تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام مرحلة من أسوأ مراحل تاريخها، إن لم تكن الأسوأ على الإطلاق، حيث تعصف بالمسلمين في الكثير من بلدان هذه الأمة رياح الفرقة والانقسام والتعصب الطائفي والمذهبي، وهذه الأوضاع المزرية وراءها أسباب كثيرة أهمها أن المسلمين ابتعدوا عن تعاليم دينهم الذي يأمرهم بالوحدة والاعتصام بحبله المتين، وتناسوا أنهم مستهدفون في عقيدتهم وأرضهم ووحدة صفهم، وهو الأمر الذي سهل لأعداء الإسلام تمرير مخططاتهم الخبيثة القائمة على قاعدة فرق تسد، وقد ركزت هذه المخططات على الخلافات المذهبية بين المسلمين . ومع أن المسلمين المختلفين مذهبياً يؤمنون بإله واحد، ورسولهم هو خاتم الأنبياء، ويتجهون إلى قبلة واحدة، وقرآنهم واحد، ويصلون ويصومون ويحجون معاً، ومع أن خلافاتهم تدور حول الفروع، فإن أعداءهم نجحوا في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي في إذكاء نار الفتنة، وتوسيع شقة الخلاف، حتى وصل الأمر بالمسلمين إلى حد استخدام السلاح بعضهم ضد بعض، وتكفير بعضهم بعضاً . وهذا الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمة يؤكد أهمية محاولات التقريب بين المذاهب الإسلامية، وهنا لا بد من التساؤل: ما مدى نجاح هذه المحاولات في رأب الصدع؟ وهل تكفي المؤتمرات والندوات للوصول إلى توحيد صف الأمة؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال التحقيق التالي:

يتميز الدين الإسلامي بمرونة تحببه إلى النفس البشرية، وإذا كان قد نسب إلى الإسلام ظلماً في بعض فترات من التاريخ أنه يدعو إلى الجمود فإن ذلك لم يكن للإسلام ذنب فيه وإنما بسبب بعض المسلمين الذين جمدوا وتحجروا فالتصقت التهمة بالإسلام . وهذا التجمد نشأ بين المذاهب الإسلامية التي تتشبث بآرائها ومعتقداتها ولم تكتف بذلك فقط، بل إنها تتعمد الإساءة إلى المذاهب الأخرى . من هنا تعددت جهود التقريب بين المذاهب الإسلامية في الفترة الأخيرة سواء عن طريق إقامة المؤتمرات والندوات أو بتبادل الزيارات بين وفود معظم الدول في محاولة للوصول إلى توحيد صف الأمة ونبذ الخلافات خاصة بعد المعارك الضارية التي تحدث مع الأسف بين أبناء الأمة الواحدة من السنة والشيعة .

السؤال هنا: هل نجحت تلك الجهود في التقريب بين المذاهب أم أنها أخفقت وساعدت على توسيع الهوة في ما بينها؟

معوقات

يقول د . مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية: بدأت جهود التقريب بين المذاهب منذ خمسين عاما على يد الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر رحمه الله حيث كان يمثل الجانب السني لكنها توقفت، أما ما يحدث هذه الأيام من مؤتمرات فلم ترق إلى المستوى المطلوب .

فرق تسد

ويضيف أن هناك معوقات أمام التقريب بين المذاهب ساعد عليها الإعلام من جهة وأعداء الإسلام من جهة أخرى، بالإضافة إلى أن هناك مسائل فقهية عديدة تحتاج إلى مصارحة، فهي من الأسباب الرئيسية لحدوث فرقة بين المسلمين . ومع الأسف فإن هذه الفرقة القاتلة وتلك الدماء المراقة على مر القرون لم تفد الإسلام في شيء بل نخرت عظامه وأضعفت مقاومته لتيارات الغدر والاستعمار .

إن الاستعمار الحديث أو بالأحرى الصليبية المعاصرة، والصهيونية الماكرة التي يعتنقها كل المستعمرين، كل أولئك الأعداء يعتنقون مبدأ فرق تسد لأنهم يستفيدون من تفرق المسلمين في مذاهبهم وهم من أجل ذلك يوسعون شقة الخلاف بين المسلمين من أبناء الوطن الواحد ففرقوا بين السني والشيعي وبين السني والإباضي، وساروا على الطريقة نفسها في جميع بلاد المسلمين، ولاشك في أن الفرقة تؤدي دائماً إلى ضعف يمكن المستعمرين أعداء الإسلام من أن يثبتوا أقدامهم في أرض المسلمين، وذلك عن طريق تمزيق الشمل وتأليب المسلم على أخيه المسلم ثم تقريب بعض ضعاف النفوس من أبناء بعض الفرق الإسلامية وتشجيعهم والإغداق عليهم وبناء آمال كاذبة، وبذلك يخرجونهم عن الصف ويتخذون منهم معاول هدم وأدوات تدمير .

