قال تعالى: «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت» (سورة الغاشية الآيات: 17-19). وقال: «وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً» (سورة الأعراف الآية: 74). وقال: «والجبال أرساها، متاعاً لكم ولأنعامكم» (سورة النازعات الآيتان ٣٢ - ٣٣).
خلق الله سبحانه وتعالى كوكب الأرض متزناً وصالحاً لحياة البشر على سطحه، وقد تعرضت الأرض لكثير من التقلبات والتفاعلات البركانية العنيفة، والحركات الأرضية الكبرى، والتقلصات الشديدة والبرودة، فهبطت أجزاء أصبحت هي المحيطات، كما برزت أجزاء أخرى هي القارات وسلاسل الجبال العظمى كالألب والهمالايا والأنديز وغيرها. وسلاسل جبال أخرى أقل ارتفاعاً وحجماً. وبعض هذه الجبال على اليابسة وأخرى مغمورة في البحار والمحيطات وهذه الجبال الظاهرة هي جزء من امتدادها في قاع المحيطات التي تعتبر القاعدة الأصلية لها، ولا يزيد الجزء الظاهر على ربع أو خمس المغمور منها، والجبال ركائز صلبة ثابتة تعمل على ثبات الكرة الأرضية وتوازنها عند دورانها قال تعالى: «والجبال أوتادا» (سورة النبأ الآية 7). فقد اكتشف العلماء في القرن العشرين، أن الأرض تتصدع وتتحرك ألواح قشرتها بشكل دائم، ولكن ببطء لا نحس به، فالجبل الذي يخرج من باطن الأرض إلى سطحها هو بمثابة الوتد الذي يثبت قشرة الأرض على جانبيه، ولقد ثبت علمياً أن الجبل يمتد أربع مرات ونصف المرة تقريباً داخل طبقات الأرض السفلى، حسبما أثبتته وسائل التصوير الهولوغرافى أو التصوير المجسم الصورة.
يقول المهندس حسين الليثي في كتابه «الله خالق الكون الأعظم»: التكوينات الأساسية في معظم الجبال جاءت نتيجة انطلاق المواد المنصهرة في جوف الأرض مع ما يصاحبها من غازات إلى سطحها بتأثير الضغط الشديد في الأعماق، وهذه المواد تظهر على سطح الأرض على هيئة البراكين، حاملة الحمم المنصهرة التي تبرد بعد ذلك مكونة الصخور النارية المختلفة، كما أن هذه الحمم تذيب الطبقات السطحية التي تسقط فوقها مكونة الصخور المتحولة. وتسيل هذه الحمم المنطلقة من فوهات البراكين بقوة دفع هائلة وفي ثورة عارمة قد يبلغ مداها ارتفاعات عالية، وتنحدر إلى مسافات بعيدة قبل أن تتصلب، وتنبعث من أفواه البراكين أجسام صلبة ومواد منصهرة وغازات أخرى مختلفة، وعندما تهدأ ثورة البراكين تتصلب الحمم التي قذفتها بتعرضها للجو. وأفرزت هذه البراكين النشطة كثيرا من سلاسل الجبال وبعضها خامد وساكن وبعضها ينشط في أزمنة مختلفة.
وتتكون الجبال من الصخور النارية والصخور المتحولة والصخور الرسوبية فأما الصخور النارية فأهمها الجرانيت والبازلت والبورفير والديوريت والدولوريت، ومن هذه الصخور تتكون معظم بنية الجبال. وأما الصخور المتحولة فأهمها الجنيس والشيست والرخام والكوارتزيت.
وتأتي الصخور الرسوبية من تراكم مواد مفتتة من الصخور أو رواسب عضوية ترسبت على طبقات على سطح الأرض أو في البحيرات أو في قاع البحار والمحيطات، وقد تحتوى على محارات بحرية أو بقايا نباتية أو حيوانية، وقد تماسك بعضها بفعل مواد معدنية مذابة وتعرضت لضغط الطبقات فوقها حتى أصبحت متحجرة وعلى هيئة طبقات أفقية مختلفة السُمك والنوع.
