السؤال: ما وجوه الترابط بين سورتي البقرة وآل عمران؟

الجواب: جاءت سورة آل عمران شارحة ومفصلة لبعض ما أُجمل في سورة البقرة ومن ذلك:

- أن سورة البقرة افتتحت بوصف الكتاب - القرآن الكريم - بأنه لا ريب فيه، حيث قال سبحانه: ذلك الكتاب لا ريب فيه، (البقرة: 2)، وفي مفتتح سورة آل عمران بسط وتفصيل لنفي الريب عن ذلك الكتاب، وذلك في قوله سبحانه: نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، (آل عمران: 3) .

ومنها: أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملاً في قوله تعالى: ذلك الكتاب، (البقرة: 2) وفي آل عمران قُسم إلى آيات محكمات ومتشابهات في قوله تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات وأُخر متشابهات، (آل عمران: 7) .

ومنها: أنه سبحانه قال في البقرة: وما أنزل من قبلك، ولم يصرح بالمنزل، وفي آل عمران تصريح بذلك المنزل في قوله سبحانه: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، (آل عمران: 3-4) .

المقتولون في سبيل الله

ومنها: أنه أوجز الحديث عن ذكر المقتولين في سبيل الله في البقرة بقوله سبحانه أحياء ولكن لا تشعرون، (البقرة: 154) وأطنب الحديث عنهم في آل عمران في قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، (آل عمران: 169 - 170) .

ومنها: أنه قال في البقرة: والله يؤتي ملكه من يشاء، (البقرة: 247)، وفصل ذلك في آل عمران في قوله سبحانه: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، (آل عمران: 26) .

ومن وجوه الترابط بين السورتين أيضاً:

أن بين السورتين اتحاداً وتكاملاً وتلاحماً، فمن ذلك: أنه ذكر في البقرة خلق الناس وذلك في قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم . .، (البقرة: 21) وذكر في آل عمران تصوير الخلق في الأرحام فقال سبحانه: هو الذي يصوركم في الأرحام، (آل عمران: 6) .

ومنها: أنه ذكر في البقرة مبدأ خلق آدم في قوله تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة، (البقرة: 30) .

وذكر في آل عمران مبدأ خلق أولاده حيث قال تعالى: هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، (آل عمران: 6) . ومن وجوه تلازم السورتين أيضاً:

افتتاح سورة البقرة بقوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، (البقرة: 4)، وختام آل عمران بقوله تعالى: وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم: (آل عمران: 199) .

وحدانية الخالق

السؤال: ما المقصد العام في سورة آل عمران؟

الجواب: إثبات الوحدانية لله تعالى: والله أعلم .

السؤال: لماذا صرح بذكر الإنجيل في سورة آل عمران، ولم يصرح به في سورة البقرة بل صرح فيها بذكر التوراة خاصة؟

الجواب: صُرح بذكر التوراة في البقرة لأنها خطاب لليهود، وصُرح بذكر الإنجيل في آل عمران لأن السورة خطاب للنصارى من وفد نجران الذين قدموا على الرسول صلى الله عليه وسلم والله أعلم .

السؤال: قال تعالى: نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان . .، (آل عمران: 3-4) .

ما سر الإتيان بذكر المنزل عليه الكتاب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: عليك، وعدم الإتيان بذكر المنزل عليه التوراة ولا المنزل عليه الإنجيل وهما موسى وعيسى - عليهما السلام؟

الجواب: لتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر والتشريف لأن الكلام عن الكتابين لا عمن نزلا عليهما والله أعلم .

السؤال: ما الغرض من الإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الخطاب في الآية الكريمة؟

الجواب: لتشريفه وتأنيسه بمشافهته بالخطاب صلى الله عليه وسلم والله أعلم .

السؤال: ما سر افتتاح سورة آل عمران بالنص على وحدانية الله تعالى؟

الجواب: للرد على النصارى الذين ادعوا ألوهية عيسى - عليه السلام - وقد جاء وفد منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحاجون في عيسى عليه السلام، ويزعمون فيه الألوهية فأنزل الله - سبحانه - صدر سورة آل عمران رداً عليهم والله أعلم .

نزَّل وأنزل

السؤال: لماذا خُصص ذكر الكتاب في الآية الكريمة بلفظ نزَّل وخصص ذكر التوراة والإنجيل بأنزل؟

الجواب: لأن القرآن الكريم نزل منجماً، وذلك يقتصي التكرار، ولذا ناسبه التضعيف فقيل نَزَّل وهذا يشير إلى تفصيل الكتاب المنزل، وتنجيمه بحسب المناسبات والدواعي .

أما التوراة والإنجيل فإنهما نزلا جملة واحدة، لذا ناسبهما لفظ أنزل الذي لا يعطي معنى التكثير والتدرج .

ولم يرد إنزال التوراة بالتضعيف إلا في موضع واحد فقط في قوله تعالى: من قبل أن تنزل التوراة، (آل عمران: 93)، لأن المراد ثبوت أحكامها، وإلزام اليهود بتنفيذها، وذلك أنهم حرم عليهم بظلمهم وبغيهم ما حرم في قوله تعالى: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، (النساء: 160)، وقد أنكروا ذلك وزعموا أنهم لم يخصوا به وأنه قد كان محرما على من تقدم عليهم من الأمم فكذبهم الله تعالى بقوله: كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، (آل عمران: 93) . فلما كان الغرض الإلزام بتنفيذ حكمها، ورد اللفظ مضعفاً، ليشير إلى رسوخ حكم ثبوتها واستقرارها . والله أعلم .

