الترتيب والنظام من أجمل العادات التي تجلب النجاح والسعادة، وتساعد على تنظيم الأفكار بشكل جيد، وبالتالي معرفة الأولويات والاحتياجات الأساسية، وهي الطريق إلى رسم خطة الوصول إلى الأهداف، ولذلك فإنها تعتبر من عادات العظماء والناجحين، ومن يرغبون في الحصول على السعادة، إلا أنه على الرغم من ذلك يوجد بيننا من لا يقدرها ويرفض أن يتخذها أسلوب حياة، لاعتقاده أنه يتبعها سلسلة من القواعد والقوانين التي تقيد حريته في التعامل مع معطيات حياته، وكثير من الناس يواجهون أعباء الحياة يومياً دون تنظيم ولا تخطيط لأعمالهم، فيُرهقون أنفسهم ولا يبلغون أهدافهم. وفي تحقيقنا التالي سنتعرف إلى أنماط مختلفة من الناس، لكل منهم نظامه الخاص، وأسلوبه في التعامل مع هذه القيمة الغالية.
يؤكد مصعب مأمون، طالب في كلية الطب أن الأسرة تلعب دوراً رئيسياً في تعويد أبنائها على النظام، فإذا كان أحد الوالدين أو هما معاً منظماً في حياته، فسينعكس ذلك على الأبناء تلقائياً. ويقول: «كانت ومازالت والدتي هي قدوتي، منها تعلّمت كيف أكون إنساناً منظماً، ولا شك أنني استفدت كثيراً من هذه القيمة في حياتي الشخصية، خاصة خلال المرحلة الجامعية، التي انتقلت فيها للعيش بمفردي في السكن الجامعي، وكان عليّ أن أدير وقتي بطريقة صحيحة حتى أتجاوز هذه المرحلة بنجاح، وهنا شعرت بالامتنان والاعتزاز بوالدتي التي علّمتني أبجديات الحياة، التي منها تقدير قيمة النظام. ولا أعني هنا ترتيب غرفتي وخزائني فقط، ولكن النظام بمفهومه الأوسع، الذي يشمل ترتيب أفكاري وأولوياتي وتفاصيل حياتي كلها، حتى أصبحت لا أستطيع العيش بلا نظام، مهما كانت الظروف المحيطة بي، واشتهرت بهذه الصفة بين زملائي في السكن الجامعي، حتى إن بعضهم يفضل أن أكون شريكه في الغرفة ليضمن نظامها وترتيبها الخارجي والداخلي».
ويقدر حازم سليمان، مهندس مدني، قيمة النظام التي تمثل بالنسبة له جزءاً هاماً ومؤثراً في منظومة عمله، أما في حياته الشخصية فيحب أن يتحرر من أي نظام أحياناً، ويقول: «بطبيعتي إنسان تلقائي، ولا أحب المبالغة في التخطيط لحياتي، إلا أنني في نفس الوقت لا أحب الفوضى، ولهذا فإنني أنظّم كل شيء دون أن أقيّد نفسي، وأحب أن أكون مرناً في رؤيتي ومخططاتي».
ويقول سامح نبيل، طالب في كلية الهندسة: «لا أعتبر نفسي شخصاً منظماً لأنني لست من أولئك الذين يستثمرون أوقاتهم بأفضل صورة ممكنة، وينظمون أولوياتهم وفقاً لأهدافهم في الحياة، ويديرون حياتهم بأسلوب منهجي منظم، ولكنني في نفس الوقت أعرف ما أريد. ولا شك أنني أضيّع الكثير من وقتي بسبب عدم تنظيمي لوقتي وأولوياتي، وأحياناً أشعر بالندم حين يدركني الوقت ولا أستطيع إنجاز ما أريده، وأحاول بعد ذلك جدولة يومي، وأنفّذ بعضاً مما خططت له، ولكنني للأسف لا أستطيع الاستمرار فيما بدأت به، وقد يكون السبب ضعفي أمام رغباتي التي تدفعني دائماً لكسر أي نظام أضعه لنفسي، منجرفاً وراء نزهة مع صديق أو مشاهدة تلفاز، أو ممارسة هواية في غير وقتها».
رؤية محددة
وتُرجع منى سليمان، ربة بيت، معاناتها في عدم قدرتها على تنظيم حياتها والتنسيق بين مهامها ومسؤولياتها إلى مرحلة التنشئة، مبررة ذلك بأن النظام مجموعة من المهارات المكتسبة والمتراكمة التي يصعب تعلّمها والتعود عليها في وقت قصير. وتقول: «نحن كأسرة اعتدنا على الحياة التلقائية، وكانت معظم قراراتنا فورية. كنا عندما نريد أن نخرج في نزهة، نرتدي ملابسنا وننطلق إلى وجهتنا، دون أن نفكّر إذا كان هذا القرار مناسباً لظروفنا جميعاً، أو أنه يتعارض مع مصلحة أحد أفراد العائلة. وأستطيع أن أقول إن أمزجتنا كانت تتحكم في تصرفاتنا أكثر من أولوياتنا، ولهذا لم نكن نشعر باختلاف كبير بين العام الدراسي والعطلة الصيفية، إذ إننا كنا في كلتا الحالتين نتصرف بحرية لم تكن تقيدها واجبات الدراسة والتزاماتها، واليوم بعد أن أصبحت لديّ أسرة أتصرف بنفس الطريقة، وأجد صعوبة كبيرة في تنظيم وقتي، وإلزام نفسي بمخطط يومي أو أسبوعي أضعه من أجل حياتي وتحقيق أهدافي».
وتتمسك دينا القدرة، طالبة جامعية بنظامها وأهدافها، ولا تتخلى عنهما مهما كانت الظروف. وتقول: «لا يمكن أن أعيش بلا رؤية محددة يوماً واحداً، وإلا شعرت بالضياع والاكتئاب، فلا أستطيع الاستمتاع بوقتي أو استذكار دروسي خارج إطار تنظيمي، أضعه وفقاً لطبيعتي وأهدافي واهتمامي في الحياة، ولأنني اعتدت على أقصى درجات التنظيم في جميع تفاصيل حياتي، أجد صعوبة كبيرة في التعامل مع الفوضويين، ولا أفضل الدخول معهم في أي مشروع شخصي. فالنظام بالنسبة لي عصب الحياة، وهو قيمة جميلة يجب أن نستمتع بها جميعاً، ولا يمكنني تخيّل حياتي بدونه، كما لا يمكنني أن أتصور كيف يعيش بعض الناس في فوضى. لا شك أن حياتهم ستفتقد إلى الاستقرار والراحة والسعادة الحقيقية، التي لا تتحقق إلاَّ بتنظيم حياتنا وأولوياتنا، بما يتناسب مع فطرتنا التي خلقنا الله عليها».
تربية النفس
وتتحدث الأخصائية النفسية هند الدهمان، عن النظام كمنهج وأسلوب حياة، قائلة: «المقصود بالتنظيم ترتيب الأشياء وإعادة صياغتها بطريقة مناسبة، تحقق الوصول السهل إلى الأهداف المخطط لها، سواء كانت جدولة وقت، أو ترتيب أفكار أو التخطيط لأمر ما، أما النظام فهو منهج واستراتيجية لفهم كل ما يدور حول الإنسان من معتقدات وعادات وأفكار وأشخاص، يتربّى عليها الفرد حتى تصبح جزءاً من شخصيته، وحب التنظيم قد لا يكون فطرياً عند البعض، فكثيراً ما نجد ميلاً لدى طفل نحو ترتيب أشيائه، بينما لا يمتلك أخوه الذي يعيش نفس الظروف البيئية نفس الميل. وهنا يأتي دور العامل التربوي والتعليمي في تعزيز مفهوم النظام وترسيخه كجزء من شخصية الإنسان، فيكون لهما دور مؤثر في هذا الجانب، والدليل على ذلك أن البعض ممن كان يعيش حياة غير منظّمة في أسرة لا تهتم بالجانب التنظيمي، تتغير حالته إلى الأحسن حينما يتعرض لظروف بيئية معينة أو لتدريب عسكري يدعو إلى الانضباط والتنظيم».
وتضيف الدهمان: «التنظيم هو إحدى المهارات الأساسية في حياة الإنسان، وربما زادت أهميته أكثر نتيجة كثرة الضغوط والأعمال والمهام، التي يجب على كل إنسان القيام بها في هذا الوقت المحدود من اليوم، فأصبحت الأعمال التي كانت تنجز ببساطة تحتاج بالفعل إلى تخطيط، وتربية النفس وتعويدها على النظام تتطلب تعميق مفهوم هذه القيمة داخلها، وتوجيهها نحو آليات التنظيم والتخطيط الجيد، التي تحدث عنها متخصصو علم النفس والإدارة في كتُبهم وبرامجهم التدريبية، وغيرها من الوسائل المتاحة أمامنا، والتي تساعدنا على التعرف إلى مهارات التنظيم واكتسابها والتدرّب عليها».