(1)
إن مقاربة مصطلح (التناص) تستدعي التوقف المؤقت لتحديده في أصوله الوافدة، والكشف عن مدى توافقه مع المرجعية العربية في التراث النقدي والبلاغي، لأن الذي نراه أن أي مصطلح لا يكتسب شرعيته إلا بعد (تعريبه)، ولا نقصد بالتعريب (الترجمة)، وإنما نقصد تطويعه للذائقة العربية، وطبيعتها الثقافية، وبهذا يمكن أن نتعامل مع النص بأدوات له معرفة بها، وبهذا نتحاشى التعامل معه بأدوات غريبة عنه، ونرغمه على تقبلها، فإما أن يرفضها، وإما أن يتقبلها مرغماً، فيتحول إلى مسخ مشوه .
إن مراجعة التراث العربي، تقفنا على مصطلح قريب من مصطلح (التناص) ونعنى به مصطلح (السرقات)، لكن علينا التنبه إلى أن بعض الدارسين فهموا من (السرقات) البعد الأخلاقي المرفوض، وهو ما يحول المصطلح إلى تقنية لذم الشعراء الذين وظفوه في أشعارهم، ولو كان الأمر كذلك لما جرؤ ناقد كابن الأثير أن يقول: ومن أدق السرقات مذهبا، وأحسنها صورة، ويقول عن بعض السرقات: وهذا هو المحمود الذي يخرج به حسنه عن باب السرقة وقوله: وذلك من أحسن السرقات .
وقراءة المدونة الشعرية التراثية، تشير إلى أن الشعراء كانوا سباقين في التنبه لهذه الظاهرة الفنية، ثم تبعهم النقاد والبلاغيون، يقول عنترة:
هل غادر الشعراء من متردمِ أم هل عرفت الدار بعد توهمِ
وهذا الوعي هو الذي عبر عنه كعب بن زهير في قوله:
ما أرانا نقول إلا معادا
أو كلاما من قولنا مكرورا
وهو الذي ردده أبو تمام في قوله:
يقول من تقرع أسماعه
كم ترك الأول للآخرِ
وقد انتقل هذا الوعي من الشعراء إلى النقاد، إذ عرض القاضي الجرجاني لهذه الظاهرة، لكنه تنبه إلى مجال القول بالسرقة، إذ لا يصح القول بها في المعاني المشتركة والأفكار المبتذلة، لأنها تتعلق بالمعاني البكر، وشرط في الناقد الذي يوظف تقنية السرقة أن يكون ملما بما سبقه من قول شعري، أو غير شعري، أما هو فلم يدع الإحاطة بشعر الأوائل والأواخر، ولذا كان متحفظا في القول بالسرقة .
أما أبو هلال العسكري، فقد أوضح أن اللاحق لا يستغني عن السابق في تناول بعض المعاني .
ولاشك في أن وعي الشعراء ثم النقاد بالظاهرة يعلن صراحة أن الثقافة الأدبية، تقوم على التراكم، لا الانقطاع كما يقول بعض أدعياء الحداثة، وربما لهذا أطلق ابن رشيق مقولته النقدية عن امرئ القيس، إذ قال هذا شاعر لا ترى شاعرا يكاد يفلت من حبائله .
لقد تابعت مقوله ابن رشيق التي أطلقها فى القرن الخامس الهجري، تابعتها في بناء تشبيهي لامرئ القيس يصور فيه ليله، إذ يقول:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه
وأردف أعجازا وناء بكلكلِ
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ
بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ
وركائز هذا البناء التشبيهي: (الطول - الظلام - أمواج البحر - الثقل - الهموم)، ومن يتابع قراءة الشعر الحديث، سوف يلحظ أن ليل الشعراء قد استمد من ليل امرئ القيس بعض مكوناته، أو كل مكوناته، وسوف نرصد متابعة القدماء له في ما بعد، أما هنا فسوف نتوقف عند مطلع القرن العشرين مع الشاعر العراقي (إبراهيم الطبا طباني) توفي سنة ،1901 إذ وصف ليله قائلا:
أيرجع الليل الطويل لقائلِ
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ
وحوار الطبا طباني مع ليل امرئ القيس، نتابعه عند واحد من أهم شعراء الحداثة، الشاعر اليمني (عبد العزيز المقالح) إذ يقول:
ألا أيها الليل لا تنجل
ارتحلي يا نجوم
أما أحمد عبد المعطي حجازي، فإنه يأخذ من ليل امرئ القيس تطاوله وثقله عند ربطه (بالجمل):
كنت أراك فوق تقاطع الطرقات
فوق تصالب الليل المنيخ على النهار
معنى هذا أن مقولة ابن رشيق التي أطلقها في القرن الخامس الهجري، مازالت صادقة إلى يومنا هذا .
