يقول‮: ‬د‮. ‬محمد بن إبراهيم الحمد في كتابه‮ (‬التوبة وظيفة العمر‮)‬: «عَنْ‮ ‬أَنَسِ‮ ‬بْنِ‮ ‬مَالِكٍ، قَالَ‮: ‬قَالَ‮ ‬رَسُولُ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬صَلَّى اللَّهُ‮ ‬عَلَيْهِ‮ ‬وَسَلَّمَ‮: ‬إِذَا تَابَ‮ ‬الْعَبْدُ‮ ‬مِنْ‮ ‬ذُنُوبِهِ‮ ‬أَنْسَى اللَّهُ‮ ‬حَفَظَتَهُ‮ ‬ذُنُوبَهُ، وَأَنْسَى ذَلِكَ‮ ‬جَوَارِحَهُ‮ ‬وَمَعَالِمَهُ‮ ‬فِي‮ ‬الأَرْضِ، حَتَّى‮ ‬يَلْقَى اللَّهَ‮ ‬يَوْمَ‮ ‬الْقِيَامَةِ‮ ‬وَلَيْسَ‮ ‬عَلَيْهِ‮ ‬شَاهِدٌ‮ ‬مِنَ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬بِذَنْبٍ‮».‬
‮ ‬الحديث الشريف باب عظيم من أبواب رحمة الله تعالى‮ ‬، فالملائكة المكرمون‮ ‬يسجلون علينا أعمالنا وكلامنا‮، ‬لكن العبد عندما‮ ‬يعود إلى ربه ويخرج من ذنبه، فإن الله تعالى‮ ‬يُنسي الملائكة الذنوب تفضلاً منه تبارك وتعالى‮: «‬أَلَمْ‮ ‬يَعْلَمُوا أَنَّ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬هُوَ‮ ‬يَقْبَلُ‮ ‬التَّوْبَةَ‮ ‬عَنْ‮ ‬عِبَادِهِ‮ ‬وَيَأْخُذُ‮ ‬الصَّدَقَاتِ‮ ‬‮ ‬وَأَنَّ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬هُوَ‮ ‬التَّوَّابُ‮ ‬الرَّحِيمُ‮» (‬التوبة‮ ‬: 104). ‬
‮«‬وَهُوَ‮ ‬الَّذِي‮ ‬يَقْبَلُ‮ ‬التَّوْبَةَ‮ ‬عَنْ‮ ‬عِبَادِهِ‮ ‬وَيَعْفُو عَنِ‮ ‬السَّيِّئَاتِ‮ ‬وَيَعْلَمُ‮ ‬مَا تَفْعَلُونَ‮»‬
‮(‬الشورى‮: 52)، «‬وَمَنْ‮ ‬يَعْمَلْ‮ ‬سُوءًا أَوْ‮ ‬يَظْلِمْ‮ ‬نَفْسَهُ‮ ‬ثُمَّ‮ ‬يَسْتَغْفِرِ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬يَجِدِ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬غَفُورًا رَحِيمًا‮ (‬النساء‮: 011).
‮ ‬وخطورة الذنب ليست في الذنب ذاته، وإنما فيما‮ ‬يجلبه على صاحبه من قساوة في قلبه‮ ‬ومن ضعف في بدنه ومن ضيق في رزقه، وللمعاصي أخوات، وهذه الأخوات من صغائر الذنوب تجتمع على قلب الإنسان منا حتى تهلكه، ثم‮ ‬يأتي الذنب‮ ‬يوم القيامة أمام صاحبه في صورة حسية تنطق به جوارحه‮.‬
‮«‬يَوْمَ‮ ‬تَشْهَدُ‮ ‬عَلَيْهِمْ‮ ‬أَلْسِنَتُهُمْ‮ ‬وَأَيْدِيهِمْ‮ ‬وَأَرْجُلُهُمْ‮ ‬بِمَا كَانُوا‮ ‬يَعْمَلُونَ‮»، (‬النور‮: 42).‮

