الحديث الشريف باب عظيم من أبواب رحمة الله تعالى ، فالملائكة المكرمون يسجلون علينا أعمالنا وكلامنا، لكن العبد عندما يعود إلى ربه ويخرج من ذنبه، فإن الله تعالى يُنسي الملائكة الذنوب تفضلاً منه تبارك وتعالى: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (التوبة : 104).
«وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ»
(الشورى: 52)، «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (النساء: 011).
وخطورة الذنب ليست في الذنب ذاته، وإنما فيما يجلبه على صاحبه من قساوة في قلبه ومن ضعف في بدنه ومن ضيق في رزقه، وللمعاصي أخوات، وهذه الأخوات من صغائر الذنوب تجتمع على قلب الإنسان منا حتى تهلكه، ثم يأتي الذنب يوم القيامة أمام صاحبه في صورة حسية تنطق به جوارحه.
«يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، (النور: 42).
مرتبة الخوف
والنادم على الذنب ينتظر من الله الرحمة، لأنه بلغ مرتبة الخوف والإنابة «وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ»، (الرحمن: 64).
وما علم الله سبحانه من عبد ندمه على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفر منه. وهذا الحديث الشريف يرتقى بدرجات التائبين عندما يشعرون بوطأة الذنوب على قلوبهم وهم متخوفون من أن تغلق أبواب الرحمات في وجوههم ولكنهم يعلمون أنهم قادمون على باب رب كريم، يعفو عن الزلات ويستر القبيح.
ويؤسس الحديث على البناء الشرطي الذي يربط بين التوبة وقبولها، (إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله حفظته ذنوبه) وجملة الاستفتاح هذه تربط بين الفعل وجزائه، بين الشروع في التوبة من العبد وبين كرم الحق تعالى عليه، حيث أنسى حفظته ذنوبه، وهذه أبواب الرحمات والطيبات التي تفتح للتائبين.
وجواب الشرط: (وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه في الأرض) وفي هذه العبارة كنايتان، الأولى: كناية عن كون الذنوب تترك آثاراً في جوارح العبد الظاهرة والباطنة.
والكناية الأخرى: عن أن المواضع التي تقع فيها المعاصي تشهد على صاحبها يوم القيامة. وكل هذا قبل التوبة، أما بعد التوبة فإن الأمر يختلف حيث قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: «وأنسى ذلك الله جوارحه ومعالمه في الأرض»، فعندئذ تصبح صفحته بيضاء حتى يلقى الله يوم القيامة وليس عليه شاهد، وهذا كناية أن كون آثار المعصية قد تبدلت وتغيرت فقال صلى الله عليه وسلم: «وليس عليه شاهد من الله بذنب»، وهذا المعنى قريب من قوله تعالى: «فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا»، (الفرقان: 07).
خير الخطائين
وفي تكرار قوله: «أنسى الله»، إشارة قوية إلى أن الله تعالى يريد أن يتوب علينا فقال سبحانه: «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» (النساء: 72).
وقوله: «وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه في الأرض» ربما كان صعباً علينا فهمه واستيعابه حتى جاء قوله (وليس عليه شاهد من الله بذنب) فعلمنا أن الجوارح والمعالم في الأرض هي شاهدات على أصحابها غير أن التوبة تنسي الجوارح والمعالم ما تبقى من آثار الذنوب.
وأخيراً نجد الربط بين توبة العبد وبين عناصر ثلاثة تتسامح معه، بفضل من الله تعالى، وهى الملائكة الكرام والجوارح والمعالم، فكلها مستجيبة لأمر الله تحقيقاً لعفوه تعالى حتى يلقى الله يوم القيامة نقياً مغسولاً . والإنسان من شأنه أن يخطئ، والخطأ الذي يقع فيه الإنسان، علاجه عند الله التوبة، وكلما ارتقى إيمان المؤمن يصبح كثير التوبة، يتوب من أدق الذنوب، ويتوب في كل وقت وحين، فالتوبة من شأن المؤمن، لأن المؤمن ، يصيب ويخطئ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كُلّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)، وقال تعالى: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (النور: 13). فالله سبحانه وتعالى ربط الفلاح بالتوبة، والفلاح شيء لا يتصور، قال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» (المؤمنون: 01)، «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى» (الأعلى: 41).
علاج رباني
لو أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع لنا التوبة فماذا نفعل؟ إذا أذنب الإنسان وارتكب المعاصي، ويعلم أن الله لا يتوب عليه، ما الذي يحدث؟ تتفاقم المعاصي، ، يفجر، ينتقل من سيئ إلى أسوأ، من بعيد إلى أبعد، ولذا جعل سبحانه وتعالى علاج الذنوب بالتوبة، فإذا أخطأ الإنسان يعلم أن له رباً تواباً رحيماً.
«وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» (الفرقان 86- 07).
فإذا تاب الإنسان توبةً صادقة، وأقبل على الله عز وجل وأشرق في قلبه نور الهداية، يبدل الله سيئاته حسنات، ولذا فإن باب التوبة ينبغي أن يطرق دائماً لأنه أقرب موضوع إلى النفس البشرية.
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: (سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا).