وعد الله عز وجل أهل الجنة بنعيم وافر ومظاهر تكريم متعددة، ومن مظاهر النعيم التي تحيط بأهل الجنة الأنهار حيث أخبرنا الحق سبحانه في عدد من الآيات القرآنية بأسماء وأوصاف الأنهار التي تحيط بأهل الجنة والتي ينعمون بخيراتها كما حدثنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه عن أسماء وأوصاف بعض أنهار الجنة .

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة محمد عن بعض النعيم الذي خص به عباده المتقين: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم . في هذه الآية الكريمة يوضح الحق سبحانه وتعالى أن تقوى الله قنطرة إلى الجنة، وهذه الجنة التي هي مستقر دائم للمتقين والصالحين من عباد الله فيها أنهار كلها خير وشراب لذيذ، فقوله عز وجل: فيها أنهار من ماء غير آسن توضيح لبعض محاسن الجنة، والمعنى: أن الجنة التي وعد الله تعالى بها عباده المتقين فيها أنهار من ماء ليس متغيراً في طعمه أو رائحته، وإنما هو طيب لذيذ تشتهيه النفوس فالماء الآسن هو الذي يتغير طعمه وريحه لطول مكثه في مكان معين .

فى الجنة أيضا ينعم أصحابها بأنهار من (لبن لم يتغير طعمه) أي أن لبن هذه الأنهار لا يتغير طعمه بالحموضة ولا بغيرها مما يجري على الألبان التي تشرب في الدنيا، وفى الجنة أيضاً أنهار من خمر هي في غاية اللذة لمن يشربها، إذ لا يعقبها ذهاب عقل، ولا صداع .

وخمر أنهار الجنة يختلف اختلافاً جذريا عن خمر السكارى والمنحرفين في الدنيا الذين يدمنون الحرام ويلبون رغباتهم وشهواتهم بكل ما يحلو لهم، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في وصف خمر أنهار الجنة لذة للشاربين للإشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها بخلاف خمر الدنيا التي يرفضها ويعافها بعض الناس ولو كان على غير دين الإسلام .

وفي الجنة أنهار من عسل مصفى أي أنهار من عسل لا يخالطه ما يخالط عسل الدنيا من الشمع أو غيره، أي أنه خالٍ من كل الشوائب .

مغفرة من الله

وللمؤمنين في الجنة إلى جانب أنهار المياه العذبة واللبن ذي الطعم الجميل وأنهار الخمر المباحة اللذيذة، وأنهار العسل المصفى، كل ما تشتهيه الأنفس من الثمرات الطيبة، والأهم من كل ذلك أن لهم فيها مغفرة من ربهم .

وهذه الآية الكريمة كما يقول الدكتور سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية ترغب المسلمين في العمل من أجل الجنة التي تحتوي على كل هذه الأنهار الطيبة والخيرات الكثيرة وتوضح الفرق بين حال المؤمنين الطائعين وحال العاصين الشاردين ولذلك ختمها الحق سبحانه وتعالى بقوله: كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم . . فالله سبحانه وتعالى هنا يخاطب عقول وضمائر عباده ويقول لهم: هل جزاء المؤمنين الذي هو الجنة التي فيها ما فيها من أنهار الماء واللبن والخمر اللذيذ الحلال والعسل المصفى مثل عقاب الكافرين المتمثل في النار، التي يخلدون فيها إلى الأبد، أو الذين يشربون من ماء شديد الحرارة فيقطع أمعاءهم؟!

إن الله سبحانه وتعالى يوضح من خلال هذه الآية لكل صاحب عقل الفرق الكبير بين النعيم الذي يستحقه أهل الجنة الذين آمنوا واتقوا وعملوا الصالحات وتقربوا إلى خالقهم بكل صنوف الطاعات، وبين العقاب الرادع الذي ينتظر الجاحدين المعاندين الذين عصوا وجحدوا وتنكروا للطاعات وتمردوا على الفضائل وأدمنوا الرذائل .

درجات الجنة

وفى آية أخرى يوضح الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان لن يدخل الجنة من دون عمل جاد ومخلص ومن دون إيمان حقيقي فيقول سبحانه في سورة البقرة: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون .

فالجنة كما تخبرنا هذه الآية الكريمة تتطلب إيماناً صادقا وعملاً صالحاً، والجنة درجات يدخلها الإنسان على قدر درجة إيمانه وعمله الصالح، فهناك جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون . . . وقال العلماء، إن منازل المؤمنين في الجنة تتفاوت بتفاوت الأعمال الصالحة .

