا حياة بلا أمل، فالأمل هو الذي يجعل الإنسان يحب الحياة ويعمل من أجلها لخير نفسه وخير مجتمعه .

ويضيف: رسولنا الكريم غرس الأمل في نفوس كل الناس، وحارب اليأس والإحباط بكل الوسائل، ولذا لا ينبغي أن يتسرب القنوط إلى نفس المسلم: إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، وحتى المذنبين العاصين الذين أسرفوا على أنفسهم يفتح الله أمامهم باب التوبة على مصراعيه فالله سبحانه وتعالى يقول: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم، وزيادة في مد حبال الأمل لمن يتسرب اليأس إلى قلوبهم يعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان من شأنه أن يخطئ، والخطأ في حد ذاته ليس عيباً، ولكن الإصرار على الخطأ هو الذي يبعد الإنسان عن الله فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .

وتشجيعاً للإنسان المخطئ أو المذنب على التوبة وعدم اليأس من رحمة الله، يخبرنا الله عز وجل في كتابه بأن الله يحب التوابين، ويخبرنا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بأن الله يفرح بتوبة عبده، وهذا كله يؤكد لنا أن باب الأمل مفتوح ولا يغلق في وجه إنسان .

ويوضح د . بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا دائماً إلى التفاؤل ويحثنا على التعلق بالحياة، والحرص على تعميرها ونشر الخير فيها، ولن يتحقق ذلك إلا بالأمل والرغبة في العمل، والإصرار على العطاء، وهذا كله واضح من توجيهه الكريم: إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل .

وهنا يؤكد عميد كليه أصول الدين بالأزهر ضرورة تسليح الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين بقيمة الأمل الذي أصبح ضرورة حتمية الآن لمواجهة الإحباط واليأس الذي يسيطر على نفوس الكثيرين منهم، لما يرونه في مجتمعاتهم من فساد وانحراف وإهدار للمال العام وانتشار الوساطة والمحسوبية، وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تسيطر على نفوس الشباب في معظم المجتمعات العربية والإسلامية .

ويوضح أن مواجهة الشعور بالإحباط لا يكون بالدعوة إلى التفاؤل والعمل والإنتاج والمزيد من العلم والبحث والتضحية فقط، بل الأهم من ذلك هو مقاومة بواعث الإحباط واليأس، فلا بد من إعلان الحرب على الفساد بكل أشكاله في مجتمعاتنا، وأن تمتد يد العدالة لتقتص من المفسدين والمنحرفين الذين اعتدوا على حقوقنا وزرعوا اليأس والإحباط وعدم الأمل في الإصلاح في نفوس الجميع .

تربية نفسية

ويعود د . زقزوق ليحذر هو الآخر من سيطرة مشاعر اليأس والإحباط على نفوس شبابنا ويقول: هؤلاء الشباب هم المنوط بهم صناعة مستقبلنا والدفاع عن وجودنا، وحماية مصالحنا، والارتقاء بواقعنا، وتحقيق النهضة المنشودة، ولذلك يجب أن تبذل كل الجهود لغرس قيمة الأمل في حياتهم، فالمحبط واليائس لن يعمل ولن ينتج، بل سيتحول إلى وسيلة هدم وتدمير للمجتمع، وهذا ما نراه بالفعل في سلوك الشباب الذي يلجأ إلى العنف، فالدراسة الموضوعية لأحوال هؤلاء الشباب النفسية والاجتماعية تؤكد أن الذي دفعهم إلى ذلك هو الإحباط واليأس، فلا أمل عند هؤلاء في إصلاح أو حياة آمنة مستقرة، ومع الاعتراف بأنهم وقعوا في براثن جماعات وفئات ضالة زرعت اليأس والإحباط في نفوسهم إلا أنه يجب الاعتراف أيضاً بأن الأجواء المحيطة بهم محبطة ولا توفر القدر المطلوب من الثقة .

واجبنا إذاً أن نقنع هؤلاء الشباب بأن الإسلام دعوة إلى التفاؤل والبهجة والسرور، وأن الذين يعتقدون أنهم يتقربون إلى الله بالتجهم والعبوس وحرمان النفس من الترفيه المباح واللهو المرغوب للتخفيف عن النفس، مخطئون، فالإسلام دين بهجة وتفاؤل وسعادة، ورسالة حب ومودة إلى القلوب .

علينا جميعاً أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعرف عنه أبداً أنه كان عابساً متجهماً، بل كان بشوشاً مبتسماً يعرف كيف يكسب ود واحترام كل المتعاملين معه بابتسامته الرقيقة ووجهه البشوش وحسن التعامل مع الناس .