وجدت من خلال قراءة أكثر من أربعين كتاباً، آراءً وأفكاراً لنقاد وكتّاب ومفكرين تربط الشعر بالفكر، والفلسفة، والموسيقى، وهناك رؤى تقارب بين الشعر والإنشاد، والصوفية، والميتافيزيقا، والعلم، والأخلاق، والطبيعة، والتراجيديا، واللذة، والقلق، والكآبة.
حقل واسع؛ بل مترامي الأطراف والجهات، ذلك الذي يخوض فيه كل من يريد البحث عن العلاقة بين الشعر والحب، الشعر والموت، الشعر والقوة والحرب والسلام، الشعر والجنس، الشعر والندم، الشعر والخوف، الشعر والجنون.
لا يقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد انشغل مفكرون وفلاسفة وجماليون ولغويون بأفكار أخرى من مثل الشعر والنظم، الشعر والنثر، اجتماعية الشعر، التخييل، الوزن، الإيقاع، والصورة الشعرية.
بعض آراء الفلاسفة والمفكرين والنقاد وحتى الشعراء تلتقي عند نقاط محددة، وبعضها تتنافر، وتتباعد، الأمر الذي يبعث على خصوبة وغنى الحوار بين كتلة هذه الأفكار وصنّاعها أو منتجيها، وهذا أمر صحي وطبيعي جداً، فالشعر، في الأصل هو إبداع، وليس اتباع، والشعر ليس معادلة رياضية ناجزة النتيجة، ولأن الشعر يتبع دوماً شهوة الاختلاف والتجدد. فمن الطبيعي أن يختلف أو يتفق عليه الكتّاب والنقاد وحتى المفكرون.. وهذا هو سرّ مجد الشعر وتاريخيته، وسر اعتباريته الاجتماعية والثقافية، هذه الاعتبارية التي رفعته إلى درجة «ديوان العرب».
(١)
يتحدث الناقد د. كمال أبو ديب، مطولاً عن مفهوم «الشعرية» في كتابه «في الشعرية»، 1987، ويضع أبو ديب الذي ينطلق في مفردته النقدية من التراث الشعري العربي القديم.. أكثر من تعريف ل«الشعرية»، لكي يميزها جيداً، بل، لكي يبعدها تماماً عن ذلك المفهوم السطحي المتداول وهو «الشاعرية»، أبو ديب يعتبر أن «الشعرية» هي «حركة استقطابية، بمعنى أنها فاعلية تنتزع من سديم التجربة واللغة مادة لا متجانسة..».
يشير كمال أبو ديب إلى نقطة على درجة عالية من الأهمية، عندما يقرر أن نسبة ورود الصورة الشعرية في قصيدة النثر، أعلى بمرات من ورودها في قصيدة التفعيلة، وفي رأيي ربما يعود ذلك إلى تحرر قصيدة النثر الكلي من الوزن والتفعيلة.
إن موضوع «الصورة الشعرية»، أخذ الكثير من الوقت والكثير من التفكير والاجتهاد عند عشرات النقاد العرب، ومنهم من أرجع «الصورة» إلى مقولات صدرت عن أدباء عرب قدماء أو لنقل «تراثيين»، ولكن هؤلاء التراثيين امتلكوا وعياً متقدماً حيال الشعر وثقافته و«صناعته» مثل «حازم القرطاجني» الذي يأخذ عنه جابر عصفور الذي يفترض في كتابه «مفهوم الشعر»، 1982، أن يكون ما سماه «علم الشعر» فرعاً مستقلاً من فروع المعرفة، وبصدد أخذه عن حازم القرطاجني يقول د. عصفور في الكتاب نفسه: «يؤمن حازم أن الطبع أمر لازم للشعر»، ولكن الشعر بحسب رأي عصفور في مقابل رأي القرطاجني «ليس مجرد طبع فحسب، وإنما هو معرفة بمجموعة من القوانين الأساسية تشكل ما يسمى العلم بالشعر».
اعتبار الشعر علماً أو فرعاً من فروع المعرفة كما يرى د. عصفور، لا نجده مطلقاً عند نازك الملائكة في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» طبعة 1981، فهي تأخذ في الاعتبار قضايا من مثل (الموسيقى)، (الغنائية)، كما تركز على مصطلح (الشعر الحرّ) الذي تراه لا يصلح للملاحم قط.. «لأن مثل تلك القصائد الطويلة ينبغي أن ترتكز إلى تنويع دائم لا في طول الأبيات العددي فحسب، وإنما في التفعيلات نفسها وإلا سئمها القارئ»، ولكن من الغريب حقاً أن تربط نازك الملائكة هذا «الربط القسري»، وغير المنطقي أبداً، بين النظم والشعر في قولها:
«الشعر ليس موهبة وحسب، وإنما هو نظم قبل ذلك..»