أمر جلل
يعلم الدارسون لجيولوجية الصخور والفلزات أن تكوين الصخر أمر جلل اشتركت فيه عوامل كثيرة فعلى سبيل المثال فإن الصخور الرسوبية التي منها الحجارة البيضاء على اختلافها، وهى القابلة للنحت، اشترك في تكوينها تجمع الرواسب بعد تعريتها وترسيبها، وأطبقت الضغوط العالية فوقها، وتم نفاذ المواد اللاحمة خلالها.. وما كانت الحجارة ولا صخورها لتتكون لولا تهيئة تلك العوامل مجتمعة، وتنسيق فاعليتها جميعا لتؤدى إلى نتيجة واحدة مصممة كما أرادها الخالق القدير سبحانه وتعالى، وقد أثبت العلم أن الحجارة الجبلية خاصة المتخذة في عمارة البيوت تضمن الاحتفاظ بالحرارة الداخلية، والحيلولة دون تسرب البرد بسبب نقلها الرديء للحرارة، وبهذا تختلف عن البيوت المتخذة من الإسمنت ومن ثم كان الإعجاز العلمي في قوله تعالى: «والله جعل لكم مما خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً» (سورة النحل الآية 35). حيث تبين أنها تقي ساكنيها الحر والبرد.
وأهم الصخور الرسوبية الحجر الجيرى بأنواعه المختلفة التي تتوقف على نوع المواد المترسبة من حيث كونها بقايا حيوانية أو نباتية، ثم أحجار الكونجلومرات المختلطة بالرمال والحصى وقطع الصخور المهشمة بعوامل التعرية المختلفة واندمجت ببعضها مع مواد رابطة وتصلبت ومنها البريشيا. ومن الصخور الرسوبية أيضاً الحجر الرملي الذي يتكون من حبيبات من الكوارتز مختلطة بمواد جيرية أو سليسية رابطة للتماسك، وتختلف صلابته باختلاف تلك المواد، ومنها أحجار شديدة الصلابة لاحتوائها على أكاسيد حديدية.
ومن أهم أنواع الأحجار الجيرية الدولوميت المكون من كربونات الكالسيوم وكربونات الماغنسيوم، وكذلك الأحجار الجيرية الطباشيرية. كما توجد طبقات رسوبية كبيرة جدا من الجبس والفوسفات والفحم الحجري.
ألوان وغزلان
وتمدنا الجبال أيضاً بالمواد المعدنية المختلفة كالحديد والنحاس والذهب والفضة والمنجنيز والجرافيت والكبريت والبيرت والكالسيت والألمنيت والفلسبار والميكا والأسبستوس والأوليفين وغيرها الكثير النافع من المواد المعدنية.
وتوجد هذه المعادن على هيئة عروق أو عدسات أو صخور تحمل أكاسيد هذه المعادن ومن هذا التنوع نرى الجبال بألوان مختلفة. يقول عز وجل «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود» (سوة فاطر الآية ٢٧).
وعن اختلاف ألوان الجبال يقول محمد كامل عبد الصمد في كتابه «الإعجاز العلمى في الإسلام»: قرر علماء الجيولوجيا أن اختلاف ألوان الجبال يرجع إلى تنوع المواد التي تكون صخورها، فالتي من حديد يكون لونها السائد أحمر، والتي من منجنيز يكون لونها أسود، والتي من نحاس يكون لونها أصفر وغير ذلك.كما أن الاختلاف يرجع إلى ما يسمى بالصهارة التي تنبثق في أماكن مختلفة من الأرض، وعلى أعماق مختلفة من السطح، فيعترى تركيبها الاختلاف وتتصلب آخر الأمر في كتل أو جبال مختلفة المادة واللون.