(2)
إن الإطلالة السابقة على التراث العربي، تقودنا إلى الإطلال على المصطلح الوافد (التناص) (Intretexulity)، والمادة المترجمة تعود إلى الأصل اللغوي (نصص) ولاشتقاقاتها دلالات متعددة، ويهمنا منها الصيغة الدالة على (توثيق النصوص) بنسبة النص إلى صاحبة، وهو ما يؤكد ظاهرة التراكم، لأن من معاني المادة (جعل الشيء بعضه فوق بعض)، كما أن المادة تتضمن معنى (المفاعلة) ولا تتحقق المفاعلة إلا مع التعدد، لكن علينا التنبه إلى أن المفردة (التناص) لم ترد بلفظها في المعجم، إلا في معنى (تناص القوم) عند اجتماعهم .
نخلص من هذا إلى أن المادة المترجمة لها صلاحية التعامل مع الخطاب العربي للكشف عن ظواهر (التداخل النصي)، دون أن نهتم كثيرا ببعض المغايرات في الترجمة، فالبعض يقول (التناصية) والبعض (النصوصية) والأغلبية تقول (بالتناص)، أما الذي نرجحه، فهو القول ب (تداخل النصوص) .
ومن هذه المقدمات، نخلص إلى أنه من العسير القول بتوافق المصطلحين: (السرقات والتناص)، ففاعلية التناص أوسع وأعمق، ولا نقصد من هذا القول المفاضلة بين المصطلحين، فكل مصطلح أدى وظيفته في زمنه، لكن التطور الحضاري والثقافي والنقدي جعلنا نعيد النظر في المصطلح التراثي لنربطه بزمنه، ونعيد النظر في المصطلح الوافد لتأكيد شرعيته وصلاحيته للتعامل مع الخطاب الأدبي جملة، والخطاب الشعري خاصة .
ومن اللافت أن العوامل التي صاحبت مصطلح السرقات، تكاد تتقارب مع العوامل التي صاحبت مصطلح التناص، إذ كان منطلقهما أن القراءة الصحيحة للشعر لا تكتفي بالنظر في ما أبدعه الشاعر، وإنما تتحقق الصحة بقراءة سواه من الشعراء، لأن القراءة أكدت أن معظم المبدعين العظام، كان إبداعهم مشحونا بما سبقهم من إبداع، بل إن عالم اللغويات الفرنسي (لانسون) يرى أن أعظم الكتاب أصالة، من تكاثرت عنده هذه الرواسب، إلى أن يقول: إن ثلاثة أرباعه مكون من غير ذاته .
ويؤكد (بارت) أن فصل النص عن ماضيه ومستقبله، يجعله نصا عقيما، لا خصوبة فيه، أي أنه نص بلا ظل .
معنى هذا أن الإنتاج الأدبي يعتمد استعادة إبداعات سابقة، وهذه الاستعادة تكون خفية حيناً، وجلية حيناً آخر، بل إن كثيرا من هذه الإبداعات تكون تنويعا على ما سبقها، لأن الارتداد إلى السابق بالقراءة، يقود حتماً إلى نوع من التماس أو التداخل الذي يعتمد التوافق تارة، والتضاد تارة أخرى .
ويرى (تودروف) أن الوعي بظاهرة التداخل النصي يعود إلى الشكليين الروس، وهو ما أكده (شكلوفسكي) بقوله: إن العمل الفني يدرك في علاقته بالأعمال الأخرى، استناداً إلى الترابطات القائمة بينهما .
لكن الذي رسخ المصطلح وحدد آفاق توظيفه، وأنماطه الإجرائية، هي (جوليا كرستيفا) سنة 1966 في كتابها ( علم النص) .
(3)
إن مصاحبتنا مصطلح (التناص) إلى أفقه التطبيقي، سوف يوقفنا على أنه ظاهرة شعرية تتقدم على سواها من الظواهر، ولن يتنافى هذا مع وعينا بأن المصطلح حاضر في الخطاب الشعري والخطاب النثري على سواء، وفي تصورنا أن الصلاحية التطبيقية الشاملة لهذا المصطلح، كانت من الدواعي التي دفعت الدارسين إلى التخلي عن مصطلح (الخطاب) الذي ساد في زمن الحداثة، إلى مصطلح (النص) الذي جاءت مادته لصيقة بمادة مصطلح (التناص)، كما هي لصيقة بمفهومه أيضاً، ذلك أن مصطلح (النص) أكثر صلاحية مع (ذوبان النوعية)، أو تحجيمها على أقل الاحتمالات، فمصطلح (الخطاب) تتحدد نوعيته بالإضافة، أو بالوصف، (الخطاب الشعري والروائي والقصصي والمسرحي) بينما مصطلح (النص) صالح لاستيعاب مجموع هذه النوعيات، بوصفها نصاً واحداً برغم تغاير أشكالها البنائية .