وهذه الجنة التي جعلها الله مستقراً لعباده المؤمنين الصالحين لا تجري من تحتها الأنهار كما هو ظاهر الآية بل المقصود أن الأنهار تجري من تحت أشجارها وزراعتها .

وقد بين الحق سبحانه وتعالى لنا في هذه الآية الكريمة أحوال المؤمنين الصالحين في الجنة فقال: كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أي أن سكان الجنة كلما رزقوا في الجنة ثمرة من ثمراتها وجدوها مثل الذي رزقوه فيها من قبل فهي ثمار حسنة المنظر لذيذة الطعم، وفي هذا إشارة إلى أن ثمار الجنة متماثلة في حسن منظرها ولذة طعمها بحيث لا تفضل ثمرة في ذلك على أخرى، فجميع الثمار جميلة متناسقة متشابهة يسر لها القلب ويستحليها الذوق وإن اختلفت المناظر والطعوم .

ثم قال الحق سبحانه في وصف ثمار الجنة وأتوا به متشابهاً أي يشبه بعضه بعضاً في الصورة والرائحة، ويختلف في اللذة والطعم أو في المزية والحسن، وعن ابن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي، وهذه العبارة مؤكدة لما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن كل ثمر يشابه ما قبله في حسن المنظر ولذة الطعم مشابهة لا يفضل فيها ثمر على آخر، بخلاف ثمر الدنيا، فإنه يتفاوت في مناظره حسناً وفي طعومه لذة .

وقال بعض المفسرين إن المراد بقوله سبحانه: قالوا هذا الذي رزقنا من قبل أن الله سبحانه وتعالى ينعم على أهل الجنة بالثمار اللذيذة التي تعودوا عليها في الدنيا بدليل قوله تعالى: وأتوا به متشابهاً فكثير من الناس يفضلون ما ألفوا وتعودوا عليه وجربوه من قبل، والله سبحانه وتعالى يجزل العطاء لعباده المؤمنين الذين تقربوا إليه بكل الأعمال الصالحة ويعطيهم ما يرضيهم وما يتطلعون إليه .

أزواج مطهرة

ونعيم أهل الجنة لا يقف عند كل ما ذكر من طيبات، فالله سبحانه وتعالى ينعم على هؤلاء المؤمنين الصادقين المخلصين بزوجات مختصات بهم، مطهرات غاية التطهير من كل دنس وقذر حسي ومعنوي، وهن لسن كنساء الدنيا .

ويختتم الحق سبحانه وعوده لعباده المؤمنين المخلصين بقوله: وهم فيها خالدون أي أنهم باقون على الدوام في الجنة، لأن النعيم إنما يتم باطمئنان صاحبه على أنه دائم . . أما إذا كان محتملاً للزوال فإن صاحبه يبقى منغص البال، إذ سيتذكر أنه سيفقده في يوم من الأيام .

ويقول الدكتور سالم عبدالجليل تعليقاً على ما تحمله لنا هذه الآيات الكريمة: الله سبحانه وتعالى رهن المكافأة أو الجائزة بالعمل، والإنسان الذي يتطلع إلى مرضاة الله والفوز بجنته والنجاة من النار عليه أن يعمل من أجل ذلك، والآيات القرآنية الكريمة تشرح لنا طريق الوصول إلى الجنة وتقول لنا آمنوا واعملوا الصالحات، وهذه العبارة الموجزة تحمل في طياتها الكثير من الالتزامات الدينية والأخلاقية، فالإنسان مطلوب منه أولاً أن يؤمن بأن الله عز وجل هو الخالق لكل ما في الكون وهو الصانع المبدع في خلقه وكونه وهو وحده المشرع لكل ما يصلح الإنسان في دنياه وأخراه . . ثم بعد هذا الإيمان وما يستلزمه من إخلاص ويقين عليه أن يعمل الصالحات، والعمل الصالح متسع المجال ويشمل كل عمل يعمله الإنسان في حياته، وكل عمل لا يتقي الإنسان فيه خالقه ولا يلتزم فيه بالآداب والأخلاقيات التي جاء بها الإسلام يحاسبه الله عليه .

فالإنسان يأخذ الأجر والثواب على عمله الذي يتقنه ويؤديه بكفاءة وإخلاص، ويعاقب على كل تقصير في ما كلف به من عمل .

ويختم الدكتور عبدالجليل حديثه عن الإيمان والعمل الذي يقود صاحبه إلى الجنة ويقول: الجنة التي ورد وصفها وما فيها من نعيم دائم تستحق أن نعمل لها . . فهيا بنا نؤمن بإخلاص ونعمل كل الأعمال الطيبة الصالحة بإتقان لعلنا نفوز بهذه المكافأة التي لا تعادلها مكافأة .