يوسف أبو لوز

استلهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، فكرة علم عروض الشعر من إيقاع دقدقة مطارق الصفارين «صناع أواني النحاس»، حين كان يمر بسوقهم، فيسمع إيقاعاتهم المميزة، غير أن وراء المطرقة وإيقاعها كانت اللغة، وكان النحو، فالفراهيدي مخترع الأوزان والبحور واشتقاقاتها العلمية، التي تبدو أحياناً مركبة أو معقدة، كان عالماً نحوياً لغوياً، وصانع معاجم «معجم العين» الذي صنف فيه الحروف بالترتيب بدءاً من آخر الحلق «حرف العين» الذي يقع في آخر الفم أو في عمقه، وحتى إضمامة الشفتين «حرف الميم»، وكان الفراهيدي موسيقياً «اخترع علم الموسيقى العربية، وجمع فيه أصناف النغم».
في هذه المادة التي تتقصى ظاهرة الانتشار الواسع للتفعيلات العروضية، يكاد لا يخرج عليها الشعراء الجدد «شعراء التفعيلة»، نعتمد بشكل رئيسي على كتاب نادر في غاية الأهمية العلمية للدكتور عبد العزيز عتيق، بعنوان «علم العروض والقافية» صدر في بيروت، من دون تحديد سنة النشر، ولكنّ الكتاب يشي بأنه من عناوين ستينات القرن العشرين، وربما خمسيناته، وهو مجموعة محاضرات في علم العروض والقافية ألقاها د.عتيق على طلبة الصف الأول في قسم اللغة العربية في جامعة بيروت العربية.

يبدأ د.عتيق بمعلومة مهمة، قد تكون غائبة عن الكثيرين وبخاصة الشعراء، وهي أن العرب عرفوا بالفطرة والسليقة أوزان الشعر قبل الفراهيدي، غير أنها، لم تكن لها قواعد وأسس علمية إيقاعية صوتية، كالتي وضعها الفراهيدي، لا بل إن العرب عرفت بالفطرة والسليقة، أيضاً، حركات الرفع والنصب والجر، قبل علماء النحو. يقول د.عتيق «ينبغي ألّا يُفهم من وضع الخليل لعلم العروض أن العرب لم تكن تعرف أوزان الشعر من قبل، فالواقع أنهم كانوا قبل وضع علم العروض على علم بأوزان الشعر العربي وبحوره على تباينها، وإن لم تكن تعرفها بالأسماء التي وضعها الخليل لها، في ما بعد، وما أشبه علمها بذلك بعلمها بالإعراب في الكلام، حين كانوا على سليقة، يرفعون وينصبون أو يجرون ما حقه الرفع أو النصب أو الجر، من دون علم بما وضعه النحاة في ما بعد من مصطلحات الإعراب وقواعده».
أكثر من ذلك كان الشاعر العربي، قبل الفراهيدي، يعرف بسليقته إن كان الوزن مكسوراً أو فيه علة وزنية، يضيف د.عتيق «كذلك كانوا بذوقهم وسليقتهم يدركون ما يعتور الأوزان المختلفة من زحافات وعلل، وإن لم يعطوها أسماء ومصطلحات خاصة كما فعل العروضيون».
كما يقرر د.عتيق حقيقة، وهي: «إذا كان الخليل بن أحمد غير مسبوق في وضع علم العروض، فإن أبا عمرو بن العلاء قد سبقه في الكلام عن القوافي وقواعدها ووضع لها أسماء ومصطلحات»، وأياً كانت الأسبقية، فإن تلك الجهود أثمرت علماً واسعاً هو «علم العروض» ببحوره وقوافيه وتفعيلاته، وما يتبعها من «أسباب وأوتاد»، وهي المقاطع التي تتألف منها التفعيلة الواحدة، فالسبب هو المقطع القصير، إما أن يتألف من حركة وسكون، فيسمى سبباً خفيفاً، أو من حركتين، فيسمى سبباً ثقيلاً، والوتد هو المقطع الطويل، فإن تألف من حركتين وسكون، سمي وتداً مجموعاً، وإن تألف من حركة فسكون فحركة، سمي وتداً مفروقاً، وأياً كانت الأسبقية للعرب الفطريين السليقيين أو للعلماء الباحثين المتقصين للظواهر الصوتية والإيقاعية في الشعر العربي، فإننا في علم العروض في قلب بحر حقيقي من البحث والقراءة والاستنتاج لمكونات التفعيلة بشكل خاص، والتفعيلة هي الوحدة الوزنية الأولى والأصيلة التي يقوم عليها البحر، ومن التفعيلة تحديداً يمكن أن نلج إلى الظاهرة الإيقاعية في الشعر العربي الحديث، منذ الرواد «السياب، الملائكة، البياتي، عبدالصبور، حجازي» وحتى اليوم.
