تحقيق:محمد إبراهيم

إن ما يشهده قطاع التعليم من مسارات متعددة للتطوير، والتركيز على تشييد المدرسة الإماراتية، لبناء أجيال المعرفة، التي تستطيع مواكبة المتغيرات والمستجدات الحديثة في المستقبل، تحتاج إلى عملية تقييم مستمر للتعرف إلى مواطن القوة ونقاط الضعف في جميع أركان العملية التعليمية وعناصرها.
وأكد عدد من الخبراء والتربويين، أهمية التقييم الذاتي الذي يستمد قوته من التشجيع على تنمية الممارسة التأملية، ودعم الإبداع والتعاون والعمل الجماعي، والنهوض المهني المستمر لجميع أعضاء هيئة التدريس، في المؤسسة التعليمية، فضلاً عن التشجيع على الشراكة الإيجابية بين المدرسة، وأولياء الأمور، والمجتمع المحلي، معتبرين أن التقييم الذاتي «جواز مرور» المدارس والبوابة الرئيسية التي تنطلق من خلالها لتقديم «تعليم وتعلم» عالي الجودة لجميع الطلاب.
من جانبها، رسمت وزارة التربية والتعليم، خريطة طريق لتطبيق «التقييم الذاتي» في المدارس، من خلال 17 مؤشراً، تنبثق من 6 معايير أساسية لتقييم أداء عمل المدارس بأنواعها «الحكومية والخاصة»، اشتملت على «جودة إنجاز الطلبة وجودة التطور الشخصي والاجتماعي للطلبة، وجودة عمليات التدريس والتقويم، وجودة المنهاج التعليمي، وجودة حماية الطلبة ورعايتهم وتقديم الآرء والدعم لهم، وجودة القيادة المدرسية وإداراتها».
«الخليج» تقف من خلال سطور هذا التحقيق على مدى التزام المدارس بتطبيق عملية التقييم الذاتي، وما أفرزت عنه نتائج تطبيقه، فضلاً عن أبرز معوقات المؤسسات التعليمية في التطبيق، وسبل العلاج.

إن عمليات إصلاح وتطوير التعليم تعد حجر الزاوية في العديد من دول العالم، حيث حاولت كثير من الدول إيجاد الطرق والوسائل التي تساعد على الإصلاح والتطوير. ويمكن تقسيم العناصر المؤثرة في عملية الإصلاح والتطوير إلى مجموعتين الأولى تمثلها، العناصر الداخلية التي تنبع من المدرسة ذاتها، والثانية مجموعة العناصر الخارجية، التي ترتبط بالمحيط الخارجي، هذا ما وصل إليه الخبير التربوي صالح فاضل.
وقال إن عملية التقييم الذاتي أحد العناصر المهمة المستخدمة في الإصلاح وتطوير التعليم، بما لها من أثر في متابعة مدى تحقيق الأهداف، لاسيما أنه يتضمن تقويم المربي لذاته ومؤسسته وإدارته وطلابه في جو من الثقة والأمان، فإذا وجدت الأداة الجيدة للتقييم الذاتي، استطاع المربي أن يرصد من خلالها ممارساته، فضلاً عن الحكم على أدائه وعمله، مما يعزز الجوانب الإيجابية ويعدل الجوانب السلبية.
وأكد أهمية تعزيز مفاهيم التقييم الذاتي في تلك المرحلة، لاسيما أن التعليم في الإمارات يشهد خطوات تطويرية كبيرة، طالت في مضمونها المراحل الدراسية كافة، بعناصرها من قيادات تربوية، ومديري مدارس ومعلمين وطلبة وأولياء الأمور، بهدف تقديم تعليم عالي جودة ومخرجات تحاكي العالمية في المدرسة الإماراتية.