وقولها:
«النظم هو المرحلة الأولى في كل شعر».
لمناقشة هذين الرأيين يشار أولاً، وعلى نحو أساسي إلى أن النظم «نقيض» مباشر «للشعرية»، فالنظم مهارة عملية للشاعر الناظم أو النظّام في استخدام الوزن والقافية، وبشكل عام استخدامه لعروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، والوزن ضروري لقصيدتي: العمود والتفعيلة، ولكن الوزن لا يصدر عنه شعر، بل، الوزن هو مجرد نظام موسيقي عروضي إيقاعي يلتزم به الشاعر من أجل استقامة العمود الشعري.
الشعر، أيضاً ليس نظماً لأنه مركب من أكثر من عنصر: اللغة، الصورة، الحالة النفسية للشاعر، الظروف المحيطة به، انفعاله بالحدث الذي يكتب من داخله.. كل ذلك، وأكثر من ذلك يحيط بلحظة الكتابة، أما النظم فهو نشاط كتابي ميكانيكي يقوم فيه الشاعر ب«صبّ» اللغة أو «صَبّ» الكلام في قوالب الوزن.
الشعر المنظوم شعر بلا روح. شعر يخلو تماماً مما سماه كمال أبو ديب «فجوة التوتر». شعر جاهز ومصنوع، ولا يمكن أن يكون النظم هو المرحلة الأولى في كل شعر كما تقول نازك الملائكة إلاّ في حالة كتابة «قصيدة» ذهنية، اختلاقية، «قصيدة» خالية من حرارة الانفعال، وحرارة اللحظة التي كتبت فيها. أي أنها «قصيدة» باردة. جافة، منزوعة «الشعرية».
(٢)
كثيراً ما يعود نقاد الشعر والمشغولون بتاريخه ومصطلحاته إلى الأدباء القدامى الذين «فكروا» في الشعر، و«التفكير» في الشعر، أو التفكير بالشعر هو أول بوابات التنظير له، وأول البوابات المؤدية إلى «توليد» مصطلحاته.
النقاد القدامى، مثل، الجرجاني، والأصمعي، والجمحي هم الأساس في وضع نظريات ومصطلحات للشعر ليس على المستوى العربي، بل، وعلى المستوى العالمي، وفي كتابه «مفهوم الأدبية في التراث النقدي»، 1985، يشير الناقد توفيق الزيدي إلى خاصية أخرى في الشعر إضافة إلى رؤى النقاد القدامى، وهي علاقة الشعر بالقبيلة.. يقول في كتابه المذكور.. «هناك علاقة بين الشعر ووضعية القبيلة الجاهلية على مستواها السياسي والاجتماعي، فتغير ميزان القوى السياسية والاجتماعية يصبح مقياساً لجودة الشعر..»، أما الناقدة خالدة سعيد في كتابها «حركية الإبداع»، طبعة 1982، فتذهب إلى صوب آخر يتصل بالشاعر نفسه بعيداً عن موقعه في القبيلة الجاهلية. إنها تذهب إلى ما يشبه محنة الشاعر الوجودية، فهي ترى «أن الشاعر في ميله إلى نقل المجردات إلى مستوى المحسوس إنما يلجأ إلى ذلك من قبيل الكشف عن حدّ الألم الذي يستبد به ومقدار اللوعة التي تتولد عن التناقضات المتحكمة به..»، وتعتبر الدكتورة خالدة سعيد أن الشعر فعل تحرر، وفي فيلسوف شاعر، بل أكثر من ذلك إنه في كل عالم شاعر.
(٣)
في كتاب «ميتافيزيقا الفن عند شوبنهاور» 1983، نقترب أكثر من العلاقة بين الشعر والفلسفة والموسيقى، ويستند مؤلف الكتاب سعيد محمد توفيق إلى رأي شوبنهاور.. «.. إن الشعر يرتبط بالفلسفة كما ترتبط التجربة بالعلم التجريبي..»، ويرى توفيق أن العلاقة بين الشعر والموسيقى قديمة ويقول إن الشعر هو الذي يستطيع أن يداوي قصور الموسيقى ويكمل نقصها.. «.. لأن الكلمات تضفي على الموسيقى مزيداً من التحديد من خلال التصورات والأفكار التي تثيرها..».
