الثعلب ليس له قوة الأسد أو النمر، ولكنه مسلح بذكاء خبيث نادر مكنه من البقاء في عالم لا يبقى فيه سوى الأقوياء . . وبذلك منح الثعلب معنى جديد للقوة يعتمد على الذكاء والدهاء حتى بات وصفاً لمن يتسمون بالمكر . وهناك ألقاب نسبة إلى هذا الحيوان كثعلب الصحراء، وثعلب الملاعب، وهكذا نجح الثعلب في إقناع الجميع بقوته مع أنه جبان . وكنية الثعلب أبو الحصين، وأبو نجم وأبو نوفل، وأبو الوثاب، وأبو الخبص، والأنثى أم عويل والذكر ثعلبان .
وقال الدميري في كتاب حياة الحيوان الكبرى: الثعلب سبع جبان مستضعف ذو مكر وخديعة، ولكنه لفرط الخبث والخديعة يجري مع كبار السباع ومن حيلته في طلب الرزق أنه يتماوت، وينفخ بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات، فإذا قرب منه حيوان وثب عليه الثعلب وصاده . . وحيلته هذه لا تفلح مع كلاب الصيد .
وقال الجاحظ في كتابه الشهير الحيوان: ومن أشد سلاح الثعلب الروغان والتماوت، وسلاحه سلحة وهي أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى . ومن ظريف ما يحكى عن الثعلب أن البراغيث إذا كثرت في صوفه تناول صوفة منه بفمه ثم يدخل النهر قليلاً فتصعد البراغيث فراراً من الماء ثم تجتمع في الصوفة التي في فيه فيلقيها في الماء ثم يهرب .
أنواعه ومواطنه
والثعلب ينتمي إلى فصيلة الكلبيّات القارتة (أكلة للحوم والنبات) صغيرة الحجم، والبالغ عددها 27 نوعاً . ويتبع جنس الثعلب العديد من الأنواع أهمها الثعلب الأحمر، والثعلب المصري، والثعلب الرملي . ويقصد العامّة من كلمة ثعلب في العادة الثعلب الأحمر، باعتباره أكثر الأنواع شيوعاً في النصف الغربيّ من العالم حيث يستوطن أوروبا على التقريب، وهو الأكثر شيوعاً بين آكلات اللحوم في شبه الجزيرة العربية، وينتشر في معظم المناطق باستثناء الصحارى شديدة الحرارة والجفاف، على الرغم من أن فصائل الثعالب المختلفة توجد في كل القارّات تقريباً . والثعلب الأوروبي تميل أطرافه إلى القصر ويمتلك فروة كثيفة شديدة النعومة كما قال جونثان كينجدون، وذنبه غزير الشعر . وتوجد في مؤخرة جسم هذا الثعلب بالقرب من قاعدة الذنب غدة مميزة تفوح منها رائحة عطرية أقرب إلى رائحة البنفسج تفرز عبيرها عندما تشرع هذه الثعالب في المزاح واللهو . وثعلب الفنك من أندر الثعالب في العالم حيث تتجمع في فروته من الخصائص ما يجعلها غاية في الكثافة والجمال والدقة والنعومة، كما قال جونثان كينجدون .
ظهرت الثعالب في العديد من الثقافات والتراث الشعبي للعديد من الأمم والقبائل . ويطلق على الثعلب الذكر في العربيّة اسم ثعلب والأنثى ثعلبة، والجرو يسمى تتفل . وتعيش معظم الثعالب نحو سنتين أو ثلاث في البريّة، لكنها قد تعمّر إلى 10 سنوات أو أكثر في الأسر . ويبلغ حجم معظم الفصائل حجم القطط المستأنسة حيث تعتبر الثعالب أصغر أعضاء فصيلة الكلبيّات، ومن الصفات الخارجيّة المميزة الأخرى الخطم الدقيق والذيل الكثّ الكثيف، وتختلف بعض الصفات الأخرى طبقاً للمسكن أو البيئة التي تقطنها الفصيلة . والثعالب حيوانات متوحدة على عكس العديد من الكلبيّات الأخرى، وهي مفترسات منتهزة للفرص تقتات على مجموعة متنوّعة من الأغذية مثل القوارض بشكلٍ خاص، إضافة إلى الجنادب والفواكه والأعناب . وتعد الثعالب حيوانات حذرة ولا تقرب البشر في العادة، كما لا يحتفظ بها كحيوانات أليفة بالرغم من أن الثعلب الفضّي دجّن بنجاح في روسيا بعد 45 سنة من التزاوج الانتقائي . وتوجد الثعالب الآن في بعض المناطق في المدن والحدائق المنزليّة .
