لا ينكر أحد الدور الذي تلعبه التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة في تسهيل حياتنا بشتى الطرق، حتى إننا أصبحنا لا نستطيع الاستغناء عنها، ولكن ربما تكون هذه التكنولوجيا نقمة علينا في كثير من الأوقات، لأنها تغنينا عن التفكير، ما جعلها تحد من مهاراتنا وقدراتنا العقلية والفكرية ومن بين هذه الأدوات الحديثة استخدام الهاتف الجوال في تسجيل بيانات كثيرة تخصنا دون أن نتذكرها بعقلنا أو إجراء عمليات حسابية بأنفسنا .

وهناك أيضاً أجهزة الملاحة التي سهلت علينا الوصول للأماكن التي نريدها إلا أنها في الوقت نفسه أعاقتنا عن التفكير، أما الجهاز اللوحي الذي أصبح نسبة كبيرة منا تمتلكه فيتم التعامل معه وكأنه عقل بديل، يكتب ويقرأ بدلاً منا، وهناك أيضاً السيارة التي تسير بمحرك أوتوماتيكي حيث سهلت علينا حركة القدمين والتفكير في تبديل السرعات، حيث تقوم هي بالتبديل أوتوماتيكياً ومثبت السرعة وقت الحاجة ما جعل من أقدامنا في أثناء القيادة تتحرك ببساطة .

ونتيجة لسيطرة هذه الوسائل على حياتنا أصيب البعض منا بالتخمة أو بأمراض عدة نتيجة عدم الحركة واستسهال التفكير في الأمور كافة .

ويقول بدر آل علي موظف بدائرة المالية في الشارقة إن استخدام الكمبيوتر بالنسبة لي في عملي بات أمراً طبيعياً وبسبب ذلك لم أعد أعرف التعامل من خلال الورقة والقلم إلا في التوقيعات فقط، وهذا ما جعل قدراتي المهنية ترتفع لكن في المقابل صعّب علي استخدام القلم في الكتابة وربما احتاج ذلك إذا لم أجد جهاز حاسوب أمامي .

ويضيف: بالتأكيد كان للتكنولجيا الحديثة دور في الحد من تفكيرنا فهي تقوم بالحفظ والتذكير وتدوين الملاحظات ونحن نتذكر كل شيء من خلالها، وبالتالي كان لها أثر في قدرتنا على القيام بعمليات حسابية وكذلك تخزين بعض الأرقام في ذاكرتنا .

وأسعى إلى ممارسة بعض الألعاب الخفيفة التي تنشط الذاكرة التي أهلكتها التقنية الحديثة، حتى لا يأتي عليّ وقت لا أستطيع التفكير في أبسط الأمور، بسبب ما قامت به هذه التكنولوجيا من تسهيلات في حياتنا .

شهاب الدين محمد محاسب في بنك دبي الإسلامي يتحدث عن مدى تأثير جهاز الجي بي إس على تنقلاته من مكان لآخر في كافة أرجاء الدولة ويقول: للأسف لا أستطيع أن أسير من دون هذا الجهاز حتى لو كنت أعرف المكان فبمجرد أن أركب السيارة أقوم بتشغيله تلقائياً، وأطلب منه الجهة المطلوبة فيوضحها لي على الفور .

ويضيف: في كثير من الأوقات أكون على معرفة بالطريق الصحيح للمكان الذي سأذهب إليه، لكن دون وعي أستخدم الجي بي إس وأضغط على المكان الذي أريده حتى أصبح الأمر بالنسبة لي لا إرادياً، وهو ما ألغى قدرتي على التفكير في الذهاب إلى مكان من دون استخدامه .

ويذكر أنه كثيراً ما يستخدمه دون أن يدري في أثناء العودة إلى المنزل على الرغم من قرب المسافة ومعرفته الجيدة بالطريق كأي شخص إلا أن الاعتماد المتكرر على الجهاز جعله لا يستخدم عقله بالتفكير في أي شيء .

وتقول نورا المرزوقي مديرة العلاقات العامة ببلدية عجمان إن حياتنا أصبحت تعتمد على التقنية ما همش عقولنا فعندما نريد التواصل بين الزملاء في العمل يكون من خلال والرسائل النصية ومواقع التواصل الاجتماعي إذ أصبح الهاتف الجوال وسيلة مملة في بعض الأحيان .

وتضيف: عندما نريد أن نحسب نستخدم الآلة الحاسبة الموجودة ضمن الهاتف المتحرك ولو أردنا كتابة ملاحظة نستخدم النوت أيضا وبالتالي تحولت حياتنا باتجاه التكنولوجيا ما سبب لنا عدم القدرة على تسيير أمورنا بشكل طبيعي وبما يتوافق مع ما نملك من قدرات عقلية وفكرية وجسدية .