في كتاب «نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين»، 1983، تأخذنا د. ألفت كمال الروبي، إلى علم قائم بذاته يتصل بالشعر، فنحن في حضرة كبار الفلاسفة: ابن رشد، الفارابي، ابن سينا الكندي وإخوان الصفا، أما المصطلحات التي أنجبها هؤلاء الفلاسفة فهي تقع في باب علم المنطق، وعلم اللغة، وعلم الشعر، ومن هذه المصطلحات كما وردت في كتاب د. الروبي «المتخيلة»، وهي القوة الباطنة الثالثة، وهي مرتبة التجويف الأوسط من الدماغ عند الفلاسفة المسلمين ما عدا الفارابي الذي يجعل مكانها القلب، ويسميها الكندي «المصوّ
رة» أو «الفنطاسيا» أو «التخييل»، وأحياناً «التوهم».
بحسب د. الروبي، فإن التخيل الشعري أو عملية الإبداع الشعري عند ابن سينا هي نوع من «الفيض» أو «الوحي» أو «الإلهام الغامض».. أما ما يذهل حقاً، فهو سبق ابن رشد لمفهوم الشعرية الذي ينسف تماماً ما أشارت إليه «نازك الملائكة» بقولها: إن النظم يسبق الشعر، هذه نقطة، والنقطة الثانية، إن كمال أبو ديب يتضح أنه ناقل عن ابن رشد في ما يتعلق بالتنظير لمفهوم «الشعرية»، فابن رشد، وبحسب د. الروبي.. يرى «أن كثيراً من الأقاويل الشعرية التي تسمى أشعاراً، ليس فيها من معنى الشعرية إلا الوزن فقط، إذ ليس ينبغي أن يسمى شعراً بالحقيقة على حدّ قوله.. أي قول ابن رشد - إلا ما جمع المحاكاة والوزن».
أما «إخوان الصفا»، وبحسب، د. الروبي فقد قاربوا بين قوانين الموسيقا، وأصول العروض، وهو ما أشرنا إليه قبل قليل، فإن د. الروبي: «يشير إخوان الصفا إلى مماثلة أصول العروض لقوانين الموسيقى، ذلك أن الأصول التي تتشكل على أساسها تفاعيل أو مقاطع الأشعار العربية وهي: السبب والوتد والفاصلة هي ذاتها التي تشكل جميع ما يتركب من النغمات والألحان في جميع اللغات، وهذه الأصول في كل من الشعر والموسيقى قوامها الحركة والسكون..».
(٤)
اقتطف أيضاً آراء أخرى من العقل الغربي أو الأجنبي كما يقال.. ولعل الشاعر الأمريكي «مس. إليوت» هو العقل الشعري الأبرز في هذا المجال هذا الشاعر المؤسس أو العراب ترك لشعراء العالم، كتاباً صغيراً ولكنه على درجة عالية من الأهمية هو «فائدة الشعر وفائدة النقد».. كتاب مشبع من أوله وحتى آخره بالأفكار حول الشعر، ولقد أخذت بعض المختارات منه في طبعة 1982، ولكن الغريب أن «إليوت» في هذا الكتاب يبدو غير مهتم جذرياً بعلاقة الشعر بالفلسفة أو الشعر بالصوفية مثلاً.. فهو، أي «إليوت» كان مشغولاً بوضع ما يشبه نظرية حديثة للشعر، وكان يتوجب عليه أن يفعل ذلك وفي تلك الحدود النظرية فقط، خصوصاً بعدما ملأت قصيدته «الأرض الخراب».. أرض الشعراء في أمريكا وأوروبا وامتد «صيت» هذه القصيدة إلى البقاع العربية.
الشعر، في مختبرات الفلاسفة والمفكرين والنقاد والصوفيين والحالمين والعشاق هو ماء ممزوج برائحة الفراديس.
الشعر يستدرج إلى الفكر، ويستدرج إلى التأمل، ويستدرج حتى إلى الإيمان، والتفكير فيه أو التفكير به طريق آخر إلى هدأة الروح، وطمأنينة النفس، وجمال الحياة.
الاستخفاف بالآخر
خصص الكاتب الانجليزي «كولن ولسون»، كتاباً عن الشعر والصوفية، والغريب هنا أن بعض الصوفيين العرب ستثور ثائرتهم على هذا الكتاب لأن صوفية «ولسون» لم تتطابق والصوفية العربية، أو قل، إن الصوفية الغربية تختلف عن الصوفية العربية أو الإسلامية، وبدل أن تتم مناقشة «ولسون» على هذه القاعدة، اكتفى بعض العرب بخطاب الشتيمة والاستخفاف بعقل الآخر.