من أسرار البلاغة وفنون العلم التي جاءت في القرآن الكريم، ويجدر بكل مسلم التفكر فيها، والتدبر في معانيها، القَسم في القرآن. والمتتبع لآيات القسم في القرآن الكريم يجد أن الله سبحانه أقسم في بعضها بذاته الموصوفة بصفاته وأقسم بآياته ومخلوقاته وبمظاهر الكون، ويوم القيامة، لتهيئة السامع، وإعداده إعداداً صالحاً لما يأتي بعد القَسم.
يأتي ذكر القسم تأكيداً، لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب، الذين عهدوا على إثبات مطالبهم بالحلف واليمين والقسم، إذ كانوا يقطعون كلامهم بالقسم، بهدف تحقيق الخبر وتوكيده.

قال تعالى «والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين».(سورة التين،1-3). أقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التى هى مظاهر أنبيائه ورسله أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة.
يقول الإمام ابن قيم الجوزية فى كتابه «التبيان فى إيمان القرآن» سورة التين من السور المكية وهى السورة الثامنة والعشرون فى ترتيب السور والخامسة والتسعون فى ترتيب المصحف الشريف، وهي من السور القرآنية التي تُفتتح بالقسم للدلالة على عظمة المُقسم به. وتدور آيات السورة حول موضوعين بارزين هما: تكريم الله للإنسان، والإيمان بالحساب والجزاء بعد البعث من القبور يوم القيامة، كما أشارت الآيات إلى نوعيْن من النبات هما: التين والزيتون، وإلى مكانيْنِ هما: طور سيناء ومكة.
بدأت السورة الكريمة آياتِها بالقسم بنوعٍ من الفاكهة ألا وهو التين، الذي لا ينمو في شبه الجزيرة العربية وأرض الحجاز، وإنما في بلاد الشام وفي هذا إشارة إلى أرض فلسطين، مما حدا ببعض المفسرين إلى اعتبار أن مكان نمو الفاكهة هو المقصود من ذكرها، لكن الأرجح أن المقصود هو فاكهة التين عينها؛ لذا حملت السورة اسم التين ولم يرد في القرآن في غير هذا الموضع. والتين من فاكهة الجنة كما جاء في الحديث: «أهدي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، طبق من تين فقال: كلوا وأكل منه وقال: لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوا منها فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس». والتين لم يرد كثيراً في السنة النبوية أو في أقوال الصحابة كونه فاكهة لا تنمو في أرض الحجاز.
ولم يثبت شيء في السنة النبوية عن سبب نزول «التين» كسورةٍ، بينما الثابت هو سبب نزول قوله تعالى: «ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ»[٤] فقد نزلت في مجموعةٍ من الناس في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، تقدّم بهم العمر حتى بلغوا أرذله فلم يعد بمقدورهم السيطرة على قواهم العقلية والجسدية؛ فسأل الصحابة عنهم الرسول؛ فنزلت هذه الآية فيمن رد إلى أرذل العمر، حيث ينقص العقل والدين، أن مصيره إلى جهنم واستثنى منهم الذين آمنوا، أي كانوا على الإيمان والأعمال الصالحة، قبل ذهاب عقولهم، فإنهم ينالون الأجر والمثوبة على تلك الأعمال. أما التقصير اللاحق في حالة الخرف والهرم فلا يضرهم شيئًا، وقال في ذلك عكرمة: «لم يضر هذا الشيخ كبره إذ ختم الله له بأحسن ما كان يعمل».
اختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة فقيل: المراد بالتين مسجد دمشق.. وقيل: هي نفسها، وقيل: الجبل الذي عندها. وقال القرطبي: هو مسجد أصحاب الكهف.
وروى العوفي، عن ابن عباس أنه مسجد نوح الذي على الجودي. وقال مجاهد: هو تينكم هذا.
«والزيتون» قال عنه كعب الأحبار وقتادة وابن زيد، وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس. وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون.
«وطور سينين» قال فيه كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى. «وهذا البلد الأمين» يعني: مكة. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم النخعي وابن زيد وكعب الأحبار. ولا خلاف في ذلك.
وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة، بعث الله في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم. والثاني: طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة وهى البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل فيه محمداً، صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم» هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سويّ الأعضاء حسنها.
«ثم رددناه أسفل سافلين»، أي: إلى النار. قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد، وغيرهم. ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل، ولهذا قال: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات».
وقال بعضهم: (ثم رددناه أسفل سافلين) أي: إلى أرذل العمر. روي هذا عن ابن عباس وعكرمة، حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. واختار ذلك ابن جرير. ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك، لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: «والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات». (العصر، 1 - 3).
وقوله: «فلهم أجر غير ممنون»، أي: غير مقطوع، كما تقدم.