الجنين في اللغة يطلق على الولد في بطن أمه، والجنين هو المستور في رحم الأم بين ظلمات ثلاث، قال تعالى: «يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث»، (الآية 6 من سورة الزمر).
- وفي اصطلاح الفقهاء يطلق على من في رحم المرأة من بعد مرحلة المضغة، وقد قال عنه الشافعي رحمه الله في كتاب «الأم» بأن أقل ما يكون به جنيناً أن يفارق المضغة والعلقة حتى يتبين منه شيء من خلق آدمي.
- والجنين عند الفقهاء خلق يحتمل الحياة والموت، إلا أن له أهلية الوجوب والذمة، ولو أن أهليته ناقصة، لذلك فإنه يثبت له حق النسب والإرث والاستحقاق في الوقف، وللأم الحامل إذا طلقت نفقة الجنين ونفقة العدة.
- والجنين طالما هو في بطن أمه، لا يجوز لأحد أن يعتدي عليه، إلا إذا ثبت أن وجوده في بطن الأم يسبب خطراً على الأم، أو أنه مشوه من أصل خلقته تشوهاً بليغاً بحيث تصعب الحياة معه، فعند ذلك يشرع إنزاله.
- ومثل هذا المبرر يصلح مبرراً يجيز إسقاطه، لأن القاعدة الفقهية تقول: «يرتكب أخف الضررين»، فصحة الأم مقدمة على صحة الجنين، وقتل الجنين المشوه وهو في بطن أمه، أخف جرماً من إبقائه حياً مشوهاً بحيث يتعرض للعذاب والألم طوال حياته.
وإذا قلنا بوجوب المحافظة على حياة الأم، فإننا نقول بوجوب المحافظة على حياة الجنين أيضاً، وقد ذكر الفقهاء بأن الحامل لو ماتت وفي بطنها جنين حي، وجب شق بطن الحامل وإخراج ولدها سالماً، لأن الإنسان يبقى مكرماً حياً وميتاً، ولا يجوز التعبث به، إلا أن إتلاف جزء من ميت لاستبقاء حي أولى وأوجب.
والجنين إذا مات في بطن أمه وجب إنزاله، ووجب غسله وتكفينه ودفنه من غير صلاة عليه كما يقول ابن عابدين من الحنفية.
ويقول الدردير من المالكية بأن السقط لا يغسل، لكنه يكفن ويدفن في مقابر المسلمين.
وعند الشافعية يكفن بخرقة ويدفن من غير غسل إذا كان عمره أقل من أربعة أشهر، وبعد الأربعة أشهر يصلى عليه، والحنابلة قالوا بأنه بعد الأربعة أشهر يغسل ويصلى عليه حتى لو لم يستهل بل ويستحب تسميته أيضاً.
- وتذكر الفتاوى الكويتية بأن الجنين الذي يتوفى في بطن أمه بعد أن استكمل تسعة أشهر، إذا لم يمكن إنزاله لأن حجمه كبير، وقرر الأطباء عندئذ إبقاءه في بطن الأم لمدة شهر، يضمر ومن ثم يتحلل ويخرج طبيعياً.
- وهذه الصورة يرى الفقهاء أنها تمس كرامة الإنسان الذي كرمه الله حياً وميتاً، فتعريضه للتآكل والاضمحلال فيه تشويه لخلق الله ولا سيما أن الأطباء بإمكانهم أن يولدوا الحامل بالعملية القيصرية، وكون أن المستشفى الحكومي لا يوفر الدواء لعملية الطلق الصناعي لمثل هذه الحالات، لا يكفي مبرراً لتعريض الجنين للتشويه.
- لذلك رأى قطاع الإفتاء بوزارة الأوقاف في الكويت أنه إذا أمكن إسقاطه كاملاً من دون أن يلحق ضرر بالأم وجب إخراج الجنين كاملاً، ومن ثم يغسل ويكفن ويسمى ويصلى عليه خروجاً من الخلاف، ويدفن في مقابر المسلمين.
- أقول: إن صحة الأم محط رعاية الدين الحنيف، إذ قد تتعرض الأم في حال إبقاء الميت في بطنها شهراً ليضمر ويضمحل ويتفتت، لأضرار أخرى مثل التسمم أو أي مرض يعرفه الأطباء أكثر منا، إضافة إلى الحالة النفسية التي تعانيها الأم وهي تحمل ميتاً في بطنها، وتصبح وتمسي بين الناس وهي تحمل أحزانها وآلامها من غير أن تحصد ثمرة.
الجنين الميت في بطن أمه
25 أكتوبر 2019 02:56 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 أكتوبر 02:56 2019
شارك
د. عارف الشيخ