ينضاف إلى ذلك، أن مصطلح (الخطاب) رهن بمن أنتجه، أو بمن تلقاه، وهذا هو المردود المعجمي لمفردة (الخطاب)، ثم إن تعدد منتج الخطاب، وتعدد متلقيه، يربطه - غالباً - بالطبيعة الفردية، فنقول (خطاب فلان) أو (الخطاب الموجه إلى فلان)، وهذه الطبيعة الفردية تأخذ في الغياب مع مصطلح (النص) الذي يكتسب نوعاً من الجماعية رغم فرديته المنتجة، وتترسخ هذه الجماعية مع المفهوم الوافد، حيث يمكن أن نستعيد مقولة (لانسون) عن أن ثلاثة أرباع المبدع قادمة من خارجه، على معنى أن (النص) يكون مصباً تتلاقى فيه مجموعة الروافد القادمة من خارجه، لكنها تتحول إلى مكونات أصيلة فيه، بحيث يكون من العسير القول بأن هذا عنصر أصيل، وذاك عنصر دخيل .
ومن البدهي أن القراءة التي تتبنى مصطلح (التناص)، هي القراءة التي نسميها (القراءة الاسترجاعية) التي تبدأ فاعليتها بقراءة النص، ثم ترتد عنه - في وعي -إلى الروافد السابقة عليه، سواء أكانت روافد قديمة موغلة في قدمها، أم كانت قريبة في هذا القدم، أم كانت حديثة تكاد تجاور زمن النص الحاضر، على أن يكون في الوعي تلازم القراءة المرجعية مع القراءة التأويلية التي تلاحق المفردات والمركبات والنص الكامل، وذلك راجع إلى أن ظواهر التناص قد زخمت النص بكم هائل من الرموز والأساطير والاستدعاءات، وكل هذا يحوج القارئ إلى أن تتوافر فيه مجموعة من الإدراكات الإضافية التي تعتمد الحاسة التاريخية، والحاسة الدينية، والحاسة الأسطورية، والحاسة الجمالية، والحاسة الأخيرة لا غنى عنها في كل القراءات، وبخاصة القراءات التي تتبنى المرجعية الواقعية، أو التي تجعل الواقع مرجعية النص فحسب .
نقول ذلك، لأن القراءة الموجهة إلى ظواهر التناص، تعتمد - غالباً - على الطاقة التخيلية بقدرتها على متابعة الحاضر والغائب، والمعقول وغير المعقول، والبعيد والقريب، والمادي والمعنوي، فالمخيلة هي الطاقة التعويضية عند غياب المرجعية الواقعية، إذ إنها توسع المرجعية لتلاحق النصوص الغائية، ثم تسعى لعقد علاقة بين النص الحاضر والنص الغائب، سواء أكانت العلاقة علاقة توافق، أم كانت علاقة تنافر، أم كانت علاقة محايدة بين هذا وذاك، ومن خلال هذه الملاحقة، تتمكن القراءة من فحص أي النصين كان صاحب التأثير الأكبر في النص الآخر، على أن يكون في الوعي - دائماً - فارق له أهميته البالغة، هو الفرق بين (التناص) و (التنصيص)، ذلك أن الأول من ركائز الإبداع، بينما الثاني من ركائز التوثيق والاستشهاد، كما أن الأول يستحيل إلى عنصر داخلي في النص، بينما الثاني يحافظ على طبيعته المستقلة، وخضوعه المطلق للقصدية، ثم إن المصطلح الأول (التناص) يستدعي النص الغائب بعد تخليصه من هوامشه التي لازمته في النص الغائب، بينما (التنصيص) يكاد يحافظ على هذه الهوامش، ويصطحبها عندما يحل في النص الحاضر .
