مع تزايد ضغوط الحياة وانتشار القلق والتوتر والهواجس والمخاوف يلجأ معظم الناس إلى طرق مختلفة أملاً بمعالجة آثارها، ومن بين تلك الأساليب العلاج بالطاقة والتنويم وغيرهما من طرق حديثة نسبياً إلى حد إقامة دورات اختصاصية توفر تقنيات علمية للتغلب على المصاعب التي يواجهها الإنسان حالياً .
وعلى الرغم من عودة استخدام العلاج بالتنويم إلى عصور سالفة إلا أن تلك الوسائل والعلاجات أخذت طريقها نحو الانتشار مجدداً في الآونة الأخيرة، علماً أن الاستخدام الأساسي للتنويم كان يتمثل على مر العصور في علاج الأمراض .
استخدم هذا الاسلوب أغلب الأطباء وسيلة تخدير قديمة (قبل اعتماد مواد التخدير) مثل الدكتور البريطاني جيمس اسديل عام 1850 حيث سميت حالة التنويم العميق باسمه (حالة اسديل) واستمر صيتها في الهند إلى الآن، حيث كان الدكتور اسديل يدخل المريض في حالة تنويم عميق قبل أن يباشر عمليات استئصال مؤلمة مثل بتر ساق أو إزالة أورام أو غيرها .
وفي هذا الصدد التقت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) المدرب المعتمد في فن إدارة الحياة حسين علي الذي أكد توجيه استخدام التنويم في العصر الحالي نحو علاج الأمراض (النفس - بدنية) أي الأمراض البدنية من أساس نفسي .
وأوضح علي أن العقل الباطن عندما يتعمق في الأفكار السلبية ويرغب في التخلص منها فإنه يعطي رسائل عن طريق الجسد فيشعر الشخص بالألم والصداع وغيرهما من الأعراض أو يفرز مشاعر سلبية مثل المخاوف بأنواعها أو العصبية المفرطة اوالاكتئاب وما إلى ذلك .
وقال: إن لم يتخلص الإنسان من أسلوب تفكيره السلبي أو المشاعر والمواقف السلبية المغلفة في عقله الباطن وتحويلها إلى خبرات ايجابية فإنها تتحول لأمراض حسب تأثير كل فكرة سلبية في عضو معين بجسم الإنسان .
وذكر أن آلية التنويم من شأنها المساعدة على التخلص من الأعراض النفسية مثل العصبية والقلق والمخاوف والاكتئاب، وكذلك حالات جلد الذات ولو أن وجودها بنسب قليلة مفيد للإنسان .
وأوضح بالقول لنتصور إنساناً ليس لديه خوف نهائياً وفي حال مواجهته للأخطار فإن ذلك سيقوده من دون أدنى تراجع أو قلق أو خوف إلى طريقالتهلكة لذا يمكن القول إن نسبة من الخوف والقلق والعصبية القليلة مفيدة في حماية الإنسان لنفسه .
وأضاف أن تدخل التنويم أو غيره من العلاجات يكون عندما تتحول المشكلة لشيء يعطل حياتنا اليومية أو يؤثر في الإنسان وصحته ومحيطه، مشيراً إلى أن التنويم يعالج الأمراض الجسدية ويساعد على علاجها عن طريق العلاج التكميلي المرافق للعلاج الطبي .
وحول علم التنويم أكد المعالج المعتمد من البورد الأمريكي للتنويم أن كل المنومين يستخدمون تقنيات التنويم لعلاج الأمراض الجسدية والنفسية ولكن هؤلاءكانوا دائماً محاربين من قبل المنظمات العلمية والعملية أو الهيئات والمؤسسات الدينية .
وأوضح علي أن حالة التنويم كانت تاريخياً تعد ظاهرة خارقة للعقل البشري مع غياب أي إثبات علمي لها، مضيفاً أن ما زاد من هذه الحرب على المنومين هو ظهور (زهرة البنج) المادة المسؤولة عن تخدير جسم الإنسان أو ما يعرف اختصاراً ب(البنج) .
وعن تاريخ استخدام التنويم أكد عودته استناداً إلى مخطوطات ومنحوتات للمصريين القدماء (الفراعنة) والهنود الذين استخدموا علم التنويم في العلاج خلال حقبة ما قبل الميلاد، مؤكداً أن أول تاريخ معتمد لاستخدام تقنيات التنويم كان في عام 1500 على يد شخص يدعى (براسيلسوس) .
وكان (براسيلسوس) يستخدم العلاج باستخدام المغناطيس ثم جاء (الأب ماكسميليان) ليكمل المسيرة من بعده حتى ظهر (فرانس ميزمر) سنة 1750 ميلادية الذي يسميه البعض (أبو التنويم) حيث يسمى علم التنويم باستخدام المغناطيس بالمدرسة (المزمرية) ووثق (ميزمر) علاج التنويم باستخدام المغناطيس عن طريق تمرير المغناطيس على جسد المريض مع كلمات فتعالج المريض .
