علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلم القوي ليس هو مفتول العضلات القادر على فرض سطوته على خلق الله، وفرض إرادته عليهم من دون وجه حق. لكن المؤمن القوي الذي يحبه الله ورسوله ويفضل على غيره من الناس هو القوي في تمسكه بأحكام دينه، القوي في اقتدائه بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، القوي في دفاعه عن عقيدته، القوي في نصرته للحق، القوي في تمسكه بمكارم الأخلاق، القوي في دحره للباطل، القوي في بدنه وجسده، القوي في كل أمر يحبه الله تعالى ويحبه رسوله صلى الله عليه وسلم.
والمؤمن القوي الذي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف هو الذي يتمتع بقوة البدن وقوة الشخصية، وقوة العقيدة. فالمسلم ينبغي أن يكون ثابت الشخصية، لا تزلزله عواصف الحياة، ولا تنال منه أحداثها، إنه يستمد ثباته من عقيدته الثابتة التي تمنحه القوة والرسوخ، واليقين والاستقرار، ولذا يجب أن يكون المسلم صاحب العقيدة الصحيحة ثابتا في كل أحواله وأعماله وأقواله، فلا يختلف في حال العسر عنه في حال اليسر، ولا يختلف في وقت الفرح عنه في وقت الحزن، ولما كان ثباته في كل أحواله امتدادا لعقيدته فإننا نراه في كل سلوكه ويستمر معه في سائر تصرفاته.
فهو في جانب الطاعة والعبادة كما يقول د. أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر يكون ثابتا، فلا يختلف سره عن جهره، ولا يرائي الناس بعبادته، ولا يتظاهر بطاعته، فإن مراءاة الناس من سمات المنافقين كما قال الله تعالى: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا.
الوفاء بالعهود
وفي جانب العمل والسعي يكون المسلم ثابت القدم لا يتهاون ولا يتكاسل، ولا يختلف في معاملته مع الناس، فإن كان رئيسا أو صاحب عمل فلا يظلم مرؤوسه أو من يعمل عنده، وإن كان عاملا أخلص في عمله وأتقنه، فسمة الثبات على الحق والعدل ملازمة له في كل الأحوال فلا يؤذي ولا يظلم ولا يغش، قال الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً وقال صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا.
وتظل سمة الثبات بارزة في شخصية المسلم، فإذا عاهد كان صادق العهد وفيا به، ثابتا على عهده لا يحيد ولا يميل، فالله سبحانه وتعالى يأمر المسلم بأن يكون وفيا لعهوده ملتزما بعقوده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا أما الذين لا يوفون بالعهود فهم المنافقون، ولذلك جاء التحذير النبوي من رذيلة النفاق في الحديث الصحيح آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وذكر القرآن الكريم من سمات المؤمنين والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون.
رموز الكرامة
وتظهر قوة المسلم بوضوح في الدفاع عن الدين والوطن والعرض والكرامة، فالمسلم الحق لا يتردد في تقديم روحه فداء لدينه ووطنه وعرضه، فهو يدرك فضل الجهاد وأجر وثواب المجاهدين في سبيل الله.
ومن هنا يوجه د. نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق تحية خاصة لهؤلاء الأبطال المجاهدين الذين يقدمون أرواحهم كل يوم فداء لدينهم ودفاعا عن أوطانهم وكرامتهم. ويقول: المؤمن القوي في دينه، المعتز بوطنه، الحريص على كرامته لا يرضى أن يعيش ذليلا كسيرا تحت وطأة الاحتلال والقهر والظلم الذي يمارسه ضدنا اليوم دعاة المدنية والحضارة وحقوق الإنسان وإذا كنا نحن المسلمين نعيش الآن حياة الانكسار والضعف ونرضى بالإهانة على مستوى الدول والحكومات التي عجزت عن توحيد كلمتها وجمع كل قواها لمواجهة أعدائها، فإننا نفتخر بهؤلاء الأبطال الذين يضربون كل يوم المثل والقدوة في الشجاعة وقوة الإيمان والتضحية بكل ما هو غال دفاعا عن أوطانهم وأعراضهم وكرامتهم.
ويضيف: هؤلاء الأبطال الذين يقودون حملات المقاومة في كل مكان يستحقون منا كل تعاطف وكل دعم مادي ومعنوي لأنهم لا يدافعون عن منافع ومصالح شخصية، بل هم يدافعون عن دين ووطن وعرض وكرامة، وهؤلاء الأبطال الذين يضربون أروع أمثلة الفداء والتضحية هم النقيض لمن استسلموا لكل مؤامرات الأعداء وفتحوا أوطانهم لجحافل المحتلين المعتدين، وأهدروا ثرواتهم وخيرات بلادهم في حروب ونزاعات جانبية سيحاسبهم الله عليها حسابا عسيرا.
وأعدوا لهم..
ويوضح د. واصل أن القوة التي يأمر الله بها كل المسلمين ليعيشوا بها أعزاء وسط الناس ليست قوة الفرد المؤمن كما يفهم البعض من توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكنها قوة المسلمين جميعا، فالله سبحانه وتعالى أمر المسلمين عامة بأن يعدوا العدة لدحر أعدائهم فقال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وهذا يعني أن جموع المسلمين يجب عليهم أن يعدوا العدة لقتال أعدائهم الذين يعتدون عليهم، والقوة هنا تشمل كل وسائلها وأدواتها بما فيها الأسلحة النووية التي يريدون حرمان المسلمين وحدهم منها.
ويضيف: إن الواجب على المسلمين في هذا العصر بنص القرآن الكريم ومن خلال توجيهات الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يصنعوا أسلحة القتال الحديثة التي تفوق ما عند أعدائهم ليحافظوا بها على هيبتهم وحريتهم وكرامتهم، كما يجب عليهم أن يتعلموا كل الفنون والصناعات التي تدحر من يعتدي عليهم.
وإذا كانت فضيلة القوة التي تحمي الحق من العدوان عليه في أسمى درجات الشرف والكمال، فإن رذيلة الضعف والعجز والذل في أحط دركات النقصان.. فالله سبحانه وتعالى أدان سلوك الضعفاء الذين فرطوا في واجباتهم وتخلوا عن القوة التي تحميهم وتحمي حقوق أوطانهم وأهلهم فقال في سورة النساء: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً.