كرّم الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل، وجعله العنصر الجوهري الذي يمتاز به الإنسان عن جميع الحيوانات، والذي به يدرك نفسه ويدرك الكون من حوله ويدرك خالقه . ومن هنا يعد العقل نعمة كبرى من نعم الله على الإنسان في هذا الوجود .
من أجل ذلك لا يجوز للإنسان أن يعطل العقل عن أداء وظيفته، مثلما لا يجوز له أن يعطل جارحة من الجوارح التي أنعم الله بها على الإنسان عن أداء وظيفتها مثل اليد والرجل والعين والسمع والشم . . الخ . فهذه كلها جوارح خلقها الله للإنسان ليؤدي كل منها وظيفة معينة، والعقل خلقه الله تعالى أيضا للإنسان ليؤدي وظيفة معينة، فتعطيله عن أداء وظيفته يعد تعطيلا لنعمة من نعم الله تعالى عن أداء وظيفتها .
ولهذا يعبر القرآن الكريم عن هؤلاء الذين يعطلون عقولهم عن التفكير بقوله: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ . ولو كانت الآية قد وقفت عند هذا الحد لكان في ذلك ظلم للأنعام، لأن الأنعام لا تعقل . ومن هنا كانت تكملة الآية: كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل، فهم أقل مرتبة من الحيوانات، لأن الإنسان الذي يعطل عقله عن التفكير هو إنسان قد تنازل عن إنسانيته، ومن هنا لا يستحق أن يطلق عليه وصف الإنسان .
والقرآن الكريم يخبرنا بأن عدم استخدام العقل يعد ذنباً من الذنوب التي سوف يسأل عنها الإنسان يوم القيامة . ومن هنا يشير القرآن الكريم إلى أن الكفار سوف يلومون أنفسهم يوم القيامة لأنهم لم يستخدموا عقولهم في الدنيا: وَقَالُوا لَوْ كُنا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنا فِي أَصْحَابِ السعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ .
ولهذا كانت دعوة القرآن الكريم للإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية دعوة صريحة لا تقبل التأويل . فالتفكير في الإسلام يعد واجبا دينيا وفريضة إسلامية . ولذلك قرر ابن رشد أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها، وذلك أخذا من الآيات القرآنية العديدة في هذا الشأن .
وإذا كانت ممارسة الوظائف العقلية تعد واجباً دينياً في الإسلام فإنها من ناحية أخرى تعد مسؤولية حتمية لا يستطيع الإنسان الفكاك منها، وسيحاسب على مدى حسن أو إساءة استخدامه لها مثلما يسأل عن استخدامه بقية وسائل الإدراك الحسية . وفي ذلك يقول القرآن الكريم: إِن السمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُل أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً .
ومن منطلق حرص الإسلام على ممارسة العقل وظائفه التي أرادها الله كان حرص الإسلام شديدا على إزالة كل العوائق التي تعوق العقل عن ممارسة نشاطاته . ومن أجل ذلك طالب بتحطيم هذه العوائق ليشق العقل طريقه للفهم الصحيح والتفكير السليم . ويتجلى لنا ذلك بوضوح من رفض الإسلام التبعية الفكرية والتقليد الأعمى .
إن الحرية الواعية هي الأساس الذي ترتكز عليه الأخلاق، ولو لم تكن هناك حرية لما أمكن أبدا تحديد المسؤولية، ولما كان هناك فعل يمكن أن نقول عنه إنه فعل خلقي، وفعل آخر نصفه بأنه فعل غير خلقي .
ولا نريد هنا أن ندخل في تفاصيل الخلاف العريض الذي ثار بين أصحاب الجبر وأصحاب الاختيار، ولكننا نود أن نلفت النظر فحسب إلى أن الله سبحانه وتعالى قد خلق نوعين من المخلوقات . أحدهما مسخر لا إرادة له ولا حرية ولا اختيار، وليس أمامه إلا الطاعة والامتثال، ويتمثل هذا النوع في كل مخلوقات الله عدا الإنسان .
أما النوع الثاني، وهو الإنسان، فإنه مخلوق مكلف، والتكليف مسؤولية، والمسؤولية لا تقوم إلا على دعامة من الحرية في الفعل أو الترك، كما يقول القرآن الكريم: فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ، ويترتب على ذلك قضية الثواب والعقاب .
وزير الأوقاف المصري الأسبق