وأشار علي إلى تطور هذا العلم على يد الجراح الاسكتلندي جيمس برايد (من العام 1795 إلى 1860) إذ كان يستخدم التنويم عن طريق تكرار الإيحاءات حتى يدخل الشخص بحالة غشوة ومن هنا تأكد أن لا دخل للمغناطيس بل هو الإيحاء الموجه للشخص يجعله يدخل في حالة تنويم .
وذكر أن آباء التنويم في العصر الحالي هم ديف المان بصفته أشهر الكتاب في هذا العلم وملتون إريكسون (أبو التنويم الحديث) الذي غير خريطة التنويم عندما استخدم تقنيات التنويم عن طريق الكلمات فيدخل الشخص في حالة غشوة مع بقاء عينيه مفتوحتين .
وأكد في هذا السياق أن إريكسون هو أول من استخدم أسلوب الحث (وتسمى بالتدريبات الحث الإريكسوني) حيث يستطيع المنوم رفع شخص من خلال توجيه الكلام له إذ ترتفع اليد من خلال تنفس الشخص حتى من غير الدخول في حالة تنويم عميق أو استرخاء .
وأضاف أن استخدام التنويم في العصر الحديث بلغ مجالات مختلفة إذ يتم في حالات الولادة حيث ترغب بعض النساء في رؤية كيفية سير عملية الولادة من غير ألم جسدي والاستمتاع بالتجربة وكذلك مجال خلع الأسنان الذي يتم بتخدير موضعي عن طريق الإيحاء .
وقال إن نسبة الإقبال في الوطن العربي على التنويم مازالت ضعيفة لأنه موضوع غامض وسلبي بالنسبة للكثيرين مرجعاً السبب الرئيس في هذا إلى الإعلام والأفلام العربية القديمة التي تظهر أن المنوم يستطيع عن طريق آليات التنويم أن يستخرج أسرار الشخص .
وأوضح علي أن آلية التنويم هذه لا تعمل نهائياً إلا في حالة رغبة الشخص الخاضع للتنويم في التحدث كما أن هذه الأفلام تستهزىء بالشخص الذي تم تنويمه مما أثر في الكثيرين .
وعن مدى قبول الكويتيين لهذا النوع من العلوم أكد أن هناك إقبالاً لتعلم هذا العلم أكثر من تطبيقه، متمنياً أن يكون هناك اعتراف رسمي بدور المنومين بالكويت أو وجود جهة معتمدة للمعالج والمنوم .
ولفت علي إلى ان التنويم في الدول المتقدمة أصبح جزءاً مهماً خصوصاً في تأليف الروايات والأفلام السينمائية وفي خطب الشخصيات المهمة ورؤساء الدول .
وذكر أن تدريس علم التنويم، خصوصاً بعد ظهور المدرسة الإريكسونية بالحث عن طريق المحادثة والكلمات الإيحائية ليدخل الشخص في تنويم من شأنه المساهمة في تعدد استخدامات التنويم والدخول في العقل الباطن للإنسان .
وتجاه هذا النوع من العلوم كآلية علاجية انقسمت آراء كثيرين التقتهم (كونا) بين مؤيد ومعارض نظراً إلى حداثة انتشار التنويم في المنطقة العربية رغم قدمه، فهناك من يجد أنها علاجات تسويقية تجارية في حين يرى آخرون أنها ساعدت البعض على التغلب على مخاوفهم ومشكلاتهم .
وقالت رانيا فاروق إنها مؤمنة كثيراً بالتنويم والعلاج بالريكي حيث إنه ساعدها على تخطي العديد من المشكلات والمخاوف .
وأكدت فاروق انها لجأت إلى التنويم للتغلب على بعض المشكلات التي واجهتها في حياتها وساعدها كثيراً في تخطيها .
من جهته، ذكر طارق العوضي أنه لا يؤمن بهذه العلاجات بل يجدها تجارية ويتم خداع البشر بجمل تسويقية لأنهم يعرفون مدى الضغوط النفسية التي يواجهها الفرد في هذا العصر ومدى حاجة الناس للجوء إلى أي شيء للتخفيف من معاناتهم .
واعتبر العوضي أن الإنسان من الممكن أن يساعد نفسه إن أراد ذلك من دون الحاجة للجوء إلى دورات أو العلاج بالتنويم والريكي وغيره .
من جانبها، اعتبرت فاتن العجمي أن هناك خلطاً بين المعالج الحقيقي والمدعي الذي يريد أن يسوق لنفسه، حيث بات العديد يدعون معرفتهم بهذه العلوم ويقدمون دورات بأغلى الأسعار لاختيارهم مواضيع تدغدغ مشاعر الشخص المملوء بالهموم .
وقالت العجمي: إن هناك معالجين حقيقيين يتقاضون مبالغ عادية لرغبتهم الحقيقية في مساعدة الآخرين، مشددة على وجوب عرض شهادات المعالج للتأكد من صحة تلقيه لهذا العلم ليصبح جديراً بثقة الناس الذين يبحثون عن الراحة النفسية .
وأشارت إلى أن هناك استعداداً لدى الكثيرين للجوء إلى مثل هذه الجلسات نظرًا لخشية العديد منهم من الذهاب إلى أطباء نفسيين لخوفهم من تسميتهم مرضى نفسيين لذا لجأوا إلى العلاجات الأخرى .
(كونا)