النمو المهني للمعلم

من جانبها أوضحت شريفة موسى نائب الرئيس في جمعية المعلمين، أن التقييم الذاتي يلعب دوراً مهماً في تحقيق النمو المهني للمعلم، حيث يعد وسيلة للتدريب، ويساعدعلى التثقيف الذاتي للمعلم، ويعزز لديه خصائص الإنسان المفكر، الذي يمارس التفكير المبدع، ويهتم بتكوين القيم، ويطبق المعارف التي يكتسبها ويسعى إلى اختبارها. الأمر الذي يزيده قدرة وبصيرة في اتخاذ قرارات حكيمة.
ولعل ذلك كان أحد الدوافع وراء تركيز وزارة التربية والتعليم على تطبيق عملية التقويم الذاتي في مدارسها الحكومية والخاصة، كأساس للتثقيف الذاتي للمربين بصفة عامة، وعنصرًا مهماً في التربية المستمرة للمربين.
وأضافت أن التثقيف الذاتي أساس للدور المتغير للمعلم، حيث إن التغير الشامل الذي يشهده المجتمع الإماراتي اليوم، في مجالات الحياة كافة، باتت آثاره واضحة على مؤسسات التعليم المختلفة بمناهجها وطرائقها وتنظيم التعليم فيها، الأمر الذي يفرض على من يتصدى لمهمة تربية أجيال اليوم أدوارًا متجددة متغيرة ومتطورة تدعوه لاكتساب معلومات جديدة وإتقان مهارات تواكب التغيرات الحديثة.
وقالت إن المعلم الذي يعتمد على أسلوب التقويم الذاتي في رصد ممارساته من خلال الاستعانة بأدوات معينة، يستطيع من خلال النتائج التي يحصل عليها أن يصدر حكمًا على تلك الممارسات بنفسه برضا وقناعة تامتين، الأمر الذي يكسبه مهارات واتجاهات التربية المستمرة ويكسبه رؤى موضوعية في استخدام عملياته العقلية في فهم ذاته وفهم الآخرين. وليس ثمة شك في أن ذلك كله يعتبر دعامة أساسية لدوره المتغير.

تحديات ومعوقات

وترى أسماء دحبور، مديرة مدرسة الخليج العالمية، أن أهداف التقويم الذاتي للمدرسة، تركز على الوصول إلى مجموعة من القرارات التي تواكب مسارات تطوير التعليم في الإمارات، إذ يتم في ضوئها «إعداد مصفوفة الأداء العام للمدرسة، وتحليل وتفسير أسباب الخلل في الأداء المدرسي والإدارة، ووضع الخطة السليمة للارتقاء بالأداء والتغلب على السلبيات، فضلاً عن تحديد دقيق لرؤية ورسالة المدرسة بما يفي بالأهداف المنشودة، وتجديد درجة التوافق بين الممارسات السائدة في المدرسة وبين المعايير في مجالاتها المختلفة».
وأكدت أهمية تحديد نقطة الانطلاق في بناء وتنفيذ خطط التحسين المستمر لتحقيق متطلبات تحقيق المعايير، وتحديد نقاط القوة والضعف والتي تمثل العوامل الإيجابية والسلبية داخل المدرسة، وكذلك تحديد الفرص والتهديدات والتي تمثل العوامل الإيجابية والسلبية خارج المدرسة.
وبلورت دحبور المعوقات التي تواجه إدارات المدارس في تطبيق عملية التقييم الذاتي، في 4 تحديات، تتمثل في ضعف استعداد المؤسسات، ومحدودية فهم القيادات التعليمية لإجراءات التقييم والاعتماد، وعدم استخدام المؤسسات التعليمية لآليات علمية لمعرفة أسباب تدني الأداء لديها، فضلاً عن عدم وجود معايير خاصة برياض الأطفال واستخدام نفس معايير تقييم واعتماد المدارس، وعدم توفر العدد الكافي من الموظفين الذين يتقنون اللغة الإنجليزية للعمل ضمن فرق الاعتماد المدرسي.

المنظمات العالمية

أما حصة الطنيجي، المنسق بإدارة الابتكار في وزارة التربية والتعليم، فترى أهمية حث المؤسسات التعليمية (الحكومية والخاصة) على تطبيق التقييم الذاتي لتطوير أدائها وتجويد مخرجاتها في ظل رؤية وأهداف المدرسة الإماراتية، فضلاً عن إجراء البحوث التطبيقية والدراسات في هذا المجال، والاستفادة من جهود المنظمات العالمية في الاعتماد والجودة لتقويم البرامج التعليمية بما يتوافق مع البيئة الإماراتية من حيث القيم والعادات والتقاليد.

وترى أن عملية التقييم الذاتي تهدف بالدرجة الأولى إلى معاونة العاملين، في المدرسة على أن يدركوا إلى أي مدى نجحوا في تحقيق ما حددوه من أهداف، ويصلوا من خلال التقويم العلمي إلى تحديد مواطن القوة أو الضعف في الأداء بما يعينهم على رسم السبل واتخاذ الوسائل التي تكفل زيادة فاعلية المدرسة في تحقيق أهدافها وتطوير أدائها، فهدف التقويم الأساسي هو رفع كفاءة النظام التعليمي والارتفاع بمستوى أدائه من خلال العاملين فيه.

