تحتفظ الجمعية الجغرافية المصرية بمئات من الوثائق والمقتنيات النادرة التي تروي تاريخ مصر في أكثر من مئة عام، وهو ما يجعلها بحق أحد الصروح العلمية والثقافية في مصر والعالم العربي .

أنشئت الجمعية في 19 مايو/أيار من العام ،1875 بمرسوم أصدره الخديوي إسماعيل، قرر خلاله إعانة سنوية للجمعية قدرها 400 جنيه، وحدد لها مهمتين أساسيتين هما: دراسة علم الجغرافيا بجميع فروعه، وإلقاء الضوء على البلدان الإفريقية مع تنظيم الجهود الكشفية .

كانت جلسات الجمعية تعقد شهريا في بادئ الأمر، كما كانت اللغة الفرنسية لغة المكاتبات والحوار والنشر من العدد الأول عام 1875 وحتى العدد السابع عام ،1912 ثم بدأت تنشر المجلة مقالات باللغة الإنجليزية إلى جانب الفرنسية بدءا من المجلد الثامن عام 1917 .

أما بالنسبة إلى اللغة العربية فإنها لم تختف تماماً من المادة المنشورة في مجلة الجمعية الجغرافية المصرية فقد صدرت ملاحق باللغة العربية لبعض المجلدات أو السلاسل، كما صارت للجمعية مجلة علمية سنوية، ولكي نعرف موقع الجمعية وأهميتها على الساحة الدولية، سنجد أن أول جمعية جغرافية متخصصة في العالم تأسست في العاصمة الفرنسية باريس عام 1821 تلتها الجمعية الألمانية في برلين عام ،1828 ثم تأسست الجمعية الجغرافية الملكية في العاصمة البريطانية لندن عام ،1830 والجمعية المكسيكية عام ،1833 وجمعية فرانكفورت عام ،1836 والجمعية الروسية عام ،1845 والأمريكية عام ،1851 والبرازيلية عام ،1863 والمصرية عام ،1875 وبهذا تصبح الجمعية الخديوية هي تاسع جمعية جغرافية متخصصة في العالم من حيث تاريخ تأسيسها، كما أنها أقدم جمعية جغرافية على الإطلاق خارج أوروبا والأمريكيتين . وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على مكانة مصر العلمية، وبعد تأسيس الجمعية الخديوية بفترة قصيرة شاركت مصر بوفد رسمي في المؤتمر الدولي الثاني الذي نظمته الجمعية الجغرافية في باريس عام ،1875 وأشاد المؤتمر بتأسيس هذه الجمعية في مصر، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الجمعية الجغرافية المصرية عضوا مؤسسا في الاتحاد الجغرافي الدولي .

وعن اختيار أول مقر للجمعية الجغرافية المصرية يقول الدكتور السيد السيد الحسيني أستاذ الجغرافيا وعميد كلية الآداب في جامعة القاهرة سابقاً وأمين عام الجمعية الجغرافية المصرية: كان أول مقر لها بعد أن كان مجرد قاعة في بيت محمد بك الدفتر دار زوج الأميرة زينب هانم ابنة محمد علي باشا الكبير، وكان هذا البيت يمثل ما تبقى من قصر محمد بك الألفي الذي شغله بعد ذلك ديوان المدارس، ثم مدرسة الألسن، ثم فندق شبرد الذي احترق عام 1952 .

وفي العام 1878 انتقلت الجمعية إلى مقر جديد حلت فيه محل المحكمة المختلطة القديمة، ومازالت أطلاله باقية حتى اليوم فيما بين ميدان الخازندار وشارع الجيش الحاليين، وفي عام 1895 انتقلت الجمعية إلى مقر آخر كان يقع عند ناصية التقاء شارع قصر العيني مع شارع مجلس الشعب الحالي، وتم هدم هذا المبنى ليحل محله المبنى الملحق بمجلس الشعب، قبل أن تنتقل في عام 1925 إلى مقرها الحالي، وهو مبنى تاريخي يقع داخل سور يضم عددا من الأبنية السياسية والحكومية التي توجد في قلب القاهرة، ومن بينها مقار مجلسي الشعب والشورى، ووزارة الري، وغيرها .

ويتكون مبنى المقر من جناحين وطابقين، وفي كل جناح منهما حجرات وصالات استخدمت كمكاتب أو صالات عرض، وفي ما بين الجناحين بهو تم إعداده على هيئة قاعة محاضرات، وطوله 35 متراً، وعرضه 24 متراً، وارتفاعه 10 أمتار ونصف المتر، وسقفه محمول على 12 عموداً، وقد تغير استخدام بعض مساحات المبنى أكثر من مرة، وفي الوقت الحالي تشغل الطابق الأرضي قاعات المتحف الإثنوغرافي، إضافة إلى قاعات اجتماعات مجلس الإدارة، والمكتبة، وقاعة إفريقيا، وقاعة قناة السويس، ومخزن المطبوعات، أما الطابق الثاني فيضم القاعة الكبرى للمحاضرات وسعتها 438 مقعداً، إضافة إلى مكتبي رئيس الجمعية في الجناح الأيمن من القاعة، وكذلك أمينها العام، أما الجناح الأيسر فقد خصص للمكتبة الرئيسة للجمعية بما تضمه من مراجع رئيسة ودوريات .