(4)
إن زمن الحداثة الشعرية واجهنا بكثير من الدواوين التي اعتمدت التناص في كل قصائدها، بل في كل عناصر هذه القصائد، مع إضافة ظاهرة (التنصيص)، بحيث يمكن القول إن الديوان - في مجمله - دفقة تناصية خالصة، ويمكن توثيق هذا الادعاء بالتوقف أمام ديوان من أهم دواوين (أدونيس) هو ديوان (أغانى مهيار الدمشقي) حيث يظل مهيار حاضراً ومسلطاً على عوالم الديوان، سواء أكانت عوالم خاصة بأدونيس وواقعه، أم خاصة بمهيار، لكنها أصبحت من عوالم أدونيس، فهو (فارس الكلمات الغريبة) و(ساحر الغبار) و(الإله الميت) و(إرم ذات العماد) و(الزمان الصغير) و(طرف العالم) و(الموت المعاد) .
ويمكن أن نوثقه بالتوقف أمام ديوان من أهم دواوين (محمد عفيفى مطر) هو ديوان: (أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت) ، إذ سيطرت على الديوان ظاهرة (الاقتباس) بالمفهوم التراثي، فهذا الديوان يضم ست عشرة قصيدة، وتبلغ إجراءات الاقتباس فيه مئة وسبعة عشر اقتباساً، أي أن كل قصيدة تحوز سبعة اقتباسات قرآنية، بالإضافة إلى أن كثيرا من الدفقات التعبيرية في الديوان قد امتصت الأنساق البنائية للأسلوب القرآني .
والظاهرة التناصية ذاتها، نجدها في الديوان الأخير لأحمد عبد المعطي حجازي (أشجار الأسمنت)، إذ إن الديوان - في كل دفقاته - اعتمد بنية تراثية مغرقة في شعريتها التراثية، هي بنية (الوقوف على الطلل) سواء تعلقت الدفقات بالشخوص أم بالأماكن، أم بالوقائع، فتجربة الديوان تجربة طللية يسيطر عليها إحساس الفقد، وهو إحساس وحد الذات المتكلمة بعالمها الذي ترثيه في بكائية نادرة .
وما توافر في الدواوين الثلاثة السابقة، يتوافر بكثافة في ديوان الشاعر اليمني (عبد العزيز المقالح) (رسالة إلى سيف بن ذي يزن)، هذا البطل الأسطوري الذي استحالت سيرته، إلى سيرة شعبية، وقد سلطها الديوان على العالم الذي أطل عليه المقالح، وهو عالم قريب من الأسطورة، وقد صدر الديوان بالقاهرة عام 1972 .
(5)
من صحة المنهج أن نسعى لتحديد المصادر التي تسربت إلى النصوص الشعرية في زمن الحداثة، أو لنقل: تحديد أهم هذه المصادر، وأكثرها حضوراً في النصوص الشعرية، وهو ما جعلها نصوصاً منفتحة على كل الآفاق الثقافية قديماً وحديثاً، عربية كانت، أم غير عربية، إذ إن هذه الشعرية الحديثة تميزت بأنها شعرية التداخل بين الذاكرة الخاصة، والذاكرة العامة، وهو تداخل يصعب معه القول بالحدود الفاصلة بين الذاكرتين، متى تبدأ كل منهما، ومتى تتوقف، ثم تحديد صلة هذا التداخل برؤية العالم، وصلته بالراهن والتاريخي، ثم صلة كل ذلك بتعدد الوعي داخل النص الشعري، وهل هو وعي الذات المبدعة، أم وعيها ملتحما بوعي من استدعتهم، وما استدعته، وكأن النص الشعري، أصبح شبيها بالنص السردي في تعدد الوعي، لكن تعدده في النص السردي رهن تعدد الشخوص، وتعدد مكوناتها الثقافية والأيديولوجية، لكن التعدد في هذا وذاك، سواء أكان تعددا تقديريا كما في النص الشعري، أم تعددا حقيقياً كما في النص السردي، فإنه يعطي النصية طابعاً حضارياً وثقافياً، مغايراً للطابع الذي سيطر على النصوص في زمن انغلاق النص على ذاته في البنيوية .
إن تحديد مصادر التناص، يسبقه نظرة ضرورية إلى الشعر الحديث في مجمله، حتى يكون التحديد قائماً على خبرة عملية مباشرة، لا مجرد تهويمات غائمة، وبهذا الشرط يمكن القول إن المصدر الأول للتناص يتمثل في الكتب السماوية: (التوراة - الإنجيل - القرآن)، ومن يتابع شعرية الحداثة، سوف يلحظ غلبة هذا المصدر على سواه من المصادر التي سوف نحددها، ولعل هدف الشعراء من هذه التقنية تقريب نصهم الحاضر من منطقة القداسة، أو تحويل نصهم إلى عالم أرضي موازٍ للعالم السماوي، مع الأخذ في الاعتبار تمايز النصوص في التعامل التناصي مع الكتب المقدسة، وهو تمايز في التوسع والمحدودية، وتمايز في الوضوح والخفاء، وتمايز في الحفاظ على الهوامش المقدسة، أو استبعادها .