يمكن القول، ومن خلال خريطة شعر التفعيلة، وبشكل خاص شعر السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، إن تفعيلة «فعِلن، فعْلن» من التفعيلات الشائدة في الشعر الحديث، وهي من بحر المتدارك، أي البحر السادس عشر، وسمي ب «المتدارك» لأن واضعه أو مكتشفه هو الأخفش (الأخفش لقب اشتهر به أحد عشر عالماً من النحويين)، فأي منهم هو من وضع بحر المتدارك؟ والأغلب أنه الأخفش الذي تتلمذ على الخليل بن أحمد الفراهيدي أو عاصره (توفي سنة ١٦٠ أو ١٧٠ هجرية)، الفراهيدي ولد ١٠٠ هجرية، وتوفي ١٧٣هجرية، والمهم أن بحر المتدارك سمي المتدارك، لأن الأخفش تدارك به البحور الخمسة عشر التي وضعها الفراهيدي، كما تقول مصادر التراث الشعري العربي.
من التفعيلات السائدة في الشعر الحديث أيضاً، تفعيلة متفاعلن، من البحر الكامل، كما يستعمل بعض الشعراء تفعيلة فاعلاتن، وهناك شعراء إيقاعيون أو منبريون يلجأون إلى (مفاعلتن) من البحر الوافر، وبشكل عام، يدور أغلب شعر التفعيلة في فترة إيقاعية منه في فلك تفعيلتين أو ثلاث، والباقي تفعيلات مهجورة إن أمكن القول، وحتى في تاريخ الشعر العربي كان البحر الطويل (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن) هو الأكثر استخداماً في الجاهلية وصدر الإسلام، وفي الزمنين، الأموي والعباسي، واستخدم شعراء تلك الفترة الزمنية أيضاً البحر الكامل (متفاعلن متفاعلن متفاعلن)، كما استخدم بحر الرمل (فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن)، واستخدم كثيراً بحر البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن)، كما استخدم بحر الخفيف (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن)، وبالطبع مع صور هذه التفعيلات وتغيرات مقاطعها مع الحفاظ على هوية البحر، ولكن مقابل هذه البحور المستعملة كثيراً في ذروة صعود القصيدة العمودية الخليلية، كانت هناك بحور قليلة الاستعمال بل نادرة الاستعمال، وتبدو بحوراً مهجورة، مثل بحر المضارع، وبحر المقتضب، وبحر المجتث، وبحر المنسرح.
أريد القول إن استعمال بحور بعينها وإهمال بحور أخرى بعينها، أمر موجود وقديم في شعر العمود الخليلي، وعليه فإن استعمال تفعيلات بعينها وإهمال أخرى بعينها أمر موجود طبيعي في شعر التفعيلة، ولكنْ، قبل أن نذهب إلى توضيح هذا الأمر تطبيقياً من المهم الإشارة إلى أن د. عبدالعزيز عتيق، قد قسم الدوائر العروضية إلى خمس دوائر، والدوائر العروضية كما جاء بحسب د.عتيق «اصطلاح أطلقه الخليل بن أحمد على عدد معين من البحر يجمع بينها التشابه في المقاطع، أي الأسباب والأوتاد.. والدوائر العروضية الخمس، بحسب الفراهيدي هي: أولاً: دائرة المختلف وتشتمل على ثلاثة أبحر هي الطويل والمديد والبسيط، ثانياً: دائرة المؤتلف وتشتمل على بحرين هما: الوافر والكامل، ثالثاً: دائرة المجتلب، وتشتمل على ثلاثة أبحر هي: الهزج، والرجز، والرمل، رابعاً: دائرة المشتبه، وتشتمل على ستة أبحر هي السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث، خامساً: دائرة المتفق وتشتمل على بحرين هما: المتقارب والمتدارك.
