علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يرقى بسلوكياتنا ويضاعف من قيمتنا في عيون الآخرين، وأوضح لنا في العديد من توجيهاته ووصاياه الكريمة أن الإنسان يفرض احترامه على الناس بسلوكه الراقي، وتواضعه واحترامه لإنسانيتهم، واعترافه بحقوقهم .
لذلك تجسدت في سلوكياته صلى الله عليه وسلم كل القيم الرفيعة والأخلاق العالية، واستطاع بسلوكه الراقي أن يجذب إليه القلوب، ويجمع حوله الفرقاء، ويواجه بعقل وحكمة كل التجاوزات السلوكية لهؤلاء الذين تربوا في بيئة قاسية عرفت كل أشكال السلوك الخشن، والكبرياء الزائف، والغرور، والظلم، والتفاخر بالأنساب والأموال وقوة الأهل وعنف القبيلة .
في هذا المجتمع الجاهلي جاء رسول الإنسانية ليحث الناس على التواضع، ويقرأ عليهم صباح مساء إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
لقد علمنا صلوات الله وسلامه عليه أن التواضع ليس مجرد فضيلة تجلب لصاحبها رضا الناس وحبهم وتقديرهم بعد رضا الله عز وجل فحسب، بل هو قيمة إيجابية، تحسن العلاقة بين الناس، وتنشر المحبة والمودة بينهم .
كما غرس فينا عليه الصلاة والسلام عملياً من خلال سلوكياته الراقية أن خلق التواضع من مكارم الأخلاق، ومحامد السجايا والصفات، وسمة المؤمنين المخلصين، وعلامة واضحة للصفوة من عباد الرحمن الذين أضافهم رب العزة إليه، وذكر أول أخلاقهم وعلاماتهم في قوله تعالى: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً .
المثل الأعلى
عالم السنة النبوية الشهير د . أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء يحدثنا عن فضيلة التواضع واحترام الآخرين في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: كان عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في اللين والتواضع، التزم دائماً بأمر خالقه الذي كان يرسم له في مواقف كثيرة أسلوب التعامل المثالي مع الناس، وهو سبحانه القائل له: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، وباللين والتواضع والرفق والرحمة التف الناس حوله، واجتمعوا على كلمة الحق والهدى، وفي هذا توجيه للعلماء والدعاة والمسلمين جميعا أن يأخذوا الأسوة الحسنة في التعامل مع الآخرين من نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فيكون الواحد منهم ليناً رقيقاً، رحيماً مع من يدعوه ويوجهه، فالغلظة والقسوة تصرف الناس عن طريق الحق، وتدفعهم إلى العناد، ولذلك وجه الخالق عز وجل رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه بقوله: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين .
وكان صلوات الله وسلامه عليه المثل الأعلى في التواضع ولين الجانب، كان يجيب دعوة العبيد، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويخدم أهله، وقد حث صلوات الله وسلامه عليه على خلق التواضع ودعا إليه، لما فيه من رفعة صاحبه، وعلو منزلته في الدنيا وعند الناس، ولما يترتب عليه في الآخرة من المثوبة والأجر، وقد جاء في الحديث الصحيح: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله .
صور مشرقة
وينقل لنا د .هاشم صوراً مشرقة من فضيلة التواضع في حياة صحابة رسول الله الذين أحاطوا به وتعلموا منه وتخلقوا بأخلاقه الكريمة فيقول: لقد وعى سلفنا الصالح فضيلة التواضع، فكانوا حريصين عليها، يعالجون بها نزعات النفس، ويكسرون بها حدة الاستعلاء، ليظلوا بعيدين عن الترفع والغرور، فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب فيقول: يا أيها الناس لقد رأيتني أرعى الغنم عند خالات لي من بني مخزوم، فأقبض القبضة من التمر والزبيب فأظل بها يومي، فقال له عبدالرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين ما زدت على أن عبت نفسك، فقال له عمر: ويحك يا ابن عوف إني خلوت بنفسي فحدثتني فقالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك، فأردت أن أعرفها بنفسها .
وهذا عمر بن عبدالعزيز يضرب أروع الأمثلة في التواضع، موضحاً لقومه أن التواضع لا ينقص من قيمة صاحبه، ذات مرة كان مع بعض جلسائه فاحتاج السراج إلى شيء من الإصلاح فقام ليصلحه، فقالوا له كلنا نكفيك ذلك، فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه، قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء .
والتواضع كفضيلة من الفضائل كما يقول د .هاشم هو أمر وسط بين رذيلتين من الإفراط والتفريط، فجانب الإفراط فيها يخرجها عن حدودها، حيث يصبح المفرط في ذل ومسكنة، وهذا ما لا يرضاه الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذلة والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة . . وأما جانب التفريط أو التقصير فيؤدي بصاحبه إلى الغرور والاستعلاء والتكبر، والغرور آفة الآفات، وأخطر الرذائل، ومهما اختال وتكبر الإنسان فإنه ضعيف، بل هو أضعف من الجمادات التي يظهر زهوه وخيلاءه فيها، فالأرض التي يمشي عليها مهما ضربها بقدميه فلن يخرقها، والجبال التي يراها مهما أشرأب بعنقه وتطاول بقامته فلن يبلغ طولها . . يقول الحق سبحانه محذراً من التكبر والاستعلاء: ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً .
الكبرياء الزائف
من هنا يؤكد الفقيه والعالم الأزهري د . نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء ضرورة أن نربي أولادنا منذ الصغر على فضيلة التواضع، وأن نواجه رذيلة التكبر والاستعلاء على خلق الله بالتوعية الدينية الصحيحة، وأن نوضح لهم أن التواضع خلق إسلامي لا ينبغي أن يفارقهم في كل سلوكياتهم، وأن أهل التواضع واللين هم أحرى الناس بمحبة الآخرين والثقة بهم، وهم قبل كل ذلك أقرب عباد الله إلى خالقهم، لأنهم يتعاملون باللين والرحمة مع إخوانهم المؤمنين، وهم في الوقت نفسه يتعاملون بالشدة اللازمة مع كل من يعتدي على دينهم، إنهم على المؤمنين أذلة أي رحماء لطفاء وعلى خصوم الدين والوطن والمعتدين على كرامتنا والمهدرين لحقوقنا أعزة، أي أشدة، وهم في ذلك يعملون بقول الحق سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم .
ويضيف د . واصل: من المؤسف أن نشاهد في سلوكيات شبابنا كل مظاهر التكبر والاستعلاء . . فهذا الكبرياء الزائف سينفر الناس منهم، وسيجعلهم منبوذين في كل مكان يذهبون إليه أو يعملون فيه . . ويقول: بقدر ما نحبب أولادنا في فضيلة التواضع ينبغي أن يكون تحذيرنا لهم من الغرور والتكبر فهذه الخصلة السيئة تقتل صاحبها وتدمر مستقبله مهما كانت قدراته وإمكاناته وخبراته .
علينا أن نذكر أبناءنا دائماً بقول الحق سبحانه: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير .
ينبغي أن يعلم شبابنا أن رذيلة الكبر لها آثارها الأليمة وعواقبها الوخيمة، فهي تدمر علاقات من يتصف بها، وتدفع كل الناس إلى النفور منه، وبذلك لا يمكن أن يحقق نجاحاً في أي مجال، وإلى جانب ذلك فإن عاقبة المتكبر الحرمان من الجنة في الآخرة فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر .
مفهوم خاطئ
وهنا يصحح د . واصل مفهوماً خاطئاً التصق بعقول بعض الناس الذين فهموا فضيلة التواضع على غير حقيقتها، وتخيلوا أو توهموا أنها تمنع الإنسان من الاعتزاز بنفسه والحفاظ على شخصيته وكرامته بين الناس، ويقول: من يفهم دينه جيداً ويلتزم بآدابه وأخلاقياته يدرك أن التواضع يزيد صاحبه عزة وكرامة ولا يقلل من شأنه أبداً بين الناس، بل هو على العكس من ذلك يرفع من قيمته ويضاعف من ثقة الآخرين به، ويدفعهم إلى التعامل معه بكل خلق طيب، وبذلك يؤثر الإنسان المتواضع في المحيطين به ويحسن من أخلاقهم حيث يدفعهم بتواضعه إلى التعامل بالحسنى .
والتواضع لا يعني كما يتوهم البعض أن يعيش المسلم بلا عزة وبلا كرامة، فالمسلم الملتزم بتعاليم دينه لا يذل ولا يستكين لأحد، وعزته هذه لا علاقة لها بالغرور والاستعلاء على خلق الله، وليس فيها من التكبر أدنى خيط، لأن الإسلام غرس في نفس المسلم العزة ليواجه بها صلف الذين يلبسون ثوب الكبرياء، والذين يعوضون ما بهم من نقص .
وينتهي د . واصل إلى المطالبة بتعليم شبابنا وتربية أطفالنا منذ نعومة أظفارهم على أن الاستعلاء والتكبر ليس دليل اعتزاز بالنفس ولا حرصاً على الشخصية، بل هو دليل ضعف، وعلامة على فقر داخلي لدى الشخص المتكبر وانعدام ثقته بنفسه، وأن من يتعالى على الآخرين إنسان مريض يحاول أن يغطي على هذا الخلل في شخصيته بالتعالي على غيره من البشر ممن يرى أنهم أدنى منه، ناظرا إليهم باستعلاء وربما بازدراء، لا بد أن يعلم كل مغرور أن هذه الرذيلة ستدمره وتقضي على مستقبله .