وتشير المرزوقي إلى أن استخدام وسائل التقنية الحديثة في حياتنا كان له أثر إيجابي وآخر سلبي حيث سهلت الكثير من المصاعب ووفرت الوقت وأوصلتنا بالمسؤولين في كل مكان، لكنها في المقابل جعلتنا نعتمد على الآلات في كل شيء .

وتقول خديجة الشحي طالبة في الجامعة الأمريكية في دبي إن الحياة من دون استخدام الحاسوب أو أي وسيلة تقنية أخرى بات أمراً صعباً للغاية فمن دونها لا نستطيع أن نمارس حياتنا اليومية، فلا يمر يوم إلا ونستخدم الحاسب الآلي والهاتف الجوال والسيارة الأوتوماتيكية، وكل ما يستخدم من خلال التقنيات الحديثة .

وتوضح أن كل هذه التكنولوجيا المحيطة بنا لا يمكن أن تلغي عقولنا لكنها تساعدنا على قضاء حوائجنا بطريقة سهله وسريعة، وفي حال عدم وجودها بالتأكيد سنستخدم عقولنا ولكن هذا لا يحدث إلا نادراً .

وبالنسبة لي أحاول من وقت لآخر أن أتعامل مع الحياة ببساطتها وأن أستخدم عقلي والورقة والقلم في إجراء عمليه حسابية أو أسجل أي بيانات يدوياً وليس على الهاتف أو الكمبيوتر اللوحي، ذلك الأمر له طابع خاص على الرغم من كونه قديماً .

ويتذكر هشام هندي مستشار قانوني أن حياتنا قبل انتشار الهاتف المتحرك وجهاز الحاسب الآلي كانت بسيطة للغاية وغير معقدة أما في الوقت الحالي فقد تعقدت بسبب هذه الوسائل إذ لم نعد نستطيع أن نستغني عنها ولو لوقت قليل لأنها أصبحت عقولاً بديلة لنا . ويضيف: بالنسبة لي استخدم الحاسب الآلي في عملي بصورة شبه يومية خاصة في كتابة القضايا والمذكرات القانونية ولم أعد أستطيع الاستغناء عنه ولضرورة العمل لكن هناك الكثير من العمليات الحسابية أو المذاكرات لا أدونها في الهاتف المتحرك بل أسعى دائما لتسجيلها في ذهني حتى لا أتحول إلى مجرد إنسان آلي لا عقل له .

ومن الممكن لأي شخص يريد أن يكون ذهنه حاضراً طوال الوقت أن يمارس بعض الألعاب التي تنشط الذاكرة حتى لا تصبح خاملة ومعتمدة طول الوقت على التفكير الإلكتروني وبالتالي تمحو العقل الحقيقي الذي اخترع هذه الآلة .

ويقول الدكتور أسامة الموسى اختصاصي الطب النفسي إن اعتمادنا على التقنيات الحديثة في كل شيء سيكون له أثر سلبي في تنظيم حياتنا وطريقة تفكيرنا فمعظم الناس في الوقت الحالي خاصة الشباب ألغوا عقولهم وبدأوا يعتمدون على الهاتف المتحرك أو الكمبيوتر في إجراء حساباتهم أو حتى المذاكرة أو في التواصل مع الآخرين .

ويضيف: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نلغي عقولنا التي منحنا الله سبحانه وتعالى إياها لأن الأجهزة الحديثة من الممكن أن تكون غير موجودة في وقت ما ونضطر إلى استخدام العقل في عملية حسابية أو خلاف ذلك فهل نتوقف عن قضاء مصالحنا بسببها .

ويرى الموسى أنه من الممكن أن يصبح الإنسان عصبي المزاج بسبب الاستخدام المفرط لوسائل التقنية الحديثة دون أن يعتمد على عقله والتركيز في شيء واحد طوال الوقت هو أمر سلبي يؤثر في الصحة والحالة النفسية، مطالباً بعدم الإفراط في استخدام التكنولوجيا حتى لا ينعكس ذلك بالسلب على حياتنا .

من جانبه يقول الدكتور نجيب محفوظ أستاذ علم النفس و الاجتماع بجامعة الشارقة إن جميع أفراد المجتمع بمختلف فئاته يستخدمون الوسائل التقنية الحديثة في كل شيء إلا ما ندر، وهذا ليس من أجل الترفيه أو التسلية بل أصبح الأمر ملحاً وضرورياً في عصر نسابق فيه الزمان .

ويضيف: مسألة أن تلغي هذه التقنيات عقولنا لا أعتقد أنها حقيقية، لأن عقل الإنسان يعمل دائماً ويفكر طوال اليوم ولكن استخدامه لهذه التقنيات ربما يوقفه ولو لوقت قصير لأنها تفكر مكانه وتقوم بأداء المطلوب عنه، وبالتالي فمكن الممكن أن نقوم نحن بذلك مثل كتابة مذكراتنا بخط اليد أو إجراء العمليات الحسابية دون آله حاسبة أو الوصول لمكان عن طريق السؤال وليس جهاز الملاحة .