خريطة طريق

وفي وقفة مع وزارة التربية والتعليم، نجد أنها وضعت أكثر من 17 مؤشراً كخريطة طريق للمدارس الحكومية والخاصة لتطبيق عمليات «التقييم الذاتي»، إذ انبثقت تلك المؤشرات من 6 معايير أساسية لتقييم أداء عمل المدارس بأنواعها، اشتملت على «جودة إنجاز الطلبة وجودة التطور الشخصي والاجتماعي للطلبة، وجودة عمليات التدريس والتقويم، وجودة المنهاج التعليمي، وجودة حماية الطلبة ورعايتهم وتقديم الآراء والدعم لهم، وجودة القيادة المدرسية وإداراتها».

وبحسب مستند التقويم الذاتي 2016-2017«الذي انتهت منه الوزارة مؤخراً، في سياق معايير التقييم والرقابة المدرسية في الدولة، وحصلت «الخليج» على نسخة منه، إذ يعد أداة مهمة تساعد المدارس على إجراء عمليات تقويم ذاتي دقيقة وشاملة على النحو الذي يتيح للقيادة المدرسية معرفة نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى التطوير في أداء المدارس، حتى يتسنى لها وضع خطط التطوير اللازمة لتقديم تعليم عالي الجودة لكافة طلبتنا.
وجاء المعيار الأول تحت عنوان «جودة إنجاز الطلبة»، وتضمن 3 مؤشرات رئيسية تتمثل في «التحصيل الدراسي والتقدم الدراسي ومهارات التعلم»، إذ يتم رصد مستوى تحصيل الطلبة الدراسي قياساً إلى معايير المنهاج التعليمي المعتمد والمرخص، وقياساً إلى المستويات الوطنية والمعايير العالمية الملائمة، مع الوضع في الاعتبار نتائجهم في الاختبارات الدولية، فضلاً عن مستوى معارفهم ومهاراتهم في المواد الدراسية الرئيسية، واتجاهات التحصيل الدراسي بمرور الوقت من خلال العودة إلى البيانات التي تتعلق بالنتائج التي حققها الطلبة على مدار 3 سنوات ماضية.

جودة إنجاز الطلبة

وضمت مؤشرات جودة إنجاز الطلبة، قياس مدى مشاركة الطلبة في عملية التعليم والتعلم، والتفاعل والتعاون خلال عملية التعلم ومهاراتهم في التواصل، وتطبيق التعليم في سياقات الحياة الواقعية وبناء روابط بين مختلف جوانب التعليم، ومهارات الابتكار وأداء المشاريع والاستعلام والبحث ومهارات حل المشكلات والتفكير الناقد عند الطلبة بما في ذلك مهاراتهم في استخدام تقنيات التعلم.

واشتمل المعيار الثاني الذي يحمل عنوان» جودة التطوير الشخصي والاجتماعي للطلبة ومهارات الابتكار» على 3 مؤشرات جديدة تتمثل في التطور الشخصي وفهم الطلبة لقيم الإسلام ووعيهم بتقاليد وثقافة الدولة والمسؤولية الاجتماعية ومهارات الابتكار، ويتم من خلال تلك المؤشرات رصد مدى مواقف الطلبة واتباعهم لأساليب الحياة الصحية والتزامهم بمعايير السلامة، وحضورهم ومواظبتهم والتزامهم بالمواعيد خلال اليوم الدراسي، فضلاً عن تقديرهم لدور وقيم الإسلام من خلال توفير معلومات تتعلق بتضمين مفهوم المجتمع الإماراتي، واحترامهم لتراث وثقافة الإمارات، من خلال مواقف طلابية إزاء ثقافات بلدان العالم الأخرى ومدى فاعليتهم ومشاركتهم في الأنشطة المجتمعية والتطوعية ومساهمتهم الاجتماعية.

