قرأت منذ أيام قصيدة التينة الحمقاء لإيليا أبو ماضي، وأعجبتني معانيها التي ترمز إلى الحماقة وما تؤدي إليه من معان لا حصر لها . وفيها جسّد الشاعر العربي أخطار وأضرار الحمق المتحكم في نفوس بعض الناس . هذه القصيدة التي سأسردها في نهاية المقال لها قصة شعرية تروي حكاية تينة حمقاء أنكرت وضعها واعتبرته مزرياً، فهي تتعب وتبذل جهداً والخير لغيرها، فقررت وضع حد لهذا الأمر وعاد الربيع واكتست الأشجار بأجمل أثوابها لاستقباله إلا هي فبقيت جرداء فاجتثها البستاني ورمى بها في النار تستعر .
ينتمي النص إلى غرض الشعر الاجتماعي الذي يعالج قضايا كثيرة في المجتمع، والحمق نوع له أضرار كثيرة، وإيليا من خلال قصيدة التينة الحمقاء أراد أن يربي الفرد على نزع الشر من نفسه ليصلح المجتمع، وتناول الإصلاح من خلال قصيدة جميلة واختار التينة الجميلة كي يعبّر عن الجمال، وأن ليس له نفع بلا عقل يزينه وإلا فقد الإنسان حياته، فالجمال وحده ليس بكاف للعيش بهدوء وراحة . أسلوب الشاعر سلس عذب وعباراته واضحة قريبة من لغة التخاطب شديدة الإيحاء منها اجتثها توحي بعدم إبقاء الأثر، وهوت توحي بالعنف والقسوة والصوت القوي والألم الذي أحدثته السقوط، واستعان الشاعر بالأسلوب الخبري ليسرد علينا هذه القصة التي تحمل كثيراً من المواعظ والعبر الصالحة لكل زمان ومكان، منها قوله عاد الربيع غرضه التقرير والسرد، كما ورد في الأبيات أسلوب القصر الذي يقوي الفكرة ويوضحها ويؤكدها، منه قوله لست مثمرة إلا على ثقة . قصيدة من أبيات جسّدت كثيراً من المعاني الجميلة سواء العبر أو جمال المعنى .
إيليا أبوماضي من كبار شعراء المهجر ولد في لبنان سنة ،1889 بعد دراسته بمسقط رأسه انتقل إلى مصر، اشتغل بالتجارة وانكب على المطالعة وانتقل إلى أمريكا ليلتحق بالرابطة القلمية، وفي ظل هذه المدرسة أبدع وابتكر العديد من القوالب الأدبية، وجدد فيها شكلاً ومضموناً، ثم عاد إلى وطنه حيث توفي سنة ،1957 من أهم آثاره: تذكار الماضي، الجداول، الخمائل . وإليكم نص قصيدة التينة الحمقاء:
وتينة غضة الأفنان باسقة
قالت لأترابها والصيف يحتضر
بئس القضاء الذي في الأرض أوجدني
عندي الجمال وغيري عنده النظر
لأحبسنّ على نفسي عوارفها
فلا يبين لها في غيرها أثر
كم ذا أكلف نفسي فوق طاقتها
وليس لي بل لغيري الفي والثمر
لذي الجناح وذي الأظفار بي وطر
وليس في العيش لي فيما أرى وطر
إنّي مفصلة ظلي على جسدي
فلا يكون به طول ولا قصر
ولست مثمرة إلا على ثقة
إن ليس يطرقني طير ولا بشر
عاد الربيع إلى الدنيا بموكبه
فازينت واكتست بالسندس الشجر
وظلّت التينة الحمقاء عارية
كأنّها وتد في الأرض أو حجر
ولم يطق صاحب البستان رؤيتها
فاجتثها فهوت في النار تستعر
من ليس يسخو بما تسخو الحياة به
فإنّه أحمق بالحرص ينتحر
a_alowais@hotmal .com