هذا الكتاب ينطلق من مفارقة شديدة الغرابة، وهي أنه في الوقت الذي تتراجع فيه الأيديولوجيات الدولية وتتساقط الأفكار والدول المناوئة للدين في الغرب، ترتفع فيه الأصوات المناوئة للدين في الشرق الإسلامي!

وفي الوقت الذي تتوحد فيه الهويات الثقافية في أوروبا رغم تعددها، تتشتت فيه الهويات داخل الدول العربية والإسلامية .

المفكر الدكتور محمد عمارة رصد هذه المفارقة من خلال قراءة علمية لهذه الأفكار التي قد نسميها أفكار العلمانية أو التغريب أو التنوير أو المناهضة للدين والهوية الثقافية، ومن ثم للمشروع الحضاري الإسلامي كله!

وعمارة هو أدرى الناس بشعاب هذا الموضوع، فالرجل انغمس في قراءة الفكر القومي اليساري منذ الخمسينات، ورصد مقولات فلاسفة الغرب، وقدم الأعمال الكاملة لعلماء الشرق الإسلامي المحدثين، خاصة الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والكواكبي ومحمد بن عبدالوهاب ورفاعة الطهطاوي، ثم بلغ قمة نضجه الإسلامي في الثلاثين سنة الأخيرة، حتى أنجز نحو 135 مؤلفاً في الفكر والثقافة والسياسة الإسلامية .

كتاب الإسلام بين التنوير والتزوير هو الكتاب رقم 105 تقريباً، صدر عام 1416ه - 1955م في طبعته الأولى، وهو رصد حي لتيار فكري مارسه البعض تحت مسمى التنوير ويحسبه مفكرنا الأكبر تزويراً بالإجماع!

كعادته يبدأ المؤلف بضبط المصطلح المستخدم، حيث يقرر أن التنوير مفهوم شابه التزوير من أهل التزوير، تماما كما حدث مع مفاهيم مثل الخلافة والإمامة والتجديد والحداثة والدولة الدينية والعقلانية والأصولية والجهاد!

التنوير في الخطاب العربي الإسلامي يعني وقت صلاة الصبح . فهو إذن معنى لغوي بعيد عن الدلالة الفكرية التي يتحدث بها التنويريون عن التنوير .

علمنة الإسلام والعمران

نتجاوز مع المؤلف عن القوائم الطويلة لأسماء المنورين، أو المزورين في البيئة العربية، ومن نقلوا عنهم من البيئات الأوروبية، ونتوقف عند جل القضايا التي مارس فيها بعض العلمانيين والماركسيين العرب هذا التزوير .

القضية الأولى هي التي يعنونها الكتاب علمنة الإسلام والعمران، وكما هو واضح فإن الهدف المقصود هنا هو جعل الإسلام في ناحية والحياة والإنسان والعمران في ناحية أخرى!

في البيئة العربية عملوا بالفعل على فك الارتباط بين الدولة والدين وبين الشريعة والقانون، واتهموا الخلافات عبر التاريخ الإسلامي كله بالاستبداد وأنكروا إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم الدولة والدستور وشؤون الحكم .

ورغم مئات النصوص والممارسات والمعاهدات والقوانين الإسلامية التي أسست وأدارت ووسعت رقعة الدولة الإسلامية . فإن السؤال المنطقي: إذا كانت الليبرالية مثلاً لا تقيمها إلا سلطة ليبرالية، والاشتراكية مثلا لا تقيمها إلا سلطة اشتراكية، فإن الشريعة الإسلامية لا تقيمها إلا سلطة أي دولة إسلامية . وهل يتصور عاقل أن أحكام الإسلام في العقيدة والأخلاق، في الحرب والسلم، في العبادات والمعاملات، في الاستخلاف وبناء العمران، في حماية الأرض والعرض، في مدارات التاريخ وعطاءات الحضارة . كل هذا يتم والإسلام بعيد عن الدنيا؟!

كيف يتبنى التنويريون العرب مقولات ملاحدة الغرب وأحبار الكاثوليك نفسها؟ هل يقوم عمران على الأرض بعيدا عن نواميس الله في كونه؟! هل في النص القرآني والنبوي تعارض مع معطيات العلم والعقل الإنساني النبيل؟!

معاذ الله أن يتجرد الإسلام على لسان التنويريين من السياسة وشؤون الدولة والقضاء والتنفيذ وحماية الأوطان . معاذ الله أن ينقلوا عن الآخر أصول العمران والثقافة ويتجاهلوا هذا الدين العظيم . لمجرد أن التنويريين في أوروبا قد قالوا، ولهذا على كتابنا أن يتبعوهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، كما قال كبيرهم الذي علمهم التزوير منذ نحو 60 سنة!! وصدق الله إذ يقول: قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور، أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون .

التفرنج والانسلاخ

قضية أخرى يرصدها المؤلف في نحو 60 صفحة، يكشف بها تزوير التنويريين في الجيل الأول الذي عاش في أوائل القرن العشرين، وكان عميدهم سلامة موسى (1888 - 1958) وطه حسين (1889 - 1973)، وهو الجيل الذي عاش جو الاستعمار الغربي لمعظم دول العروبة والإسلام تمهيداً للمشروع الصهيوني في المنطقة . خلاصة هذه القضية هي التفرنج والانسلاخ من الشرق والعروبة والإسلام .

هذا الانسلاخ مارسه التنويريون من خلال فرنجة الأمة ثقافياً، حتى قال أحدهم: إننا أوروبيون في كل شيء في الخلقة والدماء . والانسلاخ من رابطة العروبة بالدعوة إلى الوطنيات الضيقة، ومن رابطة الإسلام بالتعصب إلى القوميات وإضعاف الخلافة ثم إلغائها كما حدث عام ،1924 وأيضاً تحقير الشرق حتى قال كبيرهم: الثقافة الشرقية نعرضها لكي نتجنبها . . هي العبودية والذل والتوكل على الله .

أيضا، الانسلاخ من اللسان العربي الذي هو وعاء الدين ورمز الثقافة حتى وصفها متنور بأنها لغة بدوية أو لغة ميتة، ودعا إلى العامية والأجنبية، ثم ظهرت حماقته سلامة موسى عندما يقول: العربية ليست لغة الديمقراطية والأوتومبيل والتليفون بل لغة القرآن وتقاليد العرب!

وفي هذا السياق رددوا أن الوطنية ليست دعوى عربية بل أوروبية، وتشجعوا على الانتماءات الوطنية التي تشبه العنصريات الأجنبية مثل الفرعونية والفينيقية . . تمهيداً لأن نولي وجهنا شطر أوروبا بالكلية .

وامتداداً للرصد الموضوعي لمقولات أهل التنوير في بيئة المسلمين . يلاحظ الكتاب بعض مقولات الجيل الثاني . ويتوقف سريعا أمام ثلاثة مخاطر تنويرية .

الأول محاولة أنسنة الدين، أي جعله إنسانيا وإلغاء المقدسات . من الله إلى الرسالة إلى الوحي إلى الغيب، وقد ظهر هذا المنحى الخطير في كتابات حسن حنفي عن التراث والتجديد

الثاني مركسة الإسلام، أي فهمه فهمًا ماركسيًا ماديًا نفعيًا، وهي نظرة تضع الدين في خدمة الإلحاد وترصده في البعد الاجتماعي (السوسيولوجي)

الثالث الهزل والتأويل في فهم الإسلام بعيون غير عادلة بل مزورة . وقد ظهر هذا المنحى عند جل التنويريين الجدد الذين يجزئون الإسلام ويبترون وقائعه ويؤولون نصه تأويلا يخرجه عن سياقه، بشكل يعكس سوء النية وخراب القصد والفعل . . ولهذا هاجم بعضهم السلف الصالح كما فعل حسين أحمد أمين، ونفر بعضهم من الشريعة وخاصة الحدود، وغمز بعضهم في الحجاب الشرعي، وفي المواريث، ثم في العلماء والأصوليين . وهكذا ابتعدوا عن العدالة العلمية وأحلوا الفسوق الفكري والتزوير!

التنوير الإسلامي الحقيقي

بعد هذه التعرية الفكرية التي رصدها الدكتور عمارة، يتوقف في نحو 130 صفحة، ليشير بالإبهار إلى عدد من مفكري التنوير (الاجتهاد) الإسلامي الحقيقي . فتنويرهم هدم للدين وتنوير مفكرينا تجديد وإحياء . هم يثورون عليه ويلغون أثره في الكون والناس . ومفكرونا يفهمون النص ويقدرون الشرع ويصلحون دنيا الناس بدين رب الناس .

ومما يعجب له المؤلف أن عدداً من تلاميذ التنوير العلماني الأوروبي مارسوا نوعا من التزوير المفضوح عندما سحبوا عدداً من مجددينا الإسلاميين ووضعوهم في خانة المتنورين المزورين . وهذا خطأ مقصود لا ريب، ومن هؤلاء رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده .

التنويريون الإسلاميون كانوا في خدمة المشروع الإصلاحي الإسلامي وفي مواجهة المشروع التغريبي العلماني، ولهذا تجسدت رؤاهم في عدد من الاجتهادات التي تصب في صالح الدين والدنيا من ذلك:

1- صيانة المقدسات الإسلامية والدينية الممثلة في الخالق والوحي والنبوة والغيبيات وثوابت الشريعة الإسلامية .

2- اعتماد العقل والتجريب مصدرا للمعرفة مع الشرع والوحي كمصدر للمعرفة فالمعارف البشرية المدنية مصانة والأحكام الشرعية مصانة . بل دعا الطهطاوي إلى إسلامية سبل المعرفة، فالعقل يحتاج إلى تأييد الشرع في التحسين والتقبيح .

3- وحدة الأمة الإسلامية، ووجود الحاكم الخليفة، وسياسة الدنيا بالدين، واستلهام مصالح العباد بشريعة رب العباد وإقامة النهضة والعمران وفي هذه الرؤى، قواسم واضحة تؤكد رفض الفكرة العلمانية التنويرية الغربية القائمة على فصل الدين عن الدنيا، يقول الأفغاني: فالدين قوام الأمم، وبه فلاحها، وفيه سعادتها وعليه مدارها .

4- ربط التجديد في التعليم والعادات والتفكير والقانون والفنون والعمران وإدارة الحكم والأسرة، بالإسلام .