والتواضع يعني عدم التعالي والتكبر على أحد من الناس، فالمسلم مطالب باحترام الجميع مهما كانوا فقراء أو ضعفاء، أو أقل منزلة منه، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتواضع من خلال أمره لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بذلك: «واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين»، أي تواضع للناس جميعا.. ويقول صلى الله عليه وسلم في مدح خلق التواضع: «طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل نفسه من غير مسكنة»، وهذا يعني أنه لا يجوز للمسلم أن يبالغ في التواضع لدرجة مذلة النفس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، والتواضع - كما يقول علماء الأخلاق - شعور داخلي ينعكس على سلوك الإنسان، ولذلك قال الحكماء: «إذا تواضع القلب خشعت الجوارح».
وقد سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: «أن تخضع للحق وتنقاد إليه، ولو سمعته من صبي قبلته»، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «لا يحقرن أحد أحداً من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير».
وتواضع المسلم - كما يقول د. رمضان بسطويسي أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة عين شمس المصرية يكون أولاً لخالقه عز وجل، فالمسلم يتواضع مع الله بأن يتقبل أوامره ونواهيه، ولا يجادل ولا يعترض على أوامر الله، ويتواضع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يتمسك بسنته وهديه، فيقتدي به في أدب وطاعة، ومن دون مخالفة لأوامره ونواهيه، ثم يتواضع المسلم مع خلق الله بألا يتكبر عليهم، وأن يعترف بحقوقهم، وأن يتعامل معهم بود ورفق ورحمة، وأن يؤدي لكل منهم حقه، بدءاً بأهل بيته وانتهاء بأبسط الناس وأضعفهم من خدم وفقراء ومتسولين وغيرهم.
وبهذا يكون التواضع أساس كل الفضائل والقيم النبيلة والسلوكيات الحميدة.
رفعة من الله
ويضيف: التواضع صفة من أجلّ الصفات التي يتصف بها الإنسان، وهي تدل على طهارة النفس، وتدفع إلى المودة والمحبة والمساواة بين أفراد المجتمع، وتنشر الثقة والترابط الإنساني بينهم، وتمحو الحسد والبغض والكراهية من قلوب الناس.. يقول صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، كما يقول عليه الصلاة والسلام: «من تواضع لله رفعه الله»، وقال في حديث ثالث: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد».
وقد قسم علماء الأخلاق التواضع إلى نوعين:
- تواضع محمود: وهو ترك التطاول والتكبر على عباد الله، والازدراء بهم.. فالمسلم مطالب شرعاً بترك الكبر الذي عرفه الإمام الغزالي بقوله: «أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فيحصل فيه نفخة وهزة من هذه الرذيلة».
- تواضع مذموم، وهو تواضع الإنسان لشخص طمعاً فيما يمتلكه من مال أو سلطان.
حب الناس وثقتهم
ويقول د. محمد أبو هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر: لقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على التمسك بفضيلة التواضع، والبعد عن رذيلة الكبر والتعالي على الناس، لما في التواضع من سلوك وخلق طيب يجلب لصاحبه حب الناس وتقديرهم وثقتهم، ولما في رذيلة الكبر من سوء خلق وكبرياء زائف من شأنه كراهية الناس لمن يتصف به.. يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة.. قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
ومعنى قوله: «الكبر بطر الحق». أي أن المتكبر يهدر حقوق الناس ويحيد عن الحق والعدل، و«غمط الناس»، أي احتقارهم فتلك الصفات السيئة من مقومات الكبر الشاملة، ولأن صفة الغرور لا تسكن إلا القلوب ضعيفة الإيمان فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
والكبر الذي حذرنا منه رسولنا الكريم في العديد من الأحاديث، يجلب لصاحبه الأذى، ويحرمه من فضائل أخلاقية واجتماعية كثيرة، وتدفع إليه أمور منها غرور الإنسان بعلمه أو بعبادته، أو بوفرة ماله أو كمال قوته، أو كثرة أولاده وعائلته، أو كبر منصبه.. والتاريخ حافل بقصص المتكبرين المتجبرين الذين عاشوا في أبراجهم العاجية مترفعين على الناس، ترفعاً حمل بعضهم على البطش والتجبر، فدفعوا ثمن تكبرهم وتجبرهم وكانوا عبرة لكل من له عقل يعتبر به ويستفيد من تجارب الآخرين.
شباب فاسدون
من أجل ذلك يحث د. أبو هاشم كل مسلم على أن يتسلح بالتواضع، ويؤكد أن التخلي عن هذه الفضيلة يجعل الإنسان يعيش في توتر وقلق واضطراب، ذلك أن الكبر والغرور والتعالي على الناس تزرع في النفوس الأحقاد والضغائن وتغري بالظلم والعدوان، وقد أفسدت هذه الرذائل حياة كثير من الناس، وخاصة الشباب الذي يتعالى على الناس من دون أن يكون لديه شخصيا ما يفتخر به.