السؤال: لم عُبِّرَ بالجار في قوله سبحانه: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل . .، (آل عمران: 4،3) وكان يمكن أن يقال:

وأنزل التوراة والإنجيل قبل؟

الجواب: للدلالة على أن إنزال التوراة والإنجيل لم يكن مستغرقاً للماضي، لأنه لم يكن في أول الزمان، بل كان في جزء منه . والله أعلم .

الآيات المتشابهات

السؤال: قال تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات . .، (آل عمران: 7) .

السؤال: ما الحكمة في إنزال المتشابهات في القرآن الكريم، وقد نزل لإرشاد العباد، فلماذا لم يكن كله محكماً؟

الجواب: الأجدر أن نبين أولاً معنى المتشابهات حيث تعددت فيه أقوال أهل التفسير، فقيل: المتشابه مقابل المحكم، وقيل: هي ما دَقَّ معناها وخفي كالحروف المقطعة في أوائل السور، وقيل: هي المنسوخات، والرأي الأول هو ما نميل إليه للتعليل الآتي وهو نفسه جواب السؤال، فالقرآن الحكيم نزل بلسان عربي مبين، وبألفاظ العرب، وجاء جارياً على سننهم في التعبير والأسلوب، وكلام العرب منه الواضح الظاهر الدلالة الذي لا يخفى مراده على السامع، ومنه المجاز والإشارات والكنايات والتلويحات، وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن الكريم على كلا الضربين ليتحقق عجزهم، ولئلا تكون لهم حجة في عدم معارضته، فكأنه قيل لهم: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كلمة محكماً واضح الدلالة، لقالوا: هلاّ نزل بالضرب المستحسن عندنا؟ فأبطل الله ما كان يمكن أن يتعلقوا به .

وأعلم أخي القارئ أن المتشابه لا غموض فيه ولا لبس، وإنما يفهم معناه بعد إمعان نظر، وإعمال فكر، والله أعلم .

السؤال: علام يعود الضمير المجرور في قوله سبحانه يقولون آمنا به؟

الجواب: الضمير المجرور عائد إلى المتشابه .

السؤال: إن كان الضمير المجرور به في الآية عائداً إلى المتشابه، فلمَ لم ينص على إيمان الراسخين في العلم بالمحكم أيضاً؟

الجواب: لم يتعرض لإيمان الراسخين في العلم بالمحكم، لظهوره والله أعلم .

السؤال: ما سر التعبير بالربوبية وإيثارها على التعبير بالألوهية في قوله سبحانه: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا، (آل عمران: 7) .

الجواب: لتضمنه معنى التربية والنظر في المصلحة والإيصال إلى معارج الكمال أولاً فأول .

السؤال: قال تعالى: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار، (آل عمران)، ما سر إيثار الجملة الإسمية في قوله تعالى: وأولئك هم وقود النار؟

الجواب: للدلالة على تحقيق هذا الوعيد وثبوت ذلك الجزاء لهم، والله أعلم .

حب الشهوات

السؤال: قال تعالى: زُيِّن للناس حُب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حُسن المآب، (آل عمران)، ما علة بناء الفعل زُيِّن للمفعول؟

الجواب: المُزيِّن هو الله تعالى، زَيّن ذلك للناس ابتلاء لهم، بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وجعل القلوب تتعلق بها ولكنه - سبحانه - حذَّر منها ونَفَّر، وبني الفعل للمفعول (للجري على سنن الكبرياء) والله أعلم .

السؤال: ما سر التعبير عن المشتهيات بالشهوات في الآية الكريمة؟

الجواب: مبالغة في كونها مشتهاة، مرغوباً فيها كأنها الشهوات نفسها، فالمُزيَّن حقيقة هو المشتهيات، وفي ذلك تنبيه على خستها، وتنفير منها، إذ إنها مسترفلة عن الأسوياء، ومستقبحة عند العقلاء، والله أعلم .

السؤال: ذكر سبحانه الشهوات مجموعة أولاً في صدر الآية على سبيل الإجمال، ثم شرع سبحانه في تفصيلها فما الحكمة في ذلك؟

الجواب: دليل على أن المُزيِّن ما هو إلا شهوة دنيوية لا غير، فيكون في ذلك تنفير منها، وذم لطالبها الذي يختارها على ما عند الله . والله أعلم .

السؤال: ما سر ترتيب الشهوات كما وردت في الآية الكريمة؟

الجواب: جاءت مفصلة ومرتبة على حسب قوة ميل الطباع إليها، فبدئ بالنساء، لأنهن أكثر الأصناف اشتهاء وعراقة في معنى الشهوة، فهن حبائل الشيطان .

وقدم حب البنين على الأموال، لأن حب الإنسان أولاده أكثر من حبه ماله . والله أعلم .

السؤال: قال تعالى: قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد، (آل عمران: 15)، ما الغرض من الاستفهام في الآية الكريمة؟

الجواب: التقرير والترغيب والتشويق، فالتقرير لأنه نبأ جدير بأن يعترف لمن يريد تحصيل الخير لنفسه، والترغيب، لأن ما ذكر بعده ثواب عظيم من الله تعالى وفضل من شأنه أن يتسابق المخاطبون في تحصيله والتشويق، لأن نفوس المخاطبين في الآية الكريمة تتلهف وتتشوق لمعرفة نبأ ذلك الخير العظيم الذي فاق كل ما ذكر .

في الآية السابقة من النساء والبنين والقناطير والذهب والفضة والخيل إنه الاستفهام الذي جعل العقول يقظة لمعرفة ما سيليه من كلام، والله أعلم .

[email protected]