وكانت نواة المكتبة عبارة عن ألفين وخمسمئة مجلد أهداها الخديوي إسماعيل للجمعية، ثم تلقت الجمعية بعض الهدايا في صورة مكتبات لبعض الصفوة والأمراء منها مكتبة محمود باشا الفلكي في نحو ثلاثمئة مجلد ومكتبة الأمير حيدر فاضل، وتضم سبعة آلاف مجلد ولم يغلق الباب أمام التبرع بالمكتبات الخاصة، فقد أهدى الدكتور سليمان حزين للجمعية مكتبته الخاصة، وكذلك أهدى الدكتور محمد صفي الدين أبو العز الرئيس الحالي للجمعية جزءاً من مكتبته، ولهذا تزخر مكتبة الجمعية بنفائس من الكتب القديمة، التي ترجع إلى فترات الكشوف الجغرافية في القارة الإفريقية، وفي أعالي النيل بصفة خاصة، كما تحتوي الجمعية الجغرافية على ذخائر من الخرائط والصور القديمة والحديثة، ومن الخرائط القيمة التي نشرتها الجمعية تلك الخريطة، التي رسمت عام 1877 تحقيقاً لرغبة أبداها الخديوي إسماعيل وتشتمل على خلاصة الكشوف الجغرافية الواسعة التي تمت في عهده، وتبين الطرق التي سلطها المكتشفون، ومن الخرائط النادرة خريطة دارفور التي رسمها بوردي باشا، وخريطة غوردون باشا التي رسمها للنيل، إضافة إلى مجموعة نادرة من الخرائط التي أهداها الملك فؤاد للجمعية، كما تحتفظ المكتبة بأطلس الأمير يوسف كمال، ويضم خرائط قديمة نادرة لقارة إفريقيا وغيرها من بلاد العالم مع التعليق، وكذلك أطلس الحملة الفرنسية .

وتقتني الجمعية الجغرافية المصرية متحفا غاية في الروعة والجمال ويقول أحمد مكاوي مدير المتحف: يحتوي المتحف على عدة قاعات أهمها قاعة القاهرة، وهي تعكس صوراً من الحياة الشعبية في مصر على مر التاريخ، وتشتمل على مجموعة من المقتنيات التي تمثل العادات والتقاليد في مدينة القاهرة مثل التدخين وأدواته والحلاقة وأدواتها، وأدوات الزينة، والحلي وأدوات السحر والموسيقا والألعاب وغيرها، وتتوسط القاعة أهم المقتنيات ممثلة في المحمل النبوي الشريف، وهو من عصر الملك فؤاد الأول، وكانت مصر ترسله إلى الحجاز مع أستار الكعبة في موسم الحج، وهو من الحرير ومكتوب عليه آية الكرسي بخيوط الصرمة، وهي خيوط من الذهب والفضة البارزة ومزخرف بزخارف نباتية وهندسية، كما يوجد في القاعة التختروان وهو قطعة فنية نادرة من النوع الذي كان مستعملاً في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهو مصنوع من الخشب النادر الثمين المطعم بالعاج والصدف في أشكال فنية وهندسية إسلامية، ومطعم بالخط العربي الدقيقي، ويعتبر آية من آيات الفن العربي الإسلامي، وفيه كانت تزف العروس وتجلس داخله، ويحمله اثنان من الجمال طبقا للتقاليد الشرقية وقتذاك، كما يوجد في القاعة كوشتا العروسة المزدوجة والمفردة ذات الشغل الدقيق وهي مطعمة بأجزاء من الخط العربي الدقيق، والتعاشيق الهندسية .

وتضم قاعة الحرف والصناعات مجموعات من إنتاج الحرف والصناعات المصرية الأصيلة، وخاصة الحرف اليدوية مثل الخط العربي وصناعة النحاس والزجاج وبائع العرقسوس وبائع حب العزيز والمكوجي والرحاية وسنان السكاكين وغيرها، فيما تضم قاعة إفريقيا المقتنيات كافة التي أهداها إلى الجمعية الفريق مختار باشا رئيس هيئة أركان الجيش المصري وعدد من الرحالة الذين شاركوا في أنشطة الجمعية الجغرافية وجهودها الكشفية وتشتمل هذه القاعة على مجموعة كبيرة من الحراب والسيوف والخناجر والدروع، والطبول وأدوات الموسيقا لدى بعض الجماعات والقبائل الإفريقية وسن الفيل، وقدم فيل محنطة .

وتخصص الجمعية الجغرافية قاعة خاصة لقناة السويس، تضم جميع المقتنيات التي أهدتها شركة قناة السويس للجمعية في العام ،1930 وهي تضم وثائق وصوراً وخرائط ومجسمات تلخص تاريخ القناة مذ بدء حفرها في عام ،1859 حتى افتتاحها في العام 1869 .

وتعد قاعة المجسمات التذكارية من أهم قاعات العرض في الجمعية الجغرافية، وهي تضم عدداً من المجسمات من أهمها دايوراما تمثل مقدمة باخرة من طراز 1930 تجتاز قناة السويس ويحيط بمقدمتها من الناحيتين شريطان طويلان مرسوم عليهما من ناحية كل مناظر الشاطئ الغربي ومن الناحية الأخرى الشاطئ الشرقي للقناة، مجسم يمثل حفر قناة السويس في ميناء بورسعيد، وقد ظهر في المجسم الدايوراما مقدمة السفينة الإمبراطورية واسمها النسر، وعليها أوجيني إمبراطورة فرنسا وبجانبها المهندس ديليسيبس يشرح لها، وكذلك عدد 4 دايورامات تمثل: الإسماعيلية وبورسعيد وبور توفيق . ورصيف أحد جانبي القناة وهي مناظر مجسمة لهذه المدن الثلاث عام 1930 .