مرتبة الخوف

والنادم على الذنب‮ ‬ينتظر من الله الرحمة، لأنه بلغ‮ ‬مرتبة الخوف والإنابة «‬وَلِمَنْ‮ ‬خَافَ‮ ‬مَقَامَ‮ ‬رَبِّهِ‮ ‬جَنَّتَانِ‮»، (‬الرحمن‮: 64).
‮ ‬وما علم الله سبحانه من عبد ندمه على ذنب إلا‮ ‬غفر له قبل أن‮ ‬يستغفر منه‮. ‬وهذا الحديث الشريف‮ ‬يرتقى بدرجات التائبين عندما‮ ‬يشعرون بوطأة الذنوب على قلوبهم وهم متخوفون من أن تغلق أبواب الرحمات في وجوههم ولكنهم‮ ‬يعلمون أنهم قادمون على باب رب كريم، يعفو عن الزلات ويستر القبيح‮.‬
‮‬ويؤسس الحديث على البناء الشرطي الذي‮ ‬يربط بين التوبة وقبولها، (‬إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله حفظته ذنوبه) و‬جملة الاستفتاح هذه تربط بين الفعل وجزائه، بين الشروع في التوبة من العبد وبين كرم الحق تعالى عليه، حيث أنسى حفظته ذنوبه، وهذه أبواب الرحمات والطيبات التي تفتح للتائبين‮. ‬
‮وجواب الشرط‮: (‬وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه في الأرض‮) وفي هذه العبارة كنايتان، الأولى‮: ‬كناية عن كون الذنوب تترك آثاراً‮ ‬في جوارح العبد الظاهرة والباطنة‮.‬
‮ ‬والكناية الأخرى‮: ‬عن أن المواضع التي تقع فيها المعاصي تشهد على صاحبها‮ ‬يوم القيامة‮. ‬وكل هذا قبل التوبة، أما بعد التوبة فإن الأمر‮ ‬يختلف حيث قال الحبيب‮ صلى الله عليه وسلم: «‬وأنسى ذلك الله جوارحه ومعالمه في الأرض»، فعندئذ تصبح صفحته بيضاء حتى‮ ‬يلقى الله‮ ‬يوم القيامة وليس عليه شاهد، وهذا كناية أن كون آثار المعصية قد تبدلت وتغيرت فقال‮ صلى الله عليه وسلم: ‬«وليس عليه شاهد من الله بذنب»، وهذا المعنى قريب من قوله تعالى‮: «‬فَأُولئِكَ‮ ‬يُبَدِّلُ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬سَيِّئَاتِهِمْ‮ ‬حَسَنَاتٍ‮ ‬ وَكَانَ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬غَفُورًا رَحِيمًا‮»، (‬الفرقان‮: 07).

خير الخطائين

وفي ‬تكرار قوله‮: «‬أنسى الله»، إشارة قوية إلى أن الله تعالى‮ ‬يريد أن‮ ‬يتوب علينا فقال سبحانه‮: «‬وَاللَّهُ‮ ‬يُرِيدُ‮ ‬أَنْ‮ ‬يَتُوبَ‮ ‬عَلَيْكُمْ‮» (‬النساء‮: 72)‬.
‮ ‬وقوله‮: «و‬أنسى ذلك جوارحه ومعالمه في الأرض» ربما كان صعباً علينا فهمه واستيعابه حتى جاء قوله‮ (‬وليس عليه شاهد من الله بذنب‮) ‬فعلمنا أن الجوارح والمعالم في الأرض هي شاهدات‮ ‬على أصحابها‮ ‬غير أن التوبة تنسي الجوارح والمعالم ما تبقى من آثار الذنوب‮.‬
‮ ‬وأخيراً نجد الربط بين توبة العبد وبين عناصر ثلاثة تتسامح معه، بفضل من الله تعالى، وهى الملائكة الكرام‮ ‬ والجوارح‮ والمعالم، فكلها مستجيبة لأمر الله تحقيقاً‮ ‬لعفوه تعالى حتى‮ ‬يلقى الله‮ ‬يوم القيامة نقياً‮ ‬مغسولاً‮ ‬. والإنسان من شأنه أن‮ ‬يخطئ، والخطأ الذي‮ ‬يقع فيه الإنسان، علاجه عند الله التوبة، وكلما ارتقى إيمان المؤمن‮ ‬يصبح كثير التوبة، يتوب من أدق الذنوب، ويتوب في‮ ‬كل وقت وحين، فالتوبة من شأن المؤمن، لأن المؤمن‮ ‬، يصيب و‬يخطئ، وقد قال عليه الصلاة والسلام‮: ‬‮ (‬كُلّ ‬ابْنِ‮ ‬آدَمَ‮ ‬خَطَّاءٌ‮ ‬وَخَيْرُ‮ ‬الْخَطَّائِينَ‮ ‬التَّوَّابُونَ‮)‬، وقال تعالى: «‬وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ‮ ‬جَمِيعاً‮ ‬أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ‮ ‬لَعَلَّكُمْ‮ ‬تُفْلِحُونَ‮» (‬النور‮: 13‮)‬.‮ ‬فالله سبحانه وتعالى ربط الفلاح بالتوبة، والفلاح شيء لا‮ ‬يتصور، قال تعالى‮: «‬قَدْ‮ ‬أَفْلَحَ‮ ‬الْمُؤْمِنُونَ‮» (‬المؤمنون‮: 01‮)‬، «‬قَدْ‮ ‬أَفْلَحَ‮ ‬مَنْ‮ ‬تَزَكَّى‮» (‬الأعلى‮: ‬41‮)‬.