إن من المهم استيعاب هذه الدوائر التي تقوم في الأساس على تفعيلات كي نحاول إن أمكن ذلك إرجاع طبيعة التفعيلة إلى طبيعة الشاعر النفسية، إذا جاز القول، وإلى طبيعة النص الشعري، وبالتالي نفهم لماذا يتوجه شاعر إلى تفعيلة (ما) ويكررها أو يكرر نصوصه عليها.
اجتهد في القول؛ أن ثمة رابطاً بين الحالة النفسية المحيطة بالشاعر وبين نصه الشعري أثناء الكتابة، وسوف تنعكس هذه الحالة النفسية في اختيار التفعيلة التي تجري عليها القصيدة، وعلى سبيل المثال لم يكن لجرير أن يختار تفعيلة غير (متفاعلن)، وهو يرثي زوجته قائلاً:
لولا الحياء لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولا يمكن لشاعر أن يستسيغ تفعيلة (راقصة) (سريعة) (خفيفة) مثل (فعلن أو فعلن) من المتدارك أو الخبب أو المتقارب، إذا كان موضوع قصيدته الرثاء على سبيل المثال، كما لا يستسيغ شاعر تفعيلة من هذه البحور ذات الحركات المتقاربة التي تصلح للغناء أو الموسيقى، إذا كان يرثي أو يهجر أو يبكي على طلل أو على أهل أو على مدينة، إذن، تلتقي التفعيلة مع الحزن أو الفرح أو الكآبة أو التأمل أو الحنين، وبهذا المعنى، فإن تفعيلة مثل (متفاعلن) تبدو شعورياً ثقيلة، فيما تبدو تفعيلة مثل (فعلن) خفيفة.
هل يشكل كل ما مضى في هذه المادة مدخلاً لقراءة اجتهادية في بعض النصوص الشعرية الواقعة في تفعيلات في حد ذاتها؟ فلتكن هذه المحاولة أو ليكن هذا الاجتهاد.
تستحوذ تفعيلة (فعلن) على حوالي ٨٠٪ من مجموعتين للشاعر عبدالوهاب البياتي، تشكلان نقلة حيوية حرة في تجربته الشعرية هما مجموعة (قمر شيراز) ومجموعة (بستان عائشة) فهو يقول في قصيدة «أولد وأحترق بجي»:
تستيقظ (لارا) في ذاكرتي: قطاً تترياً
يتربص بي يتمطى، يتثاءب، يخدش وجهي
المحموم ويحرمني النوم. أراها في قاع جحيم
المدن القبطية تشنقني بضفائرها وتعلقني
مثل الأرنب فوق الحائط مشدوداً في خيط دموعي
نلاحظ هنا أن هذه التفعيلة السريعة المتتابعة تساعد على إعطاء الشاعر حرية ملحوظة في السرد والاستطراد والتداعيات اللغوية كأن القصيدة تجري كالنهر، وتسود مثل هذه التفعيلات القصيرة السريعة أيضاً في ما يسمى القصائد المدورة، ونقرأ أمثلة كثيرة لذلك في مجموعة «زيارة السيدة السومرية» للشاعر العراقي حسب الشيخ جعفر، غير أن القصيدة المدورة، يمكن أن تجري على أي تفعيلة (فاعلن) مثلاً، والمهم في بنائها هو النفس الطويل للشاعر، وقدرته على تحويل ما هو غنائي إلى ما هو درامي بمتواليات شعرية واسعة ومفتوحة.