وقد تمكن الاستعمار بهذه الطريقة من أن يحرز بعض الانتصارات المؤقتة، فكما ضاعت الأندلس في الماضي نتيجة الفرقة والتمزق فإن فلسطين قد ضاعت لهذا السبب . وهذه الأيام تشتعل الخلافات المذهبية في أكثر من بلد إسلامي، وهذه الخلافات يؤججها أعداء الإسلام بأكثر من وسيلة، وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال فإننا نخشى من أن يسقط الوطن بلداً إثر آخر في براثن التقسيم والفوضى والخراب .

والاستعمار لا يفرق بين الجماعة الإسلامية بالإغراء بالمال والآمال وحدهما، بل إنه يزور الوثائق التي تتعلق ببعض الفرق الإسلامية المعاصرة، ويحاول بهذه الوسائل أن يباعد بين أتباع هذه الفرق وبين الإسلام الدين السمح الذي منه تفرعت هذه الفروع، وكثيرا ما صدق بعض المخدوعين من الأطراف المعنية هذه المحاولات المسمومة .

سهولة التقارب

ويتابع د . الشكعة: إذا أمعنا النظر جيداً وطرحنا الأفكار البالية الجامدة خلف ظهورنا فإننا لن نجد خلافاً كبيراً بين مذاهب السنة والشيعة الزيدية وكذلك بين السنة والإباضية، فالإمام أبو حنيفة السني كان تلميذا للإمام زيد بن علي الذي إليه ينتسب المذهب الزيدي وأخذ عنه الفقه وأصول العقائد والإمام زيد تلميذ لواصل بن عطاء أحد رؤوس المعتزلة وكان ملازما له وقد ليم في ذلك لأن واصلا لا يوافق الشيعة في كل ما قالوه عن الإمامة ولكن زيدا صاحب الأفق الواسع والمدارك السمحة ضرب بكل ذلك عرض الحائط وظل مخلصا لتعاليم واصل بن عطاء وأخذ عنه، ولذلك فإننا نرى الكثير من سمات الاعتزال طافية واضحة على صفحة المذهب الزيدي وبذلك نرى كيف أخذ الإمام أبو حنيفة السني عن الإمام زيد الشيعي عن واصل بن عطاء المعتزلي، ومن هنا فإنه من الميسور أن تقترب هذه المذاهب الواحد من الآخر في سهولة ويسر وأن تلتقي في صواب الطريق وأن تعقد الجلسات والمؤتمرات التي تظللها السماحة ويكون رائدها الخير للإسلام والمسلمين ونحن نعتقد مخلصين أنه لو حسنت النيات وألقيت رواسب الماضي جانباً لخرجنا صفاً واحداً .

توحيد الصف

د . أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق يرى أن توحيد صف العلماء والتقريب بين آرائهم له أهمية كبرى في منع الخلافات التي تتسبب في فرقة الأمة . . فمع أن الاختلاف لا يفسد للود قضية فإن على المؤسسات الدينية العمل على توحيد صف الأمة . . فالتقريب بين المذاهب أمر سهل لو صدقت النوايا وخلصت الاتجاهات لأن المعروف أنه ليس هناك خلاف بين جميع المسلمين سنة وشيعة وغيرهما في أن الله واحد وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن القبلة واحدة، وكذلك لا خلاف حول الصلاة والصيام والحج والقرآن ولكن الخلاف في الفروع فقط .

إن الدين الإسلامي يدعو للأخوة والوحدة والتضامن لأن أعداءنا يتكاتفون ضدنا ويخططون للنيل من الإسلام والمسلمين ويعملون على إثارة النعرات وإذكاء نار الخلافات . . فجدير بنا أن نكون عقلاء وأن نطفئ نار حقدهم باتحادنا لأن وحدة المسلمين مطلب شديد الأهمية في حياة الأمة فهي الحصن الحصين الذي يقيها من كل الآفات . . وما هانت الأمة إلا بعد غياب وحدتها التي دعانا الله إليها في قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ونهانا عن التفريط فيها عندما قال: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .

دور الأزهر

يؤكد الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق وعضو لجنة التقريب بين المذاهب الإسلامية بالأزهر أن جهود التقريب لم تفشل لكنها تتوقف أحيانا لظروف خارجة .

ويقول: إن الأزهر كمؤسسة عتيقة عمرها أكثر من ألف عام هو الذي بدأ بالتقريب بين المذاهب الإسلامية والدليل أن جامعة الأزهر مازالت تدرس المذهبين الشيعي والزيدي وغيرهما من المذاهب . . لكن التقريب ليس معناه التخلي عن المذهب فهناك ضوابط لابد من الالتزام بها خاصة أننا ندين بدين واحد ونؤمن بإله واحد ونتبع نبيا واحدا ونقرأ قرآنا واحدا ونتجه لقبلة واحدة فكل هذه روابط تؤلف بيننا وتجعلنا دائما إخوة قال تعالى: إنما المؤمنون إخوة . ولاشك أن المجلس الاستشاري الأعلى للتقريب بين المذاهب الإسلامية والذي يتبع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة يلعب دوراً كبيراً في عملية التقريب .

ويضيف: إن تعصب البعض من المذاهب المختلفة تسبب في نكسات للأمة الإسلامية والتقارب له مجالان أولهما الفقه بشكل عام والفقه السياسي بوجه خاص وثانيهما مجال العقيدة . . وفي رأيي أن التقارب في الفقه أمر ميسور أو هو موجود بالفعل أما في مجال العقائد فلا أعتقد أن الأمر سيكون سهلا بل سيواجه بصعوبات كثيرة ولذلك لابد من أن يبدأ الجميع حركة في الاتجاه الصحيح وهو اتجاه التقريب والتوحيد ليس فقط في مجال المذاهب الفقهية بل في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها مما لابد منه لاكتساب الأمة عناصر القوة .

ويضيف: إن النزاع العرقي والطائفي والمذهبي بين أبناء الأمة يعد أكبر التحديات التي تعوق مسيرتنا الحضارية في الحاضر والمستقبل، ومن هنا فإن التقارب بين أتباع المذاهب الإسلامية فريضة وضرورة يحتمها الواقع ويوجبها الدين فنحن نريد أن يفهم بعضنا بعضا ويحسن بعضنا الظن بالآخر ونصارح بعضنا بعضا وأن نتكاتف ونبعد الغلاة والمتطرفين ونقرب أهل الحكمة والاعتدال منهما .

ويحذر الشيخ عاشور مما يحيكه أعداء الأمة من مخططات ومؤامرات تستهدف تقسيم الدول الإسلامية على أساس عرقي وديني وإقليمي داعيا الأمة إلى الوحدة والتقارب بين أبنائها ومذاهبها الإسلامية . . ويتساءل: إذا كنا نسعى للتقارب بين الأديان المختلفة فكيف لا نسعى للتقارب بين أتباع الدين الواحد والقبلة الواحدة؟ . . فأعداء الإسلام يحاولون بشتى الوسائل الوقيعة بين طوائف الأمة الإسلامية وفرقها لينشروا الفتنة بين المسلمين بعضهم بعضاً خاصة أن الفكر الاستعماري يخشى وحدة الأمة لأنها إذا توحدت فسوف تكون إمبراطورية ضخمة وهدفهم إفشال هذه الوحدة .

ضرورة حضارية

ويقول د . عبدالمجيد الصلاحين عميد كلية الشريعة السابق بالجامعة الأردنية: إن الحوار المذهبي ضرورة حضارية وحتمية إنسانية قبل أن يكون حتمية إسلامية، وإدارة الحوار الناجع والناجح بين المذاهب الإسلامية المختلفة تسهم إلى درجة كبيرة في ردم الهوة بين هذه المذاهب وتسهم في تقريبها، ولابد من أن نتعامل مع بعضنا بطريقة حضارية تنطلق من الحوار الهادف الهادئ المتزن بعيدا عن التشنج في الخطاب والحدة في الطرح والاتهامية التي تتجاوز في كثير من الأحيان اتهام الأفهام والاجتهادات إلى اتهام النوايا والمقاصد .