ويضيف: لقد أفسد الغرور والتعالي حياة كثير من شبابنا خاصة هؤلاء الذين لم يتربوا في بيوتهم تربية إسلامية، فنشؤوا على الكبر والتعالي على الناس، وأصبح من الطبيعي أن تتعامل مع شاب لا رصيد له من العلم والفكر والثقافة وليس له خبرة في الحياة ولا وزن له بين الشباب المنتج المفيد لنفسه ولمجتمعه وهو يتحدث إليك متعالياً ويقول: «أنت عارف بتكلم مين»، وأصبح من الطبيعي أن يتعامل معك ولد في عمر أولادك أو أحفادك بكبرياء وغطرسة وغرور من دون أن ترى فيه أو تلمس منه أو تسمع عنه سوى أنه ابن زيد أو عبيد من الناس، وهذه الفئة أو النوعية المغرورة لا يمكن أن تشعر بالاستقرار الاجتماعي والنفسي نتيجة غياب خلق التواضع عن حياة أفرادها وسيطرة كبرياء زائف على نفوسهم.
سلوك لا يليق بمسلم
وهنا يتدخل د. محمد داود الأستاذ بجامعة قناة السويس والداعية الإسلامي المعروف ليؤكد أن شبابنا في أمسّ الحاجة إلى خلق التواضع، لكي تستقيم أموره النفسية، وعلاقاته الإنسانية والاجتماعية، حيث لا تستقر ولا تنمو ولا تقوى تلك العلاقات إلا بين أناس يتعاملون مع الآخرين باحترام وتقدير متبادل، من دون الاستناد إلى اسم عائلة أو نفوذ أب أو سلطة أخ، ومن دون النظر إلى وضع الأسرة المادي أو شهرتها ومكانتها بين الأسر.
ويؤكد د. داود أن التعالي والتكبر على الناس، واحتقار أوضاعهم المادية، أو مكانتهم الاجتماعية، سلوك قبيح لا يليق بمسلم، فضلاً عن أنه يؤدي دائما إلى التشاحن والتشاجر والعنف الدموي، وهذا ما نراه في الشوارع، وفي الجامعات والنوادي وميادين العمل بل حتى داخل البيوت حيث نرى أنماطاً غريبة من العنف بين أفراد الأسرة الواحدة نتيجة عدم التعامل بتواضع وحسن خلق بين الأشقاء والأقارب.
ويرى الداعية الإسلامي أن غياب التربية الإسلامية هو سبب هذا السلوك الاجتماعي المعيب، ويقول: كثير من الناس يربون أولادهم على التعالي على الناس، وعدم التواضع في التعامل معهم، ويعتقدون أن هذا السلوك يسهم في رسم صورة اجتماعية جيدة لهم في عيون الناس، وهم بالتأكيد مخطئون ويلحقون أبلغ الضرر بأولادهم.
القدوة الطيبة
ويضيف: لا بد أن نعترف بأن أخلاقيات كثير من شبابنا الآن بعيدة كل البعد عما جاء به الإسلام من آداب وأخلاقيات، وما أقره من قيم وسلوكيات فاضلة، والأسرة هي المسؤول الأول عن ذلك حيث يجب أن نربي أولادنا على قيم وأخلاقيات الإسلام، وأن نذكرهم دائما بقول الحق سبحانه: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
علينا أن ندرك أن محاربة رذيلة الكبر والاستعلاء على الناس تبدأ من داخل البيت عن طريق القدوة الطيبة التي يراها الصغار في سلوكيات الكبار، فلا يمكن أن أقنع طفلي برفض سلوك وهو يراني أفعله أمامه كل يوم.
وإذا كنا نريد تربية أبنائنا على الاعتزاز بالنفس، وعدم التدني في التعامل مع الناس، والحفاظ على صورتهم، والحرص على كرامتهم، فإن ذلك كله حثنا عليه الإسلام وتربينا عليه منذ الصغر في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ذات العادات والتقاليد الاجتماعية الراسخة.. لكن هناك فارقا كبيرا بين الاعتزاز بالنفس والكبر والغرور، فالاعتزاز بالنفس يصدر عن أناس أسوياء أعزاء فعلاً، أما الغرور فهو سلوك الضعفاء الذين يشعرون بالنقص دائما ويحاولون تعويض هذا النقص بالتعالي على خلق الله.
وينتهي د. داود إلى تأكيد حقيقة مهمة هي أن الرقي لا يعني إطلاقا الكبر والتعالي على الناس، والسخرية من البسطاء منهم كما يعتقد بعض السفهاء هنا وهناك.. ويقول: التحضر الحقيقي والرقي الصحيح يفرض على صاحبه أن يتعامل مع الناس بتواضع، وأن يحترم مشاعرهم، ويقدر إمكاناتهم، وإنسانيتهم.. ويتخلى عن رذيلة الكبر والتعالي على الناس، وإهانة البسطاء منهم بإشعارهم بالدونية.
علينا جميعا أن نلتزم بخلق التواضع لإشاعة روح الثقة والمحبة بيننا وحماية أنفسنا ومجتمعاتنا من تداعيات رذيلة الكبر والتعالي على الناس.
علينا أن نؤمن بأن التواضع قيمة حضارية وليس قيمة سلبية، أو مظهراً من مظاهر الضعف كما يتصور البعض، وهو لا يعني بأي حال من الأحوال أن يتنازل المرء عن شيء من كرامته، وإنما يعني القرب من الناس، والتعامل معهم على أنهم بشر وإخوة لنا، والله سبحانه وتعالى لم يميز فرداً على آخر إلا بما يحمل من صفات الصلاح والتواضع وعلامات التقوى، فأكرم الناس عند الله أتقاهم وأكثرهم تواضعاً.