أما تفعيلة (مستفعلن) بصورها، التي تدخل في إيقاع عدة بحور: البسيط، والرجز والخفيف، فقد شاعت كثيراً في الخمسينات من القرن العشرين، عندما ظهرت قصيدة التفعيلة، خاصة عند الرائد بدر شاكر السياب في قصيدته المعروفة «أنشودة المطرد» التي تقوم على هذه التفعيلة، يقول:
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الأضواء.. كالأقمار في نهر
يرجه المجداف وهناً ساعة السحر
أما في السبعينات والثمانينات فأخذ ما يقارب ٩٠٪ من الشعراء العرب يكتبون على تفعيلة (فاعلن)، خاصة الشاعر محمود درويش في «الجدارية»، وفي «لماذا تركت الحصان وحيداً» وفي «محاولة رقم ٧» وفي «أثر الفراشة»، وهي مجموعات تشكل ذروته الشعرية، بعد خطابيته المباشرة في «سجل أنا عربي»، فقد وقعت هذه المجموعات كلها، أسيرة مكررة عنده، هي «فاعلن» أو «فعولن» والصور الراشحة عنهما، ولم يكن درويش وحده من استخدم بكثرة هذه التفعيلتين، فهناك العشرات من الشعراء العرب البارزين في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، كتبوا على إيقاعات (فاعلن) أو (فعولن) أو (فعلن)، وقد يعود ذلك إلى تموضع هذه التفعيلات إيقاعياً ونفسياً وعروضياً في مرحلة شعرية اقتربت فيها الأصوات الشعرية بعضها من بعض. أضف إلى ذلك طبيعة مرحلة الثمانينات والتسعينات من حيث الإيقاع العام.. الإيقاع السياسي والاجتماعي، وبالتالي الإيقاع الشعري، ففي العام ١٩٨٧ اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وكان ولا يزال يوم الأرض بعثاً على أمل متجدد في الروح الوطنية الفلسطينية، وفي هذه المناخات المشبعة بالأمل والبطولة، كتب محمود درويش قصيدته المعروفة «قصيدة الأرض» القائمة على (فاعلن) و(فَعِلن):
«في شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارها الدموية
في شهر آذار مرت أمام البنفسج والبندقية خمس بنات
وقفن على باب مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلدي
افتتحن نشيد التراب، دخلن العناق النهائي».
وعلى هذا الوزن أيضاً سارت قصيدة «لا تصالح» للشاعر المصري أمل دنقل، وهي «احتجاج» إبداعي على زيارة الرئيس المصري السابق، محمد أنور السادات، للكيان الصهيوني، وبنائه علاقات صلح معه، كانت محل رفض شعبي عربي واسع، ومن «لا تصالح» هذا المقطع:
«لا تصالح،
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى؟
هي أشياء لا تُشترى»
أما الشاعر اللبناني خليل حاوي، فقد أكثر من استعمال تفعيلة (فاعلاتن)، في مجموعات شعرية له منها «نهر الرماد» و«الناي والريح»، ومن اللافت إكثاره منها، فهي تفعيلة تتسم بالبطء والتمهل، وهي تتيح أيضاً نوعاً من التأمل، وتتلاءم طبيعتها مع الرثاء، وهذا مثال على استعمال خليل حاوي ل (فاعلاتن) المنتشرة كثيراً في شعره:
«إن في وجهك بعض الشبه
من وجه صديق
فلأكن ذاك الصديق
كنت أمشي معه في درب «سوهو»
وهو يمشي وحده في لا مكان
وجهه أعتق من وجهي.. ولكن
ليس فيه أثر الحمى
وتحفير الزمان... »
إن مجرى الشاعر على تفعيلة بعينها واستخدامها على نحو مكرر، يطبع تجربته الشعرية بنوع من الإيقاعية الواحدة أو الإيقاعية المكررة (مثل تجربة خليل حاوي)، وللنفاذ من هذا الحزام الإيقاعي أو الوزني، يذهب الشاعر إلى التنويع على تفعيلات متعددة، ولكن ما من تجربة شعرية استطاعت اختراق التفعيلات الخمس (وربما الدوائر الخمس)، كما أن، ما من شاعر إلّا وله شغفه وميله النفسي والإيقاعي إلى تفعيلات بعينها، تصبح مع الزمن هذه التفعيلات هويته الموسيقية، التي تميزه عن غيره من الشعراء.