التعلم الفعال والتقييم

أما المعيار الثالث فركز على «جودة عمليات التدريس»، واشتمل محتواه على مؤشرين تمثلا في «التدريس لأجل تعلم فعال والتقييم»، وجاء يحاكي في تقييمه 10 مسارات مهمة، تتبلور في مدى معرفة المعلمين بالمواد الدراسية التي يتولون تدريسها وكيفية تعلم الطلبة لتلك المواد والتخطيط للحصص الدراسية وبيئة التعلم وإدارة الوقت والمصادر المتاحة، والتفاعل بين المعلم والطالب بما في ذلك استخدام أسلوبي الحوار والأسئلة، وتطبيق استراتيجيات تدريس تلبي احتياجات الطلبة أفراداً ومجموعات، فضلاً عن التدريس لأجل تطوير مهارات الطلبة في التفكير الناقد وحل المشكلات والابتكار والتعلم باستقلالية، والتقييمات الداخلية وعملياتها، ومقارنة أداء الطلبة بالتقييمات الخارجية والوطنية والدولية، بالإضافة إلى تحليل بيانات التقييمات لمتابعة التقدم الذي حققه الطلبة بمرور الوقت، ومعرفة المعلمين بأساليب تعليم الطلبة ودعمه.

وجاء المعيار الرابع يحاكي في مضمونه «جودة المنهاج التعليمي»، وضم مؤشريين، الأول يركز على «تصميم المنهاج التعليمي وتطبيقه» والثاني يحاكي «مواءمة المنهاج»، ليركزا على تقييم الأساس المنطقي والتوازن والالتزام بالمعايير والمتطلبات المعتمدة للمناهج، ومدى استمرارية التعلم والتقدم عبر السنوات والمراحل الدراسية، وخيارات المنهاج التعليمي والروابط بين فروع المنهاج التعليمي، وتعديل المنهاج لتلبية احتياجات مجموعات الطلبة المختلفة، والتطوير وأداء المشاريع والابتكار، ومدى صلات المنهاج التعليمي بالثقافة الإماراتية.

حماية الطلبة

وحمل المعيار الخامس عنوان «جودة حماية الطلبة ورعايتهم وتقديم الإرشاد والدعم لهم»، واشتمل في مساره على مؤشرين، تمثلا في «المحافظة على صحة الطلبة وسلامتهم وإجراءات وترتيبات حماية الطفل، ورعاية الطلبة وتقديم الدعم لهم»، وركز المؤشران على قياس مدى رعاية الطلبة والعناية بهم وحمايتهم والإجراءات التي اتخذت لهذا الغرض، وترتيبات ضمان المحافظة على الصحة والسلامة والأمن، وجودة الصيانة والاحتفاظ بالسجلات وتحديثها ومدى ملاءمة الأبنية والمرافق لجميع الطلبة بمن فيهم الطلبة ذوو الاحتياجات الخاصة، وترتيبات وإجراءات تعزيز السلامة وأساليب الحياة الصحية، فضلاً عن الإرشاد والدعم اللذين يتم تقديمهما لجميع الطلبة.

5 مؤشرات

«جودة قيادة المدرسة وإدارتها» كان عنوان المعيار السادس، الذي تضمن 5 مؤشرات، تمثلت في «فعالية القيادة المدرسية، والتقويم الذاتي، والتخطيط للتطوير، وعلاقات الشراكة مع أولياء الأمور والمجتمع، إدارة المدرسة بما فيها الكادر والمرافق والمصادر، ومجلس الأمناء الذي يلعب دوراً فاعلاً في هذا الشأن «إذ تخضع قيادة المدارس الحكومية للمساءلة من قبل المجلس الذي يضم مدير النطاق ومدير المدرسة ورئيس مجلس أولياء الأمور ورئيس مجلس الطلبة ومعلماً».

التقييم الذاتي مفهوم عالمي

تأخذ كثير من دول العالم بالتقييم الذاتي، كسبيل لتطوير الممارسات التربوية، ومع ما أكدت عليه الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد من ضرورة إجراء التقويم الذاتي لمؤسسات التعليم كوسيلة لتحقيق الجودة وضمان الاعتماد، فإن الأمر يتطلب تدريب كافة العاملين في حقل التعليم للتوعية بعملية التقويم الذاتي ومعرفة مبادئها وأنواعها وأسس استخدام أدواتها.

5 فئات لتشكيل فريق التقييم

تتمثل الخطوة الأولى في تطبيق التقييم الذاتي للمدرسة في تشكيل فريق لقيادة العملية ومتابعة الأداء فيها، وتركز أهداف عناصر الفريق على ضمان جودة التنفيذ، وضمان المشاركة في وضع الحلول، وعادة يتكون الفريق من 5 فئات أساسية، تتمثل في «مدير المدرسة وأحد الوكلاء، والمعلمين الأوائل لجميع المواد، وممثلين لمجلس الأمناء والآباء والمعلمين، وممثلين للمتعلمين».