كما أنه لابد من نبذ التمترس المذهبي والتجييش الطائفي والتعصب الفئوي حتى نواجه العالم بخطاب موحد ولا يمكن لنا أن نواجه العالم بهذا الخطاب ونحن نتقاذف التهم ويسود خطابنا كثير من التشوهات والتشنجات . . كما لابد ونحن ندير العملية الحوارية من أن نعظم ولاءنا للدين على حساب الولاءات المذهبية حيث إن تضخيم الولاءات المذهبية على حساب الولاء للدين كان من بين المعيقات الكبيرة التي تعترض العملية الحوارية . . ولابد أيضا من أن نتجنب إحياء الخلافات القديمة والمتوارثة ونبش الملفات التاريخية القديمة لأن ذلك يعيق قدرة بعضنا على التواصل .

ويؤكد د . الصلاحين أن ظهور ما يسمى بالخلاف الفقهي بين المذاهب والضرب على وتر الطائفية أدى إلى انشغال المسلمين بخطاب جانبي يتجاوز الخط العام الذي يتوجه فيه الخطاب القرآني بين المسلمين، فضلا عن أن اختلاف الفهم مع الآخر أدى إلى هذا الشد الإعلامي الذي يفتقر إلى المنهجية لإظهار الخطاب الديني بصفة التعصب الضيق الذي يحاول استثماره الآخر في تشويه هذا الخطاب .

جهود فاشلة

ويرى د . عبدالغفار هلال الأستاذ بجامعة الأزهر أن جهود التقريب بين المذاهب قد فشلت ولا داعي للمؤتمرات التي تدعو إلى التقريب بينها لأنها من وجهة نظره تعمق الخلاف بين المسلمين وإن كان ظاهرها التقريب بين المذاهب . . فأمر هذا الخلاف كبير ولكنه صغير في الوقت نفسه لأنه ليس خلافا جوهريا في أصل العقيدة فالجميع يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . . وإن كان الخلاف قائما في بعض الفروع إلا أنه لا يضر ولكن التمسك به هو الذي يؤدي إلى إشعال الخلاف ونحن في العلوم الإسلامية درسنا الخلافات المذهبية ولكل وجهة نظر . . وأئمة فقه السنة الأربعة يقرون الخلاف ويحترمون الآراء . . فهذا يقول بصحة حديث وآخر يضعفه اعتمادا على دلائل تبدو له راجحة من وجهة نظره . . ولذلك قال الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب .

إن إشعال نيران الخلاف الآن يؤدي لإثارة الفتنة بين المسلمين . . ولذلك يجب أن يحترم كل منهم رأي الآخر ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى سيقيم الجزاء يوم القيامة ثوابا وعقابا على أساس أصل العقيدة وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح مشهور يسمى حديث البطاقة أنه حينما توزن الأعمال يوم القيامة فترجح كفة السيئات عند واحد من المسلمين ويحق عليه دخول النار يقال له انتظر . . بقي لك أمر فيؤتى بالبطاقة التي تحتوي على لا إله إلا الله محمد رسول الله فتوضع في كفة الحسنات فتثقل فيدخل بها الجنة .

الاحترام المتبادل

ويطالب د . عبدالغفار أتباع المذاهب باحترام رؤية بعضهم بعضاً من دون تجريح خاصة أن الخلافات ليست جوهرية ولا تؤثر في عقيدة المسلمين . . وعلينا أن نسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته الشهيرة حينما قال: لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي . . فكل المسلمين يؤمنون بالقرآن الكريم وكل يفسره معتمدا على مرجحات تبدو صحيحة في نظره وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ويؤكد مجدداً أن الخلافات وجهات نظر لا تحلها المؤتمرات والأولى ألا يتدارسها إلا العلماء . . فالنقاش على الهواء وأمام العالم يؤدي إلى تصلب المواقف ولو كانت خطأ . . والمسلمون الآن واقعون في بلاء ومحنة . . فكان عليهم أن يبحثوا عن كيفية الخروج من المأزق الذي هم فيه وأن يعتمدوا في ذلك على توحدهم لا على تفرقهم .

فهذه المؤتمرات في هذه الأيام ما هي إلا مساعدة لأعداء الإسلام فالمسلمون إخوة سواء بسواء ولا يجوز رمي مسلم بكفر ولا تجريحه ولا احتقاره، وإذا كان لبعض المسلمين زلات لسانية فالله هو الذي يحاسب عليها . . وما يجب على العالم أن ينبه فقط هذا المسلم إلى الزلة التي يقع فيها فإن انتهى فبها ونعمت وإن لم ينته فأمره إلى الله.