وفى المناطق الجبلية تعيش حيوانات برية مختلفة من غزلان وإبل وببر وأرانب ونعام وخلافه وتعتمد في غذائها على المراعي والعشب النامي في الوديان بعد سقوط الأمطار والسيول من الجبال عليها، كما تنبت أنواع من النباتات الصحراوية النافعة طبياً، وأنواع أخرى من الأشجار، حيث التربة غنية بالعناصر الغذائية المترسبة من فتات صخور وأحجار الجبال، وهذه الأشجار تتحمل الظروف المناخية القاسية من حرارة وبرودة وجفاف، ووهبها الله القدرة على اختزان الماء والغذاء في أوراقها وسوقها ليستمر نموها. كما تحتوى الجبال على كهوف صخرية صالحة لتجميع مياه السيول من دون تسرب وتستمر لشهور طويلة لصالح البشر والحيوان والكائنات الأخرى في هذه البقاع القاحلة وتعرف بالمجل.
الثلاجات العائمة
وتعمل الجبال على صد الرياح العاصفة وكسر حدة الأعاصير العاتية، كما أن اختلاف ارتفاعات الجبال يحدث تخلخلاً في تيارات الرياح المارة على سطحها مما يخفف من درجات الحرارة العالية التي تسقط عليها من الشمس المحرقة.
وعلى قمم الجبال الشاهقة خاصة في المناطق الشمالية ترقد طبقات كثيفة بيضاء من الجليد المتجمد طيلة فصل الشتاء، حتى إذا جاء الصيف عليها ذابت وانحدرت إلى الوديان والأنهار مياها عذبة صافية. أما في مناطق القطبين الشمالى والجنوبى فتظهر جبال الثلج في المحيط وهى ما تعرف بالثلاجات العائمة، حيث يطفو جزء منها على سطح الماء والباقى مغمور تحت السطح. ولعظم حجم هذه الجبال الثلجية فانها تتحرك ببطء من مكان لآخر وتكون أشبه بالجزر وسط المحيط، وعلى الرغم من خطورتها على الملاحة والسفن العابرة التي قد تصطدم بها فتدمرها، فان لها فائدة كبرى حيث تحمل ماء عذباً متجمداً تلقى به عند الذوبان في عرض البحر فتقلل من ملوحته، وقد تصل إلى شواطئ بعيدة للانتفاع بمياهها في أغراض شتى.
ومن فوائد الجبال أنها تمثل الأمان لكل من يلجأ إليها من إنسان أو حيوان أو طير هرباً من عدوه أو صياديه ويحتمي بكهوفها أو يتسلق إلى قممها، وتعتبر الحيوانات من فصيلة الظفر المشقوق من أمهر الحيوانات وأسرعها في تسلق الجبال مثل الماعز الجبلي والغزلان والكباش وغيرها فهي تستطيع الصعود على الجبال من خلال مدقات وممرات ومصاطب في الصخور لا تخطئها أقدامها، وترقى بسرعة كبيرة طلبا للأمان من الأخطار. وتقطن الحيوانات الجبلية والطيور في أعلى الجبال وفي كهوفها، ويأتيها رزقها من فضل الله فالماء مخزون في فجوات وشقوق من الصخور اللامسامية حيث يتجمع عند نزول الأمطار ويبقى على حالته شهوراً طويلة نظيفاً عذباً يروي ظمأ كل وارد عليه.
وللجبال أحوال وأصوات تنبعث منها، فالجبال المكونة من صخور الحديد الماجنتيت مثلاً تتردد في جنباته ذبذبات مسموعة وهمهمة، وأشهر هذه الجبال في مصر جبل أبو دباب وسط الصحراء الشرقية، ويستطيع كل من يقترب منه أو يصعد إلى قمته سماع هذه الهمهمة والذبذبات وكأن شيئاً يتحرك بداخله، ولذا يسميه السكان هناك «جبل العفاريت»، وفي جبال أخرى تدوي أصوات عالية عندما تعصف بها الريح، ويتردد الصوت وينعكس على جنباتها وكأنه الأذان والتكبير والتسبيح.
لها امتدادات مغمورة بمياه البحار والمحيطات
الجبال.. تثبّت الأرض وتجود بالمعادن
13 أكتوبر 2017 02:50 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 أكتوبر 02:50 2017
شارك
سبحان الخالق