علاج رباني

‮لو أن الله سبحانه وتعالى لم‮ ‬يشرع لنا التوبة فماذا نفعل؟ إذا أذنب الإنسان وارتكب المعاصي، ويعلم أن الله لا‮ ‬يتوب عليه، ما الذي‮ ‬يحدث؟ تتفاقم المعاصي، ‮، يفجر، ينتقل من سيئ إلى أسوأ، من بعيد إلى أبعد، ولذا جعل سبحانه وتعالى علاج الذنوب بالتوبة، فإذا أخطأ الإنسان ‬يعلم أن له رباً‮ ‬تواباً‮ ‬رحيماً‮.‬

‮ ‬«وَالَّذِينَ‮ ‬لَا‮ ‬يَدْعُونَ‮ ‬مَعَ‮ ‬اللَّهِ‮ ‬إِلَهاً‮ ‬آَخَرَ‮ ‬وَلَا‮ ‬يَقْتُلُونَ‮ ‬النَّفْسَ‮ ‬الَّتِي‮ ‬حَرَّمَ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬إِلَّا بِالْحَقِّ‮ ‬وَلَا‮ ‬يَزْنُونَ‮ ‬وَمَنْ‮ ‬يَفْعَلْ‮ ‬ذَلِكَ‮ ‬يَلْقَ‮ ‬أَثَاماً، يُضَاعَفْ‮ ‬لَهُ‮ ‬الْعَذَابُ‮ ‬يَوْمَ‮ ‬الْقِيَامَةِ‮ ‬وَيَخْلُدْ‮ ‬فِيهِ‮ ‬مُهَاناً‮ ‬إِلَّا مَنْ‮ ‬تَابَ‮ ‬وَآَمَنَ‮ ‬وَعَمِلَ‮ ‬عَمَلاً‮ ‬صَالِحاً‮ ‬فَأُولَئِكَ‮ ‬يُبَدِّلُ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬سَيِّئَاتِهِمْ‮ ‬حَسَنَاتٍ‮ ‬وَكَانَ‮ ‬اللَّهُ‮ ‬غَفُوراً‮ ‬رَحِيماً‮» (‬الفرقان‮ 86- 07).
‬فإذا تاب الإنسان توبةً‮ صادقة، وأقبل على الله عز وجل وأشرق في‮ ‬قلبه نور الهداية، يبدل الله سيئاته حسنات، ولذا فإن باب التوبة ينبغي أن يطرق دائماً لأنه أقرب موضوع إلى النفس البشرية.
‮ ‬عَنْ‮ ‬عَمْرِو بْنِ‮ ‬مُرَّةَ‮ ‬قَالَ‮: (‬سَمِعْتُ‮ ‬أَبَا عُبَيْدَةَ‮ ‬يُحَدِّثُ‮ ‬عَنْ‮ ‬أَبِي‮ ‬مُوسَى عَنِ‮ ‬النَّبِيِّ‮ ‬صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ‮ ‬وَسَلَّمَ‮ ‬قَالَ‮: ‬إِنَّ‮ ‬اللَّهَ‮ ‬عَزَّ‮ ‬وَجَلَّ‮ ‬يَبْسُطُ‮ ‬يَدَهُ‮ ‬بِاللَّيْلِ‮ ‬لِيَتُوبَ‮ ‬مُسِيءُ‮ ‬النَّهَارِ‮ ‬وَيَبْسُطُ‮ ‬يَدَهُ‮ ‬بِالنَّهَارِ‮ ‬لِيَتُوبَ‮ ‬مُسِيءُ‮ ‬اللَّيْلِ‮ ‬حَتَّى تَطْلُعَ‮ ‬الشَّمْسُ‮ ‬مِنْ‮ ‬مَغْرِبِهَا‮). ‬