ويأتي المصدر الثاني - من وجهة نظرنا -معتمداً على إيغال شعرية الحداثة في استدعاء (الأسطورة)، سواء كانت عربية، أو غير عربية، لكن الملاحظ غلبة الأسطورة اليونانية على غيرها من الأساطير، مع ملاحظة أن استدعاء الأسطورة يستحيل في النص إلى نوع من (الإسقاط) الذي يلاحق الحاضر في مجمل مواقعه ووقائعه وسلطاته المتكاثرة، وقد تتحول الأسطورة إلى قناع يلبسه الشاعر لعالمه الحاضر .
وثالث المصادر (الخطاب الشعري التراثي)، لكن هناك شعراء بأعينهم جذبوا إليهم أنظار شعراء الحداثة، فامتصوا منهم كثيرا من دلالتهم، بل استمدوا منهم بعض أبنيتهم التركيبية، من أمثال: (امرؤ القيس وعنترة وأبو نواس وأبو تمام والمتنبي وأبو العلاء وتميم بن مقبل ودعبل الخزاعي) .
ويأتي رابعاً (الخطاب العرفاني) الصوفي الذي كان لشعراء الحداثة غواية خاصة معه، سواء أكان شعراً، أم نثراً، أم كان المستدعى سيرة ذاتية لأحد شيوخه .
ثم يأتي (التاريخ) بامتداده الزمني، وبكل وقائعه وأعلامه الذين عدلوا مسار العالم، أو أثروا في هذا المسار نوعا من التأثير، ويتصل بهذا المصدر (الموروث الشعبي) الذي اختزنته الذاكرة من زمنها القديم، أو زمنها الوسيط، أو زمنها القريب، وفي هذا الموروث تحضر كثير من الأمثال والحكم والوقائع العجيبة .
تابعنا فى المحور السابق مصادر التناص الغالبة في الشعر الحديث، وكان في مقدمتها (الكتب السماوية - التوراة - الإنجيل - القرآن)، وقراءة شعر الحداثة توثق هذا الادعاء، لكن كان لكل شاعر غواية خاصة مع واحد من هذه الكتب، ومع قطاع خاص منها، وربما كان (نشيد الأنشاد) واحداً من المصادر التوراتية التي تتابع عليها شعراء الحداثة، يقول صلاح عبد الصبور في (أغنية حب):
وجه حبيبي خيمة من نور
شعر حبيبي حقل حنطة
خدا حبيبي فلقتا رمان
جيد حبيبي مقلع من الرخام
حضن حبيبي واحة من الكروم والعطور .
وصلاح استدعى نشيد الأنشاد مع قدر كبير من المغايرة، بينما يستدعي أحمد حجازي النص ذاته مع الاحتفاظ بقدر كبير من الموافقة، يقول:
خرجت أطلب في الليل من أحبته نفسي
وضعت وشمي على جبهتي، وضمخت رأسي
قابلني العسس الساري في هواء المدينة
فشق صدري، وأبقى قلبي لديه رهينة .
يقول سفر (نشيد الأنشاد) التوراتي: ها أنت جميلة يا حبيبتي، عيناك حمامتان من تحت نقابك، شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد، أسنانك كقطيع الجزائر الصادرة من الغُسل . . . شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو، خدك كفلقة رمان تحت نقابك . . .، أما حجازي، فقد استدعى من (النشيد) قوله: في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي فما وجدته .
وقد سبق أن تحدثنا عن ديوان عفيفي مطر (أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت) وكيف أن الديوان أوغل في التناص مع الخطاب القرآني، لكن اللافت أن عنوان الديوان دخل دائرة الاحتمالات، واختلف الدارسون حول مضمونه، لكن التأمل الدقيق في هذا العنوان يكشف عن احتمال غاب عن القراءات النقدية، وهي أنه كان استدعاء لنص إنجيلي في الإصحاح الثاني عشر من (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس): ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسما لكل واحد بمفرده كما يشاء، لأنه كما أن الجسد هو واحد وله أعضاء كثيرة وكل أعضاء الجسد الواحد إذا كانت كثيرة في جسد واحد، كذلك المسيح أيضاً .
جزء من ورقة مقدمة إلى ملتقى الشارقة للشعر العربي .