أنماط من الأصوات
ليس من عادة الثعالب أن تتجمّع لإصدار أصوات بشكلٍ جماعيّ كما تفعل الذئاب أو القيوطات، ولكنها عوضاً عن ذلك تتواصل مع بعضها باستعمال أنماط مختلفة من الأصوات مثل النّباح وهو أكثر أنواع الأصوات المألوفة، ويتألف في العادة من 3 إلى 5 مقاطع . وتتواصل الثعالب بالنباح عندما تكون بعيدة عن بعضها، وتقلّ حدّة الصوت كلّما اقتربت من بعضها، وتحييّ الثعالب جراءها بأخفض نبرة من هذا الصوت . أما نباح الإنذار فيتألّف من مقطع واحد فقط، ويستعمله الثعلب البالغ لإنذار جرائه من خطرٍ ما . ويبدو هذا الصوت كنباحٍ حادٍ من مسافة بعيدة، أما من مسافة قريبة فيبدو كسعالٍ مكبوت . وثمة صوت يصدره الثعلب على هيئة زمجرة وهو عبارة عن صفه حركية تقوم بها الثعالب في فصل التزاوج في الفترة الواقعه بين الخريف والربيع في جو دافئ، في حين أن عويل الثعلبة عبارة عن صوت حاد يتألّف من مقطع واحد فقط ويصدر في موسم التزاوج في العادة، وتصدره الأنثى لاستدعاء الذكور عندما تكون في الدورة النزويّة، ولكن خلافاً للاعتقاد السائد فإن الذكور تصدر هذا الصوت أيضاً الذي يخدم غاية معينة كما يبدو . ويصدر الثعلب صوتاً على هيئة خرخرة عندما يدلل ويكون مستأنساً! ويمكن استخدام هذه الثعالب في مساعدة المزارعين على التخلّص من الآفات الزراعيّة، وقد نجحت هذه التجربة في مزارع الفاكهة بشكلٍ خاص، حيث جلب المزارعون الثعالب للتخلص من الفئران . ويعتقد المؤرخون أن إدخال الثعالب إلى بيئاتٍ غريبة عنها يعود إلى العصر الحجريّ الحديث، حيث عثر في شرقي تركيّا على نقوش حجريّة تمثّل الثعالب في مستعمرة تعود إلى العصر الحجريّ الحديث .
صياد ماهر
الثعالب سريعة وماهرة في الصيد، ويستطيع الثعلب الأحمر مثلاً الإمساك بسهولة بأرنب مراوغ . كما يستطيع الثعلب أن يتسلل خلسة باتجاه طائر ومن ثم يداهمه، قافزا فوقه . ويصطاد الناس الثعالب من أجل فرائها كما يربونها في المزارع . ويجد كثير من الصيادين متعة في تعقب الثعلب وصيده ولا يقتلونه . ومن أجل ذلك يستخدم الصيادون كلاب الصيد من أجل تتبع رائحة الثعلب، لكن الثعلب ينثني مغيراً طريقه أو يقفز إلى الماء مما يجعل تعقب رائحته أمراً صعباً . وللثعلب سمع حاد وحاسة شم قوية، وهو يعتمد بشكل خاص على هاتين الحاسَّتين من أجل تحديد الفريسة . ويستطيع الثعلب الأحمر سماع صوت الفأر على بعد 30م . وتشاهد الثعالب الأشياء المتحركة ولكن ربما لاتستطيع ملاحظة الأشياء الثابتة غير المتحركة .