والقرآن الكريم في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بسلوكه فوق كل الصغائر، ورسم له حياة راقية تغلفها المعاني الإنسانية الرفيعة ليكون إنساناً سوياً، قادراً على التعايش والتعاون مع كل المحيطين به، مترفعا عن الصغائر، متجنباً للرذائل، مجسدا صورة زاهية لدينه، ملتزماً في سلوكه وأخلاقه وتعاملاته مع الناس جميعاً بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه خالقه: "وإنك لعلى خلق عظيم" .
غرس القرآن الكريم في نفس المسلم قيمة تربوية عظيمة تؤكد سمو أخلاق صاحبها، واحترامه للآخرين، وهي فضيلة "التواضع"، فالمسلم القوى هو الذي يتعامل مع كل خلق الله بلطف ورحمة ولين، ويحترم الضعفاء والبسطاء، ويوقر الكبير ويحنو على الصغير، فهو يستمد أخلاقه من أخلاق القرآن الراسخة، ولا يقع في شراك رذيلة التكبر والتعالي على خلق الله .
والتواضع ليس مجرد فضيلة تجلب لصاحبها رضا الناس وحبهم وتقديرهم بعد رضا الله عز وجل، بل هو قيمة إيجابية تحسن العلاقات بين الناس وتنشر المحبة والمودة بينهم، وتربط بينهم برباط إنساني متين .
وخلق التواضع كما يقول د . محمد المختار المهدي الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء من مكارم الأخلاق، ومحامد السجايا والصفات، فهو سمة المؤمنين المخلصين، وعلامة واضحة للصفوة من عباد الرحمن الذين أضافهم رب العزة إليه، وذكر أول أخلاقهم وعلاماتهم في قوله تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" .
لا تكلف ولا خيلاء
ويضيف: ينقل لنا الحق سبحانه في الآية الكريمة بعضا من صفات وخصائص عباده المخلصين الذين رضي عنهم وأرضاهم، ومن صفاتهم أنهم يمشون على الأرض مشيا لينا رقيقا لا تكلف فيه ولا خيلاء، ولا تصنع فيه ولا ضعف، وإنما مشيتهم يكسوها القوة والجد والوقار والسكينة .
قال الإمام ابن كثير: يمشون بسكينة ووقار كما قال تعالى: "ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا"، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى فكأنما ينحط من موضع منحدر، وكأنما الأرض تطوى له، وعندما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه شابا يمشي رويدا قال له: ما بالك؟ أأنت مريض؟ وعندما قال له إنه سليم أمره بأن يسير بقوة . وقوله سبحانه: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً"، أي، إذا خاطبهم الجاهلون بسفاهة وسوء أدب، لم يقابلوهم بالمثل، بل يقابلوهم بالقول الطيب، وهذا دليل تواضعهم .
ويستهدف القرآن من غرس قيم الأدب والذوق والاحترام في نفوس الكبار والصغار أن يتربى الجميع على مكارم الأخلاق، وتسود بينهم الفضائل، وينتشر بينهم الخير، وتختفي من نفوسهم ومن مجتمعاتهم كل صور الرذائل، وهذا يؤكد أن قاعدة التربية الإسلامية تقوم على نشر القيم الفاضلة، ولذلك أوصى لقمان ابنه بالالتزام بالتواضع بعد الإيمان بالله، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الشدائد، فقال له: " . . . ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور . واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" .
فالقرآن هنا وعلى لسان لقمان ينهى عن التكبر والغرور والتعالي على الناس فيقول: "ولا تصعر خدك للناس"، والصعر في الأصل: مرض يصيب البعير فيجعله معوج العنق والمراد به هنا التكبر واحتقار الناس .
ومعنى قوله "ولا تمش في الأرض مرحاً"، لا تمش في الأرض مشية المختالين المعجبين بأنفسهم، "إن الله لا يحب كل مختال فخور"، المختال: المتكبر الذي يختال في مشيته، والفخور: المتباهي على الناس بماله أو جاهه أو منصبه، أي: إن الله تعالى لا يحب من كان متكبرا على الناس، متفاخرا بماله أو جاهه .
ثم يأتي الأمر بمظهر آخر من مظاهر التواضع واللين واحترام الآخرين فأمر بالقصد والاعتدال في كل أموره فقال: "واقصد في مشيك" أي وكن معتدلا في مشيك بحيث لا تبطئ ولا تسرع من القصد وهو التوسط في الأمور .
ومعنى قوله: "واغضض من صوتك"، اخفض من صوتك فلا ترفعه إلا إذا استدعى الأمر رفعه، فإن غض الصوت عند المحادثة فيه أدب وثقة بالنفس، واطمئنان إلى صدق الحديث واستقامته، وقوله: "إن أنكر الأصوات لصوت الحمير"، حض على غض الصوت لأقصى درجة، حيث شبه الله سبحانه الرافعين لأصواتهم في غير حاجة إلى ذلك، بأصوات الحمير التي هي مثار السخرية مع النفور منها .
"أذلة على المؤمنين"
وهنا تظهر قيمة وصايا لقمان لابنه، حيث جاءت جملة الوصايا نافعة وشاملة، فقد أمره أولا بإخلاص العبادة لله تعالى، ثم غرس في قلبه الخوف من الله عز وجل، ثم حضه على إقامة الصلاة، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى الصبر على الأذى، ثم نهاه عن الغرور والتكبر والافتخار، وعن رفع الصوت بدون مقتضى لذلك، ولو نفذ كل أبناء هذه الوصايا لاستقامت حياتهم على منهج الله، ولاختفت كل مظاهر الرذيلة من مجتمعاتنا .
من هنا يؤكد د . المهدي ضرورة تربية أولادنا منذ الصغر على فضيلة التواضع، ويقول: واجبنا أن نواجه بقيم القرآن وأخلاقه الفاضلة رذيلة التكبر والاستعلاء على خلق الله، بتربية أولادنا منذ الصغر على هذه التربية الفاضلة، وتحصينهم بها تحصينا يحميهم من الرذائل السلوكية والأخلاقية، وأن نوضح لهم أن التواضع خلق إسلامي لا ينبغي أن يفارقهم في كل سلوكياتهم، وأن أهل التواضع واللين هم أحرى الناس بمحبة الآخرين والثقة بهم، وهم قبل كل ذلك أقرب عباد الله إلى خالقهم، لأنهم يتعاملون باللين والرحمة مع إخوانهم المؤمنين، وهم في الوقت نفسه يتعاملون بالشدة اللازمة مع كل من يعتدي على دينهم، إنهم على المؤمنين أذلة أي رحماء لطفاء وأعزة على خصوم الدين والوطن والمعتدين على كرامتنا والمهدرين لحقوقنا، أي: أشداء، وهم في ذلك يعملون بقول الحق سبحانه وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم" .
رذيلة تزرع الأحقاد
أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر د . نبيل السمالوطي يؤكد أن القرآن يواجه كل صور الإسفاف السلوكي، ففضيلة التواضع تواجه رذيلة الكبر وقيمة العدل تواجه رذيلة الظلم، وهكذا يرقى القرآن بسلوك الإنسان ويواجه المشكلات والأزمات الاجتماعية التي تحدث نتيجة شيوع الرذائل وصور السلوك المرفوض والمدان بين الناس .
ويضيف: القرآن من خلال تربيته للمسلم على فضيلة التواضع أرسى أسس العلاقات الطيبة بين الناس، ذلك أن من أخطر الرذائل التي تفسد العلاقات بين الناس رذيلة الغرور والتعالي والتكبر، استنادا لمظاهر شكلية هشة تزرع في النفوس الأحقاد والضغائن وتغري بالظلم والعدوان .
من هنا يؤكد أستاذ علم الاجتماع بالأزهر ضرورة مواجهة صور التعالي والغرور الشائعة في حياة شبابنا الآن بالقيم والأخلاق التي رسخها القرآن، وفي مقدمتها قيم: العدل والرحمة والتواضع والعفو عند المقدرة، فأولادنا على اختلاف مراحلهم العمرية في أمسّ الحاجة إلى هذه الأخلاق لضبط سلوكهم وتوفير الاستقرار الاجتماعي والنفسي لهم وحتى نحارب الشعور المدمر بالكبرياء، فالعلاقات الاجتماعية لا تنمو ولا تزدهر ولا تقوى إلا بين أناس يتعاملون مع الآخرين باحترام وتقدير متبادل .
وينتهي د . السمالوطي إلى ضرورة محاربة رذيلة التعالي على الناس والتكبر عليهم واحتقار أوضاعهم المادية أو مكانتهم الاجتماعية، فهذه آفة خطرة تدمر العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين الناس .
القدوة الطيبة
الداعية الأزهري د . صبري عبادة وكيل وزارة الأوقاف المصرية يؤكد هو الآخر ضرورة نشر أخلاقيات القرآن بين شبابنا، خاصة أن سلوكياتهم كما نرى ونشاهد الآن بعيدة كل البعد عما جاء به الإسلام من آداب وأخلاقيات وما أقره من قيم وسلوكيات فاضلة . لذلك ليس غريبا أن ترى الكبر والغرور يسيطران عليهم وينفّران الآخرين منهم، ويجعلانهم منبوذين من كل خلق الله . فالكبر في نظر القرآن رذيلة تفسد علاقة الناس بعضهم ببعض، وتجلب لصاحبها الكراهية، وتدفع الآخرين إلى النفور منه .
والقرآن الذي واجه التجاوزات السلوكية التي كانت متأصلة وراسخة في نفوس العرب في الجاهلية وفي مقدمتها رذيلة التكبر والغرور قادر بما يحمل من قيم وأخلاقيات على مواجهة هذه التجاوزات التي شاعت في مجتمعاتنا المعاصرة بفعل تجاهل